لماذا فشل المدون البحريني (2)
في التدوينة السابقة ذكرت إن المدون البحريني فشل في نقل الأحداث وفشل فشلاً ذريعاً في أن يكون السلطة الخامسة في البلد ، ويؤثر على الساحة ويترك بصمته في مختلف القضايا ، والفشل الأكبر كان في منافسة الإعلام فضربت أمثال عن حرب العراق في 2003 وإعصار كاترينا في أمريكا والعدوان الإسرائيلي في 2006 ، كيف كان للمدون صداه و قوته في نشر الوقائع والأحداث أولاً بأول ، وربما يأتي شخص ليقول بأن البحرين ليست لبنان أو العراق أو أمريكا ، وبكل بساطة كلامه رغم صحته إلا أنه لا يتنافى مع ما أقوله ، فأنا لم أدعي أهمية كبرى للبحرين كدولة إقليمية مهمة ومؤثرة في معادلة الصراع في الشرق الأوسط ، لكن المتابع للأحداث اكتشف اختراقاً كبيراً للصحف الأمريكية والبريطانية والفرنسية الواسعة الإنتشار لنقل ما حدث في البحرين ، ناهيك عن الفضائيات والإذاعات الإخبارية العربية وغيرها والتي لم تتوقف يوماً واحداً في التوتر إلا وكان لها برنامج أو اتصال بإحدى الشخصيات السياسية البحرينية للسؤال عن حقيقة ما يدور في البحرين من أوضاع وتوترات .
طلب مني الشقيق العزيز "الكسيف" التريث قليلاً وعدم الاستعجال في الحكم على فشل المدون البحريني في نقل الأحداث الجارية على الواقع كما وأنه طلب مني عدم حصر المسألة في أحداث "17 ديسمبر 2007" وتداعياتها ، وأنا أود التأكيد على إن هذه النقاط هي استراتيجية تبين لكم سبب الفشل الذي أدعيه في تبيين الحقائق في الأحداث المهمة ، وفي النهاية ما أكتبه مجرد رأي يحتمل الصوابية أو الخطأ .
يتجاوز المدونون البحرينيون في جيران فقط الألفين مدون ، بينهم النشط وبينهم المتوسط النشاط وبينهم القليل النشاط وبينهم الغير نشط على الإطلاق ، لكنني أعتقد بأننا نستطيع أن نخرج بنخبة نشطة من المدونين الجيرانيين البحرينيين بعدد لا يقل عن المئة شخص ، ولو توقعنا منهم بعض النشاط في ما يحصل على الأرض فأعتقد إننا بإمكاننا التحدث عن زلزال مدوناتي يشكل السلطة الخامسة التي ذكرتها في السابق ، وأعتقد إن بعد هذه الأرقام لن يتكلم شخص عن عدم توافر مدونين بحرينيين يكفون لوضع المدونات البحرينية في المكان الصحيح ، ولكن من جديد نحن نتكلم عن الأسباب ، فما الأسباب التي تجعل المدون البحرين خارج إطار التأثير الواسع الذي أتكلم عنه .
باعتقادي إن المدونين البحرينيين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
الأول : هوامير التدوين : وهم نخبة المدونين البحرينيين وأغلبهم هم من الصحفيين المميزين والسياسيين الناشطين .
الثاني : مدونين املتكوا شعبية وأغلبهم يكتب من دون أسماء مستعارة .
الثالث : مدونين عاديين الفئة القليلة منهم تكتب بأسماء شخصية والأعم الأغلب يكتفي بالكتابة تحت أسماء مستعارة .
للوهلة الأولى يمكننا رؤية جمود حقيقي للمدونين "الهوامير" الذين كانوا في يوم من الأيام الأكثر شعبية ، والسبب في شعبيتهم هي شهرتهم الواسعة على المستوى الشخصي وعلاقاتهم الضخمة والغير مستهان بها مع المثقفين والسياسيين والإعلاميين في البحرين وخارجها ، ويشكل هؤلاء (أصدقاء الهوامير) جزء كبير من زوار مدوناتهم ما سيساهم في التأثير في الساحة بشكل أو بآخر ، وبإمكانهم إحداث فارق حقيقي عندما يقومون بالتدوين .
