كما تعلمون إن حياة طلاب العلوم الحوزوية (الدينية) قائمة بالأساس على الزهد والعيش بعيداً عن حياة الرفاهية ، هناك سؤال دائماً كان يطرح وهو من أين لهؤلاء أن يعيشوا ويحصلوا على ضروريات الحياة ، كان هناك ما يسمى بالشهرية (المعاش) وهو كان يعطى من قبل السربرستي وهي المؤسسة التي تعنى بشئون طلاب الحوزة في قم من جميع الجاليات وهي مدعومة من الجمهورية بشكل مباشر ، فكان السربرستي يعطي كل شخص مسجل عنده مبلغ من المال (زهيد) لا يتجاوز في أحسن الأحوال العشرين ألف تومان في ذلك الوقت وقد يزيد المبلغ قليلاً نظراً للمرحلة العلمية التي يصل إليها طالب العلم أو نظراً للحالة الإجتماعية وعدد الأولاد المقيمين معه ، كان هذا المبلغ لا يوفر حتى أساسيات وضروريات الحياة لذا كان المراجع العظام (حفظهم الله) يصرفون كلٍ على إمكانياته جزءاً من الأخماس للتوزيع على الطلاب وكان في مجموع ما يوزع لا يتجاوز العشرين ألف تومان أيضاً ، وهذا المبلغ لو عادلناه بالدينار البحريني يكون مجموعه ما يقارب الـ 25 دينار ، وهو كما ذكرت سابقاً يكفي للعيش في حياة زهيدة جداً بعيدة عن اللذات ، طبعاً الجالية البحرانية كانت حياتها أفضل بكثير من باقي الجاليات ، فكان المتزوجين لديهم بيوت (في أغلبيتهم) وكان أهلهم يرسلون لهم أموال سنوياً بقدر استطاعتهم ، وهنا أتذكر ما كان يقوله الشيخ علي سلمان حيث قال إننا في قم أتتنا أيام كنا نأكل فيها كسارات الخبز وهذه الحياة الزهيدة مهمة لطالب العلم لكي يكون نموذجاً يحتذى به من قبل المجتمع .
بعض الطلبة كانوا يقومون بالسفر للخارج للتبليغ والقراءة الحسينية في شهري محرم وصفر ، إيماناً منهم بضرورة تبليغ الرسالة وضرورة توعية الناس في أمور دينهم ودنياهم وكذلك كان يشكل لهم مصدر رزق يسير يساعدهم على أمور دنياهم التي بدت تثقل كاهلهم شيئاً فشيئاً مع بروز موجة الغلاء وارتفاع الأسعار ولم يكن الوالد مستثنى منهم ففي نفس هذا العام 1994م قام الوالد بالسفر إلى خارج الجمهورية بهدف التبليغ والإرشاد الديني ( القراءة الحسينية ) وكان يسافر بداية فقط شهر محرم ومن بعدها بدأ يسافر محرم وصفر ، وفي السنين الأخيرة في إيران قام بالسفر في محرم وصفر ورمضان أيضاً ، كما وإن الوالد بالمناسبة قد بلغ في الكثير من الدول العربية والأوروبية وحتى الأمريكية ، وكنت أنا هنا من يجب عليه تحمل مسئولية البيت ، فكما يقولون إنك أنت رجل البيت وعليك بتحمل المسئولية ، هنا كان الإمتحان الأصعب في حياتي ، أن أعطى مسئوليات وأنا في سن العاشرة من العمر ، وقد ساهم هذا الوضع في إعطاءي صفة الثقة والقدرة على تحمل المسئولية ومخالطة الكبار بدرجة أكبر في غياب الوالد ، وتحمل المشاكل والمصاعب مهما كانت ، وهذه الفترة هي من أهم فترات صقل وصناعة شخصية كاتب هذه السطور ، الأهم من هذا إنني في هذا الموقف كنت أشعر بقساوة الغربة ومرارتها ، فكنت أتحمل مسئولية شراء متطلبات المنزل من خضروات وفوكه ولحوم ، كما إنني كنت أذهب نهاية الشهر لدفع الفواتير في صف طويل يشبه صف الخباز في إيران ، كانت تجربة قاسية علي في هذا العمر إلا أنني أعيد وأكرر إنها كانت مفيدة جداً جداً .


















01 سبتمبر, 2007 08:30 م