لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

قبل عام

اليوم : الإثنين

التاريخ : 18-12-2006

 

في الساعة الخامسة عصراً تلقيت اتصال من الصديق عباس بوصفوان ، كنا متفقين قبلها بالتوجه معاً لتشييع الشيخ الجمري رحمه الله ، انطلقنا بسيارته بعد صلاة المغرب مباشرةً متجهين من قرية سماهيج إلى دوار القدم حيث بدء التشييع من هذا الدوار إلى بني جمرة حيث مثواه الأخير .

وصلنا عند كورنيش الملك فيصل ، مضطرين للتوقف فيه حيث يبدو إن هناك خلل في هذه السيارة اللعينة ، حرارة السيارة مرتفعة بشكل غير طبيعي والجو الخارجي بارد يميل إلى الشتوي أكثر منه إلى الربيعي ، نحن نتكلم عن أيام شتوية وأخرى ربيعية في شهر ديسمبر .

فتحنا السيارة فإذا بهذا العطب متشكل في ثقب في "الراديتور" إذ ينزل منه الماء لكن بشكل بسيط أي ان الثقب لازال بسيطاً ، ملأنا "الراديتور" بالماء وعزمنا على الذهاب ، إلا أننا صدمنا بالسيارات متوقفة على الجسر الواقع فوق دوار القدم حيث اتخذت من المسار الأيمن مواقف خاصة لها ، فقررنا التوقف عند الحنية الأولى قبل دوار القدم المؤدي إلى كرانة ، وكانت هناك بعض السيارات المتوقفة فلم نكن أحسن منهم ووقفنا إلى جانبهم .

ترجلنا من السيارة ،الساعة تشير إلى السادسة مساءً ، والجو يبدو أكثر برودة مما هو عليه في المحرق ، أشعلت سيجارتي إلى أن وصلنا إلى دوار القدم ، فإذا بالناس تتوافد من كل الجوانب ، أبناء شارع البديع لم يكونوا بحاجة إلى سياراة تقلهم للمكان ، فقد اكتفوا بالمشي حتى بعض الأصدقاء الذين أعرفهم تعنوا بالمشي من الدراز وبني جمرة إلى القدم ، على ان يعاودوا الكرة من جديد .

لحظات وإذا بالموكب منطلق ، يبدو على الناس علامات الحزن الشديد بينما البعض منهم مجهش في البكاء في حالة حزن هستيرية ، مع بدء المسيرة يبدأ الرادود عبدالأمير البلادي بقصيدة مبكية ، تتخللها بعض كلمات الشيخ الجمري رحمه الله وكلما سمعها الناس تعالت أصواتهم في البكاء ، يتمالكني حب للبكاء ، لقد عشق الجميع الشيخ الجمري .

 افترقت عن عباس بوصفوان حيث إنني أعمد إلى تصوير بعض المشاهد في هذا الحشد الكبير والذي يتضخم كل ما اقتربت متراً واحداً من بني جمرة .

المفاجأة التي لم أتوقعها هي تلك الحشود عند الدوار الأول من البديع (أعتقد دوار كرانة) حيث المئات وقد يكون الآلاف ، انضموا إلى المسيرة من هذا الدوار .

يبدو الجو يكثر برودة لكن لا أحد يكترث بذلك ، فالحزن أنساهم كل شيء ، وكل ما حاولت أخفي دموعي أسمع شريطاً مسجلاً بصوت الشيخ رحمه الله يقرأ بعضاً من الأبيات الحسينية فتذرف دموعي لا إرادياً ، أنظر إلى يميني وشمالي ومن خلفي لأرى إن هناك رجال أكل عليهم الدهر وشرب ، يحثون السير نحو بني جمرة وهم قد لا يستطيعون أن يسيروا ربع هذه المسافة ، أصوات البكاء الخافت من كل جانب تستطيع سماعها ، لكنك لا تستطيع معرفة من الباكي .

حزن مطبق ، الأحاديث الجانبية قليلة بل تكاد معدومة ، الكل مصدوم ولم يتوقع هذا الفراق ، رغم إن الشيخ رحمه الله قد أقعد على السرير منذ 4 سنوات وحالته الصحية كانت تهيء الناس للحظة الفراق ، فهذا الرجل لم يكن معنياً بعائلة تضم مئتين أو ثلاثمئة شخص ، بل هو والد هذا الشعب بأكمله .

الكل أحس بحنانه وحبه له ، والكل يعشقه ويفديه بما يملك من الغالي والنفيس ، ومجرد التفكير برحيله ما كان ليسمح له أي قلب من قلوب عشاقه أن يخطر في باله .

شارع البديع مغلق بالكامل ، حيث رجال الأمن أبلغوا بذلك تهيئاً لتشييع مهيب وكبير وضخم ، متوقع في نفس الوقت .

غيرت من خط سيري من الجانب الأيسر للجانب الأيمن (الشارع الثاني) وتقدمت قليلاً لأجد الصديق عباس مع الدكتور جاسم حسين (نائب برلماني) ، بدأنا بالتحدث قليلاً عن بعض الشئون المستجدة ، لا يبدو إننا راغبين بالحديث عنها فتحول الكلام بعد ذلك عن الشيخ الجمري والأثر الذي تركه على هذا الجمهور .