أما الباقي من "الهوامير" وهم الأعم الأغلب ، فيكتفون بنقل تقاريرهم ومقالاتهم الصحفية إلى مدوناتهم مما يكسبها الجمود ويخرجها من مضمونها " التدوين بدون سلطة غير سلطة المدون " فتقرأ مقالاتهم لتراها باهتة نظراً لأنهم محكومين بخطوط حمراء في الصحافة المحلية لا يستطيعون تجاوزها ، فتصبح مدوناتهم مجرد إرشيف لحفظ مقالاتهم وتقاريرهم الصحفية لا أكثر ولا أقل .
أما القسمين الثاني والثالث ، فالأعم الأغلب منهم يدون مذكراته الخاصة والمواقف اليومية التي يمر بها ، وقد يعطي رأياً في بعض المسائل الهامة هنا أو هناك ، كتحليل لكنهم لا يرون نفسهم معنيين بنقل "أحداث مهمة" والتعليق عليها وإبداء آرائهم أولاً بأول ، فترى على سبيل المثال قضية كتقاعد النواب يمر عليها أيام بل أسابيع لتقرأ بعدها آراء تحليلية (مع أو ضد) التقاعد ، فتبقى التدوينة تعيش التحليل إثر التحليل ، ولا ترى فيها مجالاً للخبر الذي يفترض به أن ينقل أولاً بأول ،ولا أتكلم عن نقل أخبار ننافس فيها الصحف وإنما أخبار بتعليقات المدونين وآرائهم حولها ، وكلما كان الحدث أو الخبر ساخناً ومهماً كل ما كان على المدون أن يكون أسرع تدويناً له ليكون مواكباً للحدث ويشكل مصدر رئيسي وقوي للحدث الذي يغلفه بتأثيره فيؤثر فيه على القارئ ، ليشكل عندها نواة السلطة الخامسة التي تحدثت عنها .
مشكلة أخرى أيضاً نراها في هذه الفئة (وأنا من ضمنها بالتأكيد) ، وهي المزاجية في التدوين ، والسأم والملل الذي يصيبهم في كثير من الأوقات ، فترى المدون نشطاً هذا الشهر ، بينما لاتقرأ له تدوينة واحدة أو تقرأ له تدوينة يتيمة في الشهر المقبل ، وهذا الأمر يؤثر سلباً على الزوار والقراء المتابعين للمدونة ويفقدها حيويتها لتصبح في نهاية المطاف مدونة غير نشطة .
· الطامة الكبرى :
أعتقد بأن الطامة الكبرى التي نواجهها نحن المدونون البحرينيون تتمثل في "الكوبي بيست" ، والمواضيع التي أصنفها من التوافه التي لا تستحق المرور أساساً ، فقد لاحظت في الآونة الأخيرة انتشار هذه الظاهرة في المدونات (بحرينية أو غيرها) ، فترى تدوينة فيها صور لأثاث منزلي وترى التعليقات عليها "مليون" ههههه ، ولا أعلم من أين تأتي كل هذه التعليقات ، وتقرأ التعليقات لتراها جوفاء ، (من أين حصلت على مثل هذه الأثاث الجميلة ، أنت رائع حقاً والصور جميلة ، عجبتني التدوينة كثير وشكراً وأتمنى زيارة مدونتي ) ، نلاحظ في هذه التعليقات بأنها لا تناقش التدوينة لأنها ببساطة لا تناقَش أساساً فليس لها أية فكرة ، وهذا الخلط الذي يقع فيه المدون بين المنتدى والمدونة ، حين يقوم بنقل أمور تعجبه ليعتبرها تدوينة ، بينما يفترض بالتدوينة أن لا تخرج من التدوين الشخصي وهذا ما أخشاه أن تتحول السلطة الخامسة التي أنشدها إلى قنوات إخبارية تنقل الأخبار دونما تحليل ، ما سيخرجها من مضمونها التي أنشئت من أجلها .
في التدوينة السابقة وردت ردود جميلة وكنت مسروراً منها ، نظرة لكثرة المختلفين معي وهذا شيء جميل ، يشعر المدون بأنه يكتب رأياً ويستقبل آراء غير جوفاء (مشكور ...... الخ) ، وهذا كان متوقعاً في دفاع المدون البحريني عن نجاحه ، وعلي أن أسهب في هذه النقطة (واعذروني على الإطالة) لأنني أراها مهمة جداً .
الصديق حسين الجمري يقول