لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

فتاوى تحت الطلب

فتاوى تحت الطلب

 

كنت في حيرة من أمري لعلمي بحساسية مثل هذه المواضيع ، إلا أنني فضلت أن أكتب ولا أبالي ، لأكتب قناعتي والحكم على القراء الأعزاء ، مع احترامي وتقديري وإجلالي للسادة العلماء والمراجع والمفتين العظام .

 

إذا أردنا التحدث عن الفتاوى فإننا بالتأكيد نتكلم عن طائفتين ( سنية و شيعية ) كما يعلم الكثيرون ، و من هنا يجب علينا أن نتكلم عن مفتين الطائفتين الكريمتين .

 
بعض مفتين أهل السنة والجماعة
 

 

بداية أنا كشيعي لدي قناعة بأن المفتين السنة غير مستقلين عن أدوات الحكم والنظام في الدولة التي يقيمون فيها ، لرجوعهم لحديث يجعل فيه السلطان هو الحاكم الشرعي أي كانت الظروف و طاعته واجبه لكونه ولي أمر المسلمين القاطنين في الدولة ، لذا لن ألاحظ في أي دولة وقوفاً من المفتي ضد دولته واتخاذه القرارات المستقلة الخالصة ولنا أكثر من نموذج على هذا الصعيد ، فمفتي مصر يفتي بجلد صحفي لأنه أشاع خبراً في صحة الرئيس حسني مبارك ، و المفتي السعودي يفتي بحرمة الدعاء لحزب الله الشيعي فضلاً عن التبرع له ، ومفتي لبنان يقف مع السلطة الفاقدة للشرعية الدستورية والميثاقية والتي لا ترضي على أقل تقادير ثلثي الشعب اللبناني ، ومفتي قطر يبتعد كل البعد عن الحديث عن اليهود ومقاطعة إسرائيل كي لا يقف ضد توجه الدولة الرامي إلى التطبيع مع إسرائيل .

 

من خلال المعطيات السابقة والتي هي أمثلة بسيطة ، أستطيع أن أستنتج إن المفتي يخرج فتاوى منمقة ينفذ فيها رأي الحاكم أو السلطان ، أو رأس الهرم الجمهوري أو الرئاسي أو الملكي في أي دولة ، وينفذ أوامره على شكل فتاوى تخرج للمسلمين السنة في البلاد لكي يتبعوا سلطانهم ولا يقفوا ضده أي موقف معارض لكي لا يحدث شغب لا يحمد عقباه في البلد ، وفي نهاية المطاف فالمفتي له درجة كبيرة من الحب والاحترام والالتزام العقائدي في نفس متبعه .

 

أما نحن الشيعة فلا نملك مفتي خاص لكل دولة ، بل إننا نملك مراجع لكل العالم وكل شخص عليه أن يختار مقلده لكي يقلده ويكون هو مفتيه الشرعي ومراجع الدين الشيعة كما هو معروف في دولتين هما إيران والعراق إضافة إليهم مرجعية السيد فضل الله في لبنان .

 
بعض المراجع الشيعية
 

نحن كشيعة ندعي إننا لا ننفذ أوامر السلطات في أي دولة ، وإنما نحتكم لديننا الذي يلزمنا بفعل ما يرضي الله ، ومن هنا يتمتع الشيعة عموماً باستقلالية عن النظام في القضايا الدينية على وجه الخصوص ، ويستطيع أي شخص أن يشاهد خطباء المساجد الشيعة في الدول الخليجية و العربية ويلحظ الفرق في خطابهم السياسي مع غيرهم ، فرغم وجود الضغوطات إلا أن الشيعة على مر العصور استطاعوا أن يكونوا لهم كيانهم الديني الخاص الذي لا يمس ، فلا يستطيع اليوم أحد أن يوقف المواكب الحسينية في البحرين أو السعودية أو عمان أو الكويت أو الإمارات أو أي دولة فيها تكتلات شيعية في الأساس .