بقينا مستمرين أنا والدكتور جاسم ، حيث عباس فارقنا لفترة ، أقول للدكتور في حينها إنني لم أشعر قط بأنني أستطيع السير مسافة كهذه دون الشعور بالتعب والإعياء ، أليس هذا مشهد غريب ، يجيب علي كل هذا الشعب لا يشعر بألم وتعب المسير حينما يشعر بألم ولوعة فراق الجمري .

نسير قليلاً صامتين ، ينضم إلينا بعض الأشخاص بين الفينة والأخرى ، أترك الأصدقاء لفترة لأصور بعض المشاهد ، لكن يبدو المشهد صعباً ، فالكثافة تزيد شيئاً فشيئاً ، والبرد يقل نسبياً نتيجة لتواجد هكذا عدد ، وضعي للتصوير غير جيد ، والصور لا تعبر عن المشهد الحقيقي ، احاول اقتناص صورة من هنا أو هناك لكن دون جدوى ، عليي أن أصعد على مكان رفيع أو أكون على مسافة بعيدة لأستطيع أن أصور الحشود ، احاول لكنني لا أمتلك سوى كاميرا هاتف وهي ليست مخصصة لتصوير هكذا مشاهد وفي الليل أيضاً تزداد الصعوبة بالتأكيد .

أرجع إلى الأصدقاء ، نسير قليلاً وبين الفينة والأخرى أشعل سيجارة لأدخنها ، لا أرغب في إكمالها فالنفس زهدت بها في تلك اللحظة ، لا أكمل نصفها إلا ولقيتها تحت قدمي لأحطم جمرتها الصغيرة .

 

ما كنت أعرفه في البداية إننا كنا متقدمين المسيرة ، إلا أنني بعد ذلك أدركت خطأي ، فالناس انضموا من كل منطقة ومن كل شارع ودخلوا من جميع الاتجاهات وأكاد لا أصدق نفسي ، حيث لا أستطيع رؤية مقدمة مسيرة التشييع ، هل يعقل هذا ؟

بدأنا نقترب من منطقة بني جمرة ، شيئاً فشيئاً ، حتى وصلنا وسط زحام لم ألحظه من قبل في البحرين ، حتى موكب العلماء في ليلة العاشر من محرم عام 2001 لم يكن بهذه الزحمة .

على الجانب المحاذي لقرية الدراز كنا ، حين أعلن عن إقامة الصلاة ، إذا علينا أن نجتاح السور الفاصل بين الشارعين لكي ننضم إلى المصلين ، تبدو المهمة سهلة بالنسبة للسور ، لكنها بالتأكيد صعبة بالنسبة لكثافة الحضور .

الدكتور جاسم حسين تجاوز السور ، وسيرت أموره حيث الإخوة هناك ساعدوه ، انا بقيت في الجانب الأيمن لا أستطيع تجاوزه والحضور كثيف بشكل لا يصدق، حينها فضلت أن أكون متعلقاً على السور ألتقط بعض الصور أثناء الصلاة وهذا ما حدث .

عند التوقف للصلاة شعرت ببرودة رهيبة ، حيث الناس واقفة ، والهواء القارص يزداد شيئاً فشيئاً ، كان بمعية في تلك اللحظة الصديق سيد سعيد الوداعي ، وساعدني على التقاط بعض المشاهد ، كان الصوت رديئاً نظراً لقوة الهواء البارد المندفع إلى الميكرفون ، ولضعف صوت السيد جواد الوداعي (أطال الله عمره) .

انتهت صلاة الميت ، وبدأت الناس بالتسابق على النعش لحمله ، بينما آخرون فضلوا الهرولة إلى المقبرة قبل مجيء الجثمان ، أنا بقيت مكاني ، فلا أستطيع عمل شيء في هذه اللحظة ، الزحمة كثيفة ، الناس تتسابق في ما بينها بتلهف لوداع الشيخ .

قررت أن أنفصل عن الصديق عباس بوصفوان ، حيث لم أكد أصدق إنني أستطيع أن أرجع راجلاً إلى دوار القدم من جديد ، بدى التعب آخذاً مني مأخذاً عظيماً ، العطش في ذلك الوقت أيضاً ، لمحت الوالد من بعيد فكرت في الالتحاق به حيث بالتأكيد سوف تكون سيارته قريبة ، إلا أنني لم أستطع أن أصل له ، فهو يسير مع مجموعة من رجال الدين وسط زحام ، وهو داخل لمنطقة الدراز ولا أعلم لماذا ؟

قد تهيء لهم سيارات لنقلهم لبني جمرة؟

قد تكون سيارته هناك حيث سيرجع القرية ؟

مالفائدة من الأسئلة ، لم أستطع اللحاق به ، اتصلت به فلم يرد ، ومن الطبيعي لم يرد في ذلك الزحام الذي يستحيل في ان يشعر المرء باهتزاز هاتفة إذا اتصل أحدهم به .

