كنت صغيراً جداً وأكاد لا أكمل الثامنة حين كان يوقظني من الصباح الباكر للتوجه للخباز وبعدها التوجه لشراء الحليب واللحم يومياً ، كان يحبني كثيراً ويفضلني على باقي أحفاده نظراً لغربتي التي عشتها في إيران ،لذا نشأت بيني وبينه علاقة عاطفية كبيرة لاحظها الكثيرون عند رحيله، كان يعرف عنه بالسخاء وكانت الأموال عنده لا تساوي شيئاً من فرح الأحبة وجمعتهم .
أصعب موقف كنت لا أحب رؤيته لكنني لا أستطيع ، هو لحظة الفراق عندما يكون في مطار طهران يهم فيه بالرجوع إلى الوطن ، كان يودعنا والدموع تنهال مدراراً ، ولا يتوقف البكاء منه وهو يتوجه إلى الجوازات ويبتعد عنا ، كان مثالاً للرجل الصلب والحنون في آن واحد ، والمحب الذي يهديك حبه بدموع تغرق القلب وتجعله يتعلق به أكثر وأكثر .
لازلت أتذكر يوم استقبالنا في العام 2001 ، وكيف كانت الفرحة تملأ قلبه والإبتسامة العريضة لا تفارقه ، دخلت إلى المجلس الذي جلس فيه كل رجالات قريتنا الحبيبة ، فقال لي أول كلمة "تعال يا ولدي يا مجتبى وشوف هالمجلس الي قعدوا فيه لرجال" ، حينها كان الفرح يغمرني ، وكانت البسمة التي لاتفارق محياه تقول لي إنه أنهى كل أمانيه في هذه الدنيا ، ولم يحتاج بعد ذلك للإجتماع بأبناءه وبناته عصر كل عيد بعد وجبه الغذاء طالباً منهم الدعوة لإبنه بالرجوع إلى الوطن ، فبعد هذا اليوم لم يكون هناك عيد يمزج في قلبه الفرح بالحزن لفراق ولده ، وكما يبدو فإن 18 عاماً كانت كافية لتجرع الحاج رضي هذا الألم القاسي ، وإذا بالزمن ينهي له هذا الحزن ويحوله إلى عرس وفرح بعد طول انتظار ما كان يخلوا من البكاء في أكثر الأيام سعادة للإنسان .
الحاج رضي بن حسين المؤمن ، عرفته قرية الدير منذ قديم الزمن ، أحد رجالاتها المخلصين وأحد أعيانها البارزين ، ولعل أهم حادثة كان دائماً يحدثني عنها هو ذهابهم (الحاج رضي المؤمن ، والسيد علي سيد حسن –أطال الله عمره- ) إلى الأمير آنذاك ، حيث كان شارع آرادوس سيقطع على الدير وسماهيج وقلالي من جهة الغرب (أي من جهة البسيتين) لتوسعة المطار ، وكانت الدير وسماهيج هما الأكثر تضرراً من ذلك إذ إنه إذا قطع هذا الشارع فسيضطر العاملون في مختلف الوظائف وكذا المحتاجون للذهاب للمستشفى إلى الذهاب باتجاه عراد ومن ثم التوجه للمحرق ، ما يعني إنهم قد يعرضون لخطر حقيقي إن كانت لديهم حالة طورائ قد تؤدي إلى وفاة شخص تكون حالته الصحية تستدعي السرعة في وصوله للمستشفى . بعد اجتماع هام لأهالي القرية عبروا فيه عن رفضهم هذا الأمر وعن تفويض هذين الرجلين ، هم الحاج رضي المؤمن والسيد علي سيد حسن إلى ملاقاة عيسى بن سلمان آل خليفة الأمير الراحل ،فذهبا إليه ودخلا عليه ليبلغوه رفض الأهالي ذلك ، وبالفعل تم إلغاء مشروع التوسعه للمطار بعد ذلك .
هذه إحدى حكاياتك يا حاج رضي ، كنت تبلغها بنا وتقص لنا قصصك الشيقة ويؤسفني إنه لم يمهلني القدر الإلهي (الذي لا اعتراض عليه) من التزود منك أكثر وسماع تاريخ القرية ، فمجرد الجلوس معك في بيتك لخمس سنوات لم تكن كافية لي لسماع ما أحب سماعه ، ولم تكن كافية لإبنك الذي فارقك 18 عاماً وكان بعيداً عن عينيك طيلة هذه السنوات وفي ظروف صعبة .
رحل الحاج رضي بن حسين في فجر يوم 3 يناير 2006 بعد شهر من وفاة المرحومة (أم حسين) زوجته في 3 ديسمبر 2005 ، كانت حينها صدمة فراق جدتي لم تخرج مني ، ليلحق بها جدي بعد شهر فقط .
كرمته القرية بكثافة الحضور في فاتحته ، حيث الطابور كان يمتد إلى خارج المأتم في الشارع (يشكل طابوراً طويلاً من المعزين والمسلين لأهله وذويه) ، وهي كانت سابقة كما يقولون في تاريخ وفيات رجال القرية .
شكراً لكم جميعاً يا من وقفتم معنا في تلك الأيام العصيبة ، كانت حقاً صعبة علينا ، وما كان يحزنني فيها هو اقتراب محرم الذي كان يعشق فيه الحضور للمأتم ، فقد غاب جسدك يا حاج رضي بن حسين في ذاك المحرم ، ولكن روحك بقيت حاضرة ، وصورتك في المأتم دليل على عدم نسيانك فأنت أحد مؤسسي هذا المأتم ، وعشقك للحسين كان الدافع لذلك بالتأكيد .
يحزنني بعد عامين من رحيلك أن أخبرك إن القرية تتذكرك بألم ، وإن رجال القرية يتحسروا على أيامك تلك ، فالحديث اليوم يدور عن توسعة المطار من جهة الشرق (جانب قلالي) ليكون المنفذ الوحيد ذاك الذي اعترضت على قطعه ، أينك اليوم يا حاج رضي ، لتتحفنا بذهابك للمتنفذين لإيقاف قطع الطرف الآخر لنا؟
رحمك الله ، كنت حقاً الرجل الذي لم يفارق قلبي ، فحتى الأحلام التي تراودني لا تنساك حتى بعد عامين من ذكرى رحيلك .










...



03 يناير, 2008 03:33 م