لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

عام على الرحيل

في ذكرى مرور عام على رحيل الشيخ عبدالأمير الجمري رحمه الله

الشيخ الجمري أيام مرضه

من المتوقع أن تكثر المقالات الصحفية وكتابات المدونات في الأيام القليلة القادمة عن الشيخ الجمري ، سواء كانوا مختلفين معه أم متفقين إلا أنهم بالتأكيد لم يستطيعوا أن ينسوا الجمري أو يختلفوا عليه من منطلق إنه الشخصية الوطنية التي برزت في الساحة لربع قرن أو يزيد في مختلف الأماكن .

وربما يأتي الكثير ليكتب عن تجربته الشخصية مع الشيخ الجمري ، وكيف عرفه وماذا سمع عنه في بعض المجالس الخاصة ، والبعض الآخر بالتأكيد سيكتفي بذكر إنجازات الرجل ومعلومات عنه مضافاً إليه بعض من كلمات الحب والتقدير لهذه الشخصية المعطاء .

 شخصياً لا أملك الكثير لأتحدث عنه في الجانب الشخصي مع الشيخ الجمري إلا ثلاثة مشاهد صغيرة ، الأول كان عند مجيئه في عام 2001 إلى قرية الدير لإقامة صلاة الجماعة لأول مرة بعد الإنفراج ، وللعودة إلى العادة القديمة كما كان في الثمانينات حسب ما يقولون ، حيث كان يصلي ليلة واحدة في الأسبوع في قرية الدير ،بطبيعة الحال كانت الصلاة حاشدة ومن كثرة الناس ، اضطر احد رجال الدين الذين صاحبوا الشيخ الجمري في تلك الليلة إلى إقامة جماعة ثانية في الساحة اللصيقة بالجامع والمخصصة لمواقف السيارات .

بعد الانتهاء من صلاة الجماعة توجه الناس إلى الشيخ الجمري للسلام عليه ، وكنت أحدهم ولما وصلت إلى الشيخ كنت في نهاية الصف ، حيث أغلب الناس قد غادرت الجامع والفوضى قد خفت إلى نسبة ملحوظة جداً ، لما وصلت للشيخ الجمري وسلمت عليه سألني عن إسمي فأجبته ويبدو إنه لم يعرف والدي لكن كان يتذكر جدي رحمه الله .

الموقف تكرر في جامع مدينة عيسى حيث كان هناك احتفالاً سيشارك فيه الشيخ الجمري ، وبعد الانتهاء من الاحتفال ذهبت كعادتي في النهاية بعد الزحام للسلام عليه وسألني أيضاً عن إسمي فقلت له ، وبدا حينها قد عرف والدي وقال لي "والدك الشيخ عيسى المؤمن إبن الحاج رضي من الدير" (بلهجة عراقية) فأجبته نعم فأبلغني سلامه للوالد ولجدي رحمه الله وانصرفنا بعدها .

ربما يكون أجمل لقاء لي بالشيخ الجمري في أحد البيوت في سترة حيث دعيت من أحد الأصدقاء لتناول وجبة السحور في رمضان ، وكان الضيف الشيخ الجمري حيث تحدث هناك عن ذكريات السجن وبعض المواقف الطريفة أيضاً من ذكرياته ، وكان اللقاء ودياً أكثر من اللازم .

ما أريد أن أقوله إن الشيخ الجمري رغم مكانته الاجتماعية ورغم كبر سنه وما يمثل من رمزية ، إلا أنه ظل مهتماً بأقل الأشخاص مكانة في المجتمع ، فما الداعي لسؤاله عن إسمي وعن إسم والدي وجدي ؟

أهي حب للتعارف ؟ بالطبع كلا ، وإنما الهدف منها الالتصاق بالقاعدة الشعبية أكثر ما يمكن وتبيان إهتمامه لها ، رغم كثر مشاغله وكبر سنه ومكانته الاجتماعية ، إلا أنه كان متواضعاً لا يحب الإستعلاء على أحد وكما يقول الحديث "من تواضع لله رفعه".

يقول لي الرادود عبدالشهيد الثور إنه في التسعينات لما اعتقلنا ، أفرج عنا بعد ذلك بكفالة مالية ، وبعد أيام بسيطة أتتنا من مكتب الشيخ الجمري (هو وجمع من الرواديد) مبالغ مالية بقيمة الكفالة ، كي لا نتحمل عبء مالي ونحن في أوضاع حرجة وهذا كلام يدل على مدى اهتمام الجمري بالناس في أحلك الظروف  .

في تصوري المتواضع إن هذه الطريقة في التعامل المتواضعة من الشيخ الجمري هي التي أعطته هذا الحب من قبل الشعب والالتفاف الذي لم يسبق له مثيل حوله .