 

هنا نحن نعلم إنه ليست هناك دولة قادرة على فرض آرائها على المرجعية الشيعية التي تفتي لمتبعيها ، لكن هنا أيضاً ندخل في دوامة استنباط الحكم الشرعي ، فلدينا شخصيات جدلية كالمرحوم الدكتور شريعتي ، كتبه لدى البعض كتب تنوير وإرشاد ووعي وثقافة ويفتون بضرورة قراءتها ، بينما يفتي الآخرون بأنها كتب ظلال وفساد ولا يجوز قراءتها ولا بيعها أو التكسب من ورائها .

 

هنا كيف يستنبط الحكم الشرعي في قضية كتلك ، أم أن هناك توجهات سياسية تدعم هذه الفتوى أو تلك ليكون التضارب سيد الموقف في فتاوى المراجع ؟

 

لست هنا بصدد التشكيك في طريقة استنباط الحكم الشرعي ، وسأقول مظناً الظن الحسن إن مراجعنا العظام لديهم موارد الشريعة التي يستنبطون منها الأحكام كل ينظر إليه من زاوية معينة ولديه أدلة في الأمر كي يصدر فتواه فيه وإن الإختلاف وارد في الاجتهاد في نهاية المطاف ، ومراجعنا أكبر من أن يؤثر عليهم توجه سياسي أو اجتماعي أو ثقافي .

 

لكن الغريب إنني أطلع على فتاوى صادرة بالجواز والحرمة في نفس الأمر ، وهنا لابد لي أن أتوقف قليلاً لأستفسر عما يحدث أساساً ، فما الذي يحدوا بهذا المرجع الواحد أن يصدر فتوتين متناقضتين في أمر مشابه ، أليس هو من يستنبط الحكم الشرعي لوحده ؟

تكلمت مع وكيل أحد مراجع الطائفة الشيعية الكبار عن هذه المسألة ، فأجابني إن تغير الفتوى والحكم شيء وارد ، فمع مرور السنين يحصل المرجع على معطيات جديدة وتغير الزمان والمكان يفرض على المرجع أيضاً استنباط حكم شرعي جديد يناسب هذه المرحلة ، فتغير الزمكان و عصر السرعة والتطور الذي يفرض علينا تقنيات جديدة لاستحصال البيانات والمعلومات ، كلها أيضاً لها دور في نظرة المرجع للأمر وكيفية استنباطه للحكم الشرعي فيه ، وحسب ما فهمت فإن الأمر يحصل بعد مرور سنين كثيرة لتغيير الفتوى إن كان المرجع ذاته على قيد الحياة .

 

هنا أيضاً أحسنت ظني في المراجع وقلت لنمضي في الموضوع ، لأحصل بعدها على فتوتين نقيضتين لمرجع واحد في فترة لا تتجاوز الشهر ، استغربت كثيراً فما هي ظروف الزمكان التي فرضت على المرجع تغيير فتواه ، فقيل لي إن هذا يحدث عندما يطلع المرجع على دليل آخر من أدلة خارجة من موارد الاستنباط ، لكي يستنبط بها حكم شرعياً مغايراً ، كأن اطلع على حديث رواته ثقاة ، ومسنده صحيح ومنقول بالتواتر يستنبط فيه المرجع حكماً شرعياً مغايراً لما صدر في السابق ، هنا أيضاً أحسن الظن وقلت هذا يعني إن مرجعيتنا ولله الحمد لازالت بخير ولا تخضع لسلطة أي شخص أو جماعه أو فئة أو حكومات .

 