قال لي سيد سعيد إن سيارتهم في بني جمرة ، وقررت الرجوع معه .

بعد عودتي إلى المنزل بدأت بالتفكير في الشيخ الجمري

لا زالت الصدمة قد أخذت مأخذها مني

أيعقل ان يكون راحلاً ؟

أن يعقل إنني لم أستطع أن أراه مجددا ؟

لكنني كنت مع المشيعين هناك ؟

كنا نشيع من ؟

هل كنا نشيع الجمري ؟

هل رحل عنا ولم نعد لنراه مجددا ؟

أستدرك نفسي قليلاً لأجيب لكن الجمري قضية ؟

القضية لا تموت ، وستبقى حاضرة في قلوبنا جميعا ؟

رحمك الله يا شيخنا الجمري ، لقد رحلت روحك إلى ذلك العالم الأبدي والنعيم الخالد ، لكن روح قضيتك باقية في قلوبنا أبداً ما بقينا وبقي الدهر .

أترككم مع بعض الصور التي التقطتها قبل عام بكاميرتي



















السيد جواد الوداعي حفظه الله بعد انتهاء الصلاة



الشيخ عيسى قاسم مع السيد سعيد الوداعي

الشيخ حسين نجاتي

الشيخ عيسى قاسم








أضف تعليقا

الإمبراطور سنبس من البحرين
19 ديسمبر, 2007 12:47 م
رحل .. و خلف من وراءه فراغاً كبيراً ...

عيدك الحزين مبارك شقيق
رباب أحمد من البحرين
19 ديسمبر, 2007 02:36 م
مرحباً ابن جلدتي
قبل عام.. فقط 363 قبل 363 يوماً كان يتنفس من رئتيه
أما الآن فهو يتنفس من رئات كل هذا الشعب الأبي ...

جّل ما حدث يا شقيق في 18 من ديسمبر هو أن جسده كان قبل هذا التاريخ يحتكر روحه أما الآن فهي في تحيى في أرواح الجميع.

ربما أواسي نفسي بهذه الكلمات لكنها الحقيقية التي لا تقبل الجدل أو النقاش.

انك تعيد تلك الليلة السوداء التي اختلط فيها الدموع بالجو القارص فبات الأخير حارقاً وتحضرها أمامي تذكرني بذلك الإثنين الأسود...

في تشييع المرحوم الجمري أحسست بذات الشعور حين كنت أطوف ببيت الله.
فتلك الروح الطاهرة لا تنفصل عن الأرواح الطاهرة التي تحلق في بيت الله.

bolafee من الهند
20 ديسمبر, 2007 02:36 م
الله يبارك فيك شقيق

بالفعل عيد حزين

دمت سالماً
bolafee من الهند
20 ديسمبر, 2007 02:38 م
مرحبتين ابنة جلدتي وشقيقتي رباب

شكراً لك على هذه الكلمات
بالفعل لم نكن مهيأين لرحيله
رحل وخلف وراءه فجوة كبيرة لم يملأها أحد بسهولة

الله المستعان

كوني بخير
exciteosurges من البحرين
30 ديسمبر, 2007 12:18 م
حينَ يطلقُ الحزنُ حرقةً تَذيب الصقيعَ , حينَ تتجمد الدموعُ الحمراءُ في بؤر العيونِ ثم تصهرها زفراتَ القلوبُ ,

فـ أعلمْ بأن الجَمري قد أطفأ برحيله شموعٌ خافته ليضيء بدلها ألفُ شمعه و شمعه لازالت تحترق !

ألفُ تحيه ,


موجات ثائره
bolafee من الهند
30 ديسمبر, 2007 05:16 م
exciteosurges

أهلا بك وبموجاتك الثائرة
شكراً على تعليقك المعبر ، والأكثر من رائع

نعم لقد أطفأ برحيله شموع خافته ، وهناك ألف شمعة وشمعة لازالت تحترق لتضيء لنا هذا الطريق المظلم والحالك والقاسي في آن واحد

أهلاً بك في المدونة
متمنياً ان لا تقطعي حبل التواصل

لك كل التحية والتقدير
مجتبى
ba7rainiya87 من البحرين
31 ديسمبر, 2007 02:00 م
ودعـــــــا يا والدنا الحنون ...

إلى الآن لم تصدق عيناي بأنك رحلت عنا وخلفت ورائك أبنائك يصارعون هذا الواقع المرير بدون وجودك معنا والى جانبنا ....

ولكـــن لن ننسى ما فعلته لنا ولاجل هذا الوطن الحبيب الذي خدمته بروحك وكنت بطلا مقدامالا تهاب احدا بل سعيت وسعيت لمواجهة هذا الظلم الجائر في بلادننا ولن ننسى لك هذا الفضل

ورحمك الله بواسع رحمته وجعلك في فسيح جناته

تحياتي
اخوي مجتبى على السرد الجميل سلمت اناملك


بحرينية87
bolafee من الهند
01 يناير, 2008 12:07 ص
الأخت بحرينية87

شكراً لك على تواجدك هنا

ورحمل الله أبا جميل ، وتغمده بواسع رحمته