الشيخ عيسى قاسم في تأبين الجمري

وهذه صفة لم تمحى من ذاكرتي خصوصاً إذا أوقعتها على الوضع الحالي ، فقيادة السابق كانت ملتصقة بالجماهير لدرجة كبيرة تجعلها سائلة عن الأشخاص وأدق الأمور عنها لتبين له مدى اهتمامها الكبير به وبالشعب عامة ، أما قيادتنا الحالية فإنها بعيدة عن الشارع بالشكل الكبير الذي يشكل هوة كبيرة بين القيادة والقاعدة ، وهذا ما تحدث عنه الأستاذ عبدالوهاب مراراً ، هو مشكلة القيادة في البلد .

 الشيخ الجمري لم يتسنى لي رؤيته إلا لسنة واحدة ، حيث إنني لم أدخل البحرين إلا في 2001 ، وفي 2002 ألم بالشيخ الجمري المرض الذي أقعده على السرير ،إلا أنني عرفت عنه بعض المواقف التي يذكرها الجميع .

الشيخ علي سلمان في تأبين الجمري

الشيخ الجمري شارك في المجلس التأسيسي والوطني ، الشيخ الجمري كان يقدم برنامجاً دينياً أسبوعياً في الإذاعة (في السبعينات على ما أعتقد) ، الشيخ الجمري دخل القضاء الجعفري لغاية العام 1988 .

 بعد هذه النقاط ،أستطيع القول إن الشيخ الجمري كان إيجابياً في تعاطيه مع السلطة كثيراً ، وكان مرناً ولا يرى حرجاً من تولي المناصب الرسمية بضوابطه الشرعية التي لا تخرجه عن الطريق المستقيم ، وهذا الشيء اليوم نحن نفتقده خصوصاً في الأوقاف الجعفرية والقضاء ، فتعامل المجلس العلمائي مع هذه المؤسسة (الأوقاف الجعفرية) تعامل جاف ، يحتاج إلى إعادة النظر .

وأستطيع القول إنه لو كان عندنا كالشيخ الجمري 4 قضاة في المحكمة الجعفرية لما أثيرت ضجة قانون الأحوال الشخصية ، التي أتت من ظلم قضاة السلطة ، ورجال الدين الذين تبوأوا هذه المناصب كلنا نعرفهم ، وهناك ملاحظات كثيرة عليهم ، بل وإن البعض يقول إن هناك فساد كبير تمثل فيهم وفي تصرفاتهم وانعكس على أحكامهم القضائية الشرعية .

 

رحم الله الشيخ الجمري ، بعد عام على رحيله يصر الشيخ عيسى قاسم إن الشيخ الجمري قضية ، والقضية لا تموت .

وأنا أقول إن الشيخ الجمري ليس تاريخ التسعينيات والمبادرة والسجن فقط ، الشيخ الجمري عطاء منذ بدء السبعينات ، ويجب علينا أن نأخذ مفاصل حياته ، وأن نتعلم من طريقة تعامله مع السلطة طوال حياته ، وبالأخص فترة 1972-2002 ، علينا أن نقيم هذه الثلاثين سنة من عمر الجمري ، وندرس تصرفاته وكل حركاته ، علنا نغير قناعاتنا قليلاً ، ونرجع للتعامل الأمثل مع السلطة وتحديات المرحلة القادمة .

 

رحمك الله يا أبا جميل ، خسرك الجميع (من خالفك ومن حالفك ومن اتبعك) .



أضف تعليقا

رباب أحمد من البحرين
14 ديسمبر, 2007 10:19 ص
مرحباً ابن جلدتي مجتبى

أنا دوماً أدعي مرونة النظر للأمور ... ونسبيتها، وبالخصوص فيما يتعلق بالشخصيات...
إلا أن والد الجميع لم يترك لي مجالاً للنسبية ... لا ادعي التدين لكن أكثر ما يجعلني أتعلق به هو إيمانه. إيمانه با لله وكل القيم التي أمن بها ... لأنه كان مؤمناً حقيقياً بمعنى الإيمان الحقيقي لا المزيف.
الصمود دأبه لا المساومة ...

ولست ممن "يقولبون" الحقائق حسب صدروها من الأشخاص، لا من الفعل- القول نفسه إلا أنه أيضاً لم يترك مجال في هذا الشأن
يمكنني أن أجهر بفخر .... ودون مغالاة .... من أختلف معه أختلف مع الحق.

رحم الله عهد الأبوية السياسية في البحرين التي انتهت برحيل شخصه عنا دون روحه.
قبل عام ... كنا نردد "اللهم شافي شيخنا الجمري" والآن هناك دعاء أخر يجدر بنا اللهج به " اللهم شافي حالنا بروحه".

