دخول المدارس الحكومية ، وانفراج يسير
غزو العراق للكويت أعاد الأمل على وجوه المبعدين والممنوعين من الدخول (1991-1994)
مشهد إحراق آبار النفط في الكويت 1991م
لعل أهم مرحلة عايشتها في صغري وقد فهمت الكثير منها هي مرحلة غزو الكويت التي لم أتذكر منها الكثيرحينها أيضاً كانت البداية الحقيقية لي لمخالطة المجتمع الإيراني فقد التحقت أخيراً بمدرسة تابعة للحكومة الإيرانية ( حيث إنني أجنبي مقيم ويحق لي التعليم ) في الصف الأول الإبتدائي أي في بداية مشواري الدراسي وكانت هذه التجربة هي الأعنف في كيفية التعامل مع مجتمع يكره العرب فهم أساس حرب – حسب مفهومهم – جرت البلد إلى ويلات طوال ثماني سنوات وأفقدتهم أعز ما يملكون من الآباء والإخوة والأهل المقربين لهم ، إلا أننا تجاوزنا هذه المرحلة فبعد ذلك صرت منهم ، وكانت لغتي الفارسية بحكم الولادة قوية جداً فلا يستطيع أحد أن يفرق بيني وبين أي إيراني آخر ، وبهذه الطريقة اندمجت مع المجتمع الإيراني بقوة لمدة ثلاث سنوات وكنت في أول سنتين دائماً أذهب للمدرسة بمرافقة سيد باقر سيد إبراهيم العلوي حيث كان يمرني قبل الذهاب للمدرسة بحكم إنه أكبر مني ومضت سنتين لي في المدرسة عللى هذا المنوال في ،أما السنة الثالثة فكانت خالية من سيد باقر حيث توجه مع والده السيد إبراهيم العلوي – عضو أصحاب المبادرة - وبعد ذلك التحقت لمدرسة خاصة تدعى مدرسة السعادة الحديثة وهي تابعة للكويت وشهادتها مصدقة من السفارة الكويتية أي إنها معترف بها في الكويت كما الخليج ( سأتحدث عن المدرسة في حديث لاحق ) .
لا أنسى إن شهر رمضان في إحدى هذه السنوات أحيي في منزلنا وكان الحضور لافتاً ، وكما المعهود بعد الإنتهاء من دعاء الافتتاح تبدأ النقاشات العلمية والحوزوية و تصل ببعض المشايخ إلى حد الصراخ في النقاش ، وكانت حقاً أيام جميلة يتجمع فيها المشايخ ويلتم شمل ( الشلة ) التي كانت في سني لنذهب للعب ونلهو و نمرح في أجواء الشتاء الباردة .
عام 1992م حمل بعض الذكريات المسجلة في الذاكرة :
الشهيد السيد عباس الموسوي الأمين العام السابق لحزب الله
عام 1992م ما أتذكره منه في المجمع عرض فيلم اغتيال أمين عام حزب الله السابق الشهيد سيد عباس الموسوي ، أتذكر الفيلم القصير الذي صورته الطائرة الصهيونية حيث كان قصيراً وقد أعيد أكثر من 5 مرات وكانت هناك دائرة حمراء على السيارة التي كان يقلها السيد عباس الموسوي ، ومن قام بالعرض هو السيد طلال وهو سوري الجنسية وكان يعمل في الإذاعة الإيرانية الناطقة باللغة العربية وقد حصل على الشريط من الإذاعة الإيرانية ذاتها ، وما جعلني أعرف إن الفيلم كان عن السيد عباس الموسوي رحمه الله هو مشاهدتي لنفس المشهد مرة أخرى حينما كبرت في السن ولازال في مذكرتي ذلك المشهد الذي سجل في مخيلتي إلى الأبد وهذه كانت إحدى الأمور التي تعبر عن الفعاليات المختلفة التي كان يقوم بها المجمع .
جانب من مراسم العزاء في مشهد التقطتها بكاميرتي الخاصة عام 2007
المجتمع الإيراني يحيي موسم عاشوراء بسنته وشيعته ومسيحه ويهوده ، ونظراً لكثرة المشاركين في هذه المراسم كان كل مسجد وكل مأتم يقيم مراسماً خاصة به يحضرونها أبناء الحي نفسه وكان المسجد الواقع في حينا يقيم أيضاً هذه الفعاليات الخاصة بعشرة محرم ، وكنت أحضر عزائهم حباً في العزاء ولوجود وجبة عشاء بعد العزاء تجمع الجميع في المسجد ، وكانت هذه إحدى العلامات التي اليوم أعتبرها إشارة واضحة وعفوية لمخالطتي القوية للمجتمع الإيراني .
سيد إبراهيم العلوي (الأول من اليمين)
ما كنت أشعر به في فترة ما بعد الغزو العراقي للكويت هو إنه صارت هناك حركة تغيير كبيرة فكنت أسمع إن العلاقات الدبلوماسية بدأت بالرجوع حيث فتحت السفارة من جديد وعادت الخليج إلى صداقتها وكما يقولون "رب ضارة نافعة " أو " مصائب قوم عند قوم فوائد " ، أدى الغزو على الكويت إلى انفراج معقول في السياسة الخليجية تجاه إيران ومواطنيها القاطنين في إيران إبان الحرب الإيرانية العراقية ، وبالفعل كان هناك توجه حكومي لدى البحرين نحو السماح لهؤلاء الممنوعين من الدخول ( المغتربين والمهجرين ) و الرجوع إلى الوطن ، لكن بدفعات ، فبين فترة وأخرى كانت تخرج قوائم معينة ببعض الأشخاص وعائلاتهم ويتم السماح لهم بالدخول ، ولا أنسى بالطبع أصدقائي الأعزاء سيد حسن ( ابن السيد حيدر الستري الذي أبعد إلى لندن لاحقاً وهو الآن نائب وفاقي برلماني ) و كذلك السيد محمد باقر ( ابن السيد إبراهيم العلوي أحد ما كان يعرف آنذاك بأصحاب المبادرة ) ، في عام 1993 و 1994 شعرت حقاً بلوعة فراق الأصدقاء الذين تربيت معهم وكانوا ولازالوا أصدقاء أعزاء ، كما وشعرت بالغبطة التي كنت أخفيها لعدم رجوعي معهم إلى البحرين التي لم أرها بعد، إلا أن الأمل كان قائماً في الرجوع ومن هذه الفترة بدأت تكثر الأحلام التي ما لبثت إلا وبخرها علينا الزمن وأحداثه .

السيد حيدر الستري
عاد المبعدين إلى الوطن وكان أملنا كثيراً ولا أنسى إنه بقيت ( ثلاث عوائل بحرينيات فقط لم تدخل البحرين – من القاطنين في إيران ) وهنا أقصد العوائل التي كانت فيها النساء بحرينيات الأصل وكنا نحن إحدى هذه العوائل حيث كان الأمل كبيراً بقرب الإنفراج والرجوع إلى الوطن الذي نشعر الإنتماء إليه إلا أننا لم نره بعد .
ترقبوا الحلقة القادمة ... إنتهى حلم العودة
30 اغسطس, 2007 10:24 م