مالفت نظري إن هناك فتوتين نقيضتين صدرتا من مرجع واحد إلا أن هذه الفتوتين النقيضتين من مكتبين مختلفين ، فبادرت بإرسال نفس السؤال للمكتبين وحصلت على نفس الفتوتين في فترة متقاربة جداً ، بعد السؤال والتمحيص ، قال لي أحد الأصدقاء يجب عليك أن لا توجع رأسك بهذا الأمر ، كل ما في الأمر إن رئيس المكتب في الدولة الفلانية مقتنع بهذا ، ورئيس المكتب في الدولة الفلانية مقتنع بذاك ، ومن هنا كل يصدر فتواه على قناعته ، فسألته وكيف يحصل ذلك وهم وكلاء لمرجع واحد ولا يجوز لهم أن يتلاعبوا بالأحكام حسب رغبتهم أو انتمائهم فأجابني إن الشيخ الفلاني ذهب للدولة الفلانية ليشكل فيها مؤسسة إسلامية خيرية ، ولأن رئيس المكتب في تلك الدولة ( دولة أوروبية ) هو المسئول عن أعمال الخير فأصدر فتوى بتحريم التبرع لهذه المؤسسة ، إلا أن هذا الشيخ بادر بالسفر إلى إيران ولديه أصدقاء كثر من مكتب المرجع ذاته فكلمهم وشرح لهم الوضع ، فصدرت فتوى تحث الناس أن يتبرعوا له ، وبهذا صار هناك فتوتين نقيضتين في جهة واحدة وفي وقت وجيز ، دون علم المرجع مطلقاً .

 

من هنا ما أتمناه فعلاً أن يكون كل هذا الكلام غير صحيح ، أو أن يكون هذا الكلام كلاماً قديماً ، وأتمنى أن تتبدل الأحوال للأفضل في ذلك ، فليتقوا الله هؤلاء الوكلاء ورؤساء المكاتب للمرجعيات ، فالمرجعية رمزيتها ليست بالقليلة ، لا تسقطوها بفتاوى تحت الطلب ، تصدروها لنصرة فئة ولمحاربة أخرى .



أضف تعليقا

محمد الحايكي من البحرين
01 نوفمبر, 2007 10:47 م
بعض التصرفات الصادرة من مكاتب المراجع تثير الاستغراب
قبل فترة ارسلت سؤال لأحد المكاتب ووصلني الرد بعد يومين و بعد يوم اخر وصلني على نفس السؤال يختلف عن الرد السابق !
محمد الحايكي من البحرين
01 نوفمبر, 2007 10:47 م
بعض التصرفات الصادرة من مكاتب المراجع تثير الاستغراب
قبل فترة ارسلت سؤال لأحد المكاتب ووصلني الرد بعد يومين و بعد يوم اخر وصلني على نفس السؤال يختلف عن الرد السابق !
noono111 من البحرين
04 نوفمبر, 2007 07:43 ص
مرحبا
شكراً لمرورك مدونتي
قرأت ردك على على الإدراج "خجل من عار"
احترمه بشده...
شكراً لمرورك مرة أحرى و أثراك الموضوع كي لا يكون حكراً على وجهة نظر دون أخرى.
ساعود لقرأة "فتاوي تحت الطلب " مرة أخرى

كن بخير
الإمبراطور سنبس من البحرين
04 نوفمبر, 2007 08:42 ص
مـرحباً ..

موضوع، غريب و جميل، و خيارك في طرحه كان موفقاً، فنحن - حرصاً على ديننا - لا نريد تقديسهمو - احتراماً لمراجعنا - لا نريد الإقلال من شأنهم ... ولكن ليس على حساب الدين

ولكن يا عزيزي رغم أن فكرة الموضوع وصلت، لكنه غير واضح المعالم لعدم ذكر مواضيع الفتوى و حيثياتها .. نحن على كلٍ لا نستطيع ان نصدر أحكام مسبقة، وعلينا أن نقوم - بما فعلته - السؤال و التمحيص إبتغاءً للإطمئنان

لكن السؤال يقول، ماذا لو توصلنا في النهاية أن الوكلاء " يعلبون بذيلهم " فماذا يكون دورنا ؟
bolafee من الهند
06 نوفمبر, 2007 04:47 م
العزيز محمد الحايكي :

تواصلك المستمر يسعدني ، وعن الفتاوى فهذا يحدث لدى الكثير من المراجع

وأهلاً بك دائماً
bolafee من الهند
06 نوفمبر, 2007 04:48 م
الأخت رباب أحمد :

أهلاً بك دائماً ، وهذا المؤمل منك أن لا تنزعجي من رأيي ، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية

وأهلاً بك دائماً
bolafee من الهند
06 نوفمبر, 2007 04:53 م
الأخ سيد علي
"الامبراطور سنبس"