لم يخلق للموت... وهو "ليس للنسيان" ... بل هو لإشعال الحياة والخلود.

غداً سأدرج في "لغة الياسمين" محاولتي الأدبية الأولى "يداه مبسوطان" وأدعوك لقرأتها.

كن بخير
الإمبراطور سنبس من البحرين
15 ديسمبر, 2007 02:09 م
حقبة الشيخ الجمري .. حُقبة مميزة

لا أعتقد في ظل الأوضاع الراهنة أننا سنرى - ما يقاربها -

شقيقي المدوناتي العزيز ..
رغم كل ما كتب و سيكتب عن الاب الحنون
لن يوفي شيء حقه
i3jaz من المغرب
16 ديسمبر, 2007 01:52 ص
قمة الذوق في الكتابة والتعبير
عساك بخر
زر مدونتي الجديدة المختصة بالاعجاز العلمي في القران والسنة
الشاعر
bolafee من الهند
19 ديسمبر, 2007 12:33 م
أهلين شقيقتي رباب
شكراً على الكلمات الصادقة والخارجة من قلبك
فهي دخلت قلبي وقلب كل القراء كما أزعم واعتقد

شكراً ثانية لك على تواجدك الدائم في مدونة شقيقك

لا حرمنا من طلاتك البهية والجميلة
bolafee من الهند
19 ديسمبر, 2007 12:34 م
الشقيق المدوناتي الإمبراطور

كما قلت في نهاية تعليقك ، رغم كل ما قيل وما سيقال ، وما كتب وما سيكتب ، لم يوفي حق هذا الرجل

شكراً للطف كلماتك

كن بخير
ba7rainiya87 من البحرين
27 ديسمبر, 2007 02:11 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِي

مِ(1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)

صدق الله العلي العظيم


___________________


الى جنات الرحيم يا والدنـا الجنون

أسكنك الله فسيح جناته



كنت للبحرين ذخرا لنا

__________

8/12/2006 توفي الشيخ عبد الامير الجمري عن عمر بلغ تسعة وستين عاما، قضاها في طلب العلم وفي خدمة شعب البحرين والمسلمين وقضاياهم ، حتى اصبح احد ابرز الرموز الذين طالبوا بعودة الحياة البرلمانية في تسعينات القرن الماضي في البحرين بعد تجميد العمل في البرلمان عام خمسة وسبعين. ولد الراحل في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة 1356 (الف وثلاثمئة وستة وخمسين ) هجرية الموافقة 1937 ميلادية. تزوج من ابنة عمه "زهراء" التي قال عنها انه لم ير معها يوم بؤس ابدا في كل الاحوال والاطوار التي عاشها. غادر الى النجف الاشرف في العراق طلبا للعلم في العام اثنين وستين، واستمر حتى العام ثلاثة وسبعين حيث انتُخب في العام نفسه نائبا في المجلس الوطني البحريني اول برلمان يتم انتخابه بعد استقلال البلاد عام 1971. عمل قاضيا في المحكمة الجعفرية من عام 1977 الى عام 1988 حيث اوقف عن عمله وبدأت المضايقات الامنية عليه.
كان الراحل عضوا في لجنة العريضة الشعبية التي بدأت في العام 1992بتحركات للمطالبة بعودة البرلمان وضمت شخصيات معارضة. وعاودت اللجنة اطلاق عريضة مطالبها في العام 1994 .

وبعد اندلاع المواجهات بين المعارضة والحكومة. اعتُقل الجمري للمرة الاولى في نيسان/ابريل 1995 واُطلق سراحه في ايلول/سبتمبر من العام نفسه، ليُعتقل من جديد في كانون الثاني/يناير 1996 ويحكم بالسجن لمدة 15 عاما وغرامة مالية بلغت نحو 40 مليون دولار اميركي. ولدى خروجه من السجن عاهد حوالي خمسين الف شخص احتشدوا لاستقباله بان يبقى وفيا لهم ولهموم الامة والشعب البحراني. و بعيد تولي ملك البحرين حمد بن عيسى ال خليفة الحكم في تموز/يوليو 1999 اطلق سراح الش
bolafee من الهند
30 ديسمبر, 2007 06:04 م
بحرينية87

عذراً على التأخر في الرد عليك ، لأن الموضوع قديم ، ولا وقت كثير لدي لمراجعة المواضيع القديمة ، لذا اتأخر تارة

رحم الله الشيخ الجمري

وشكراً لهذه النبذة القيمة عن الشيخ ولو إنها أتت مبتورة في النهاية كما يبدو

كوني بخير ، وكوني بالقرب
مجتبى