أهلاً بك

أشكرك بداية على المديح الذي بالتأكيد لا أستحقه ، وعن الموضوع نعم هو موضوع حقيقي وليس بموضوع صادر من نسج الخيال ، ولو لا حرصي على إيصال الفكرة لتوعية من يريد أن يكون واعياً لم أطرح الوثائق التي في حوزتي ( الفتاوى ) كي لا يحور الموضوع إلى محسوبيات وتحزبات أنتمي إليها أنا وكوني من مؤيدي هذا المرجع أم ذاك .

لنكن واضحين ، فأنا لا أتهم المراجع بذاتهم ولهم كل الاحترام والتقدير والتبجيل فهم سندنا ومرجعيتنا في نهاية المطاف ، إنما أتكلم عن بعض الوكلاء ومديري المكاتب ، وهنا أيضاً لا أجمع ، فالصالحين كثيرون ، وما يراه الناس في الصفحة البيضاء هي النقطة السوداء .

لك أن تتحقق بنفسك في هذا الموضوع ، ولك تحياتي الحارة مجدداً
lovecandle22 من البحرين
07 نوفمبر, 2007 10:31 ص
أخي مجتبى

جئتُ هنا لأرد زيارتك الخاطفة على مدونتي .. لكن مدونتك أعجبتني بشدة .. فتنقلت من موضوع لآخر .. قلمك جريء جداً ويُجبرني على احترامه ..

أما عن ما كتبت أعلاه .. فقد يكون ما سمعته مثلما قلت نقطة سوداء في الصفحة البيضاء


شكراً لك وبارك الله فيك
bolafee من الهند
07 نوفمبر, 2007 12:52 م
الأخت : lovecandle22

أهلاً وسهلاً ومرحباً بك في هذه الزاوية المتواضعة جداً التي لا تستحق كل هذا المديح منك ، ويبقى ما قلته عن المدونة وسام فخر أعتز به أيما اعتزاز

وأهلاً لك دائماً وأبداً في هذه المدونة التي هي ملك للجميع وليست حكراً على أحد
mafhm من سوريا
07 نوفمبر, 2007 12:53 م
المشكله اظنها بالزمن ياصاحبي
مقال جميل
كن بخير
noono111 من البحرين
07 نوفمبر, 2007 01:00 م
مرحباً مجدداً
عدت للتعليق على الإدراج

بالفعل الفتاوي التي كثرت هذه الأيام تسهم في عكس صورة سلبية عن المسلمين والعرب، أو بعبارة أدق تنحت صورتهم السلبية بحيث لا يمكن خلخلتها...

تناولك للموضوع كان جميلاً.. لكن لا يمكنك تصنيف الفتاوى بحسب تبعيتها لمذاهب معينة... فمن يقدم الفتاوى الجاهزة لا ينتمي لأي دين أو مذهب.
كما هو الأرهاب الذي لا دين له.

أما بالنسبة لرأيك فبتأكيد لا أنزعج من كل الأراء.. بالخصوص حين تبنى على حقائق لا يمكن أخفالها البته.

كن بخير شقيق
bolafee من الهند
07 نوفمبر, 2007 04:05 م
الأخ mafhm

أهلا وسهلاً بك في مدونة أخيك المتواضعة
وأرحب بك وبكل أبناء أهل الشام الأعزاء والأحبة والأصدقاء والأشقاء .....
يعجز لساني عن وصفكم ، فحبكم في قلبي

وشكراً على التعليق ، ويقولون
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانــا

دمت بخير
bolafee من الهند
07 نوفمبر, 2007 04:08 م
الأخت رباب أحمد

طبعاً أحترم رأيك أنا أيضاً إلا أن للتوضيح كان سبب تفريقي بين فتاوى الطائفتين الكريمتين هو موضوع مفصلي ، قالعلماء السنة يعتبرون رؤساء الدول هم أولي الأمر بينما الأمر مختلف لدى الشيعة

ويمكنك الرجوع للمقال من جديد

ويعطيك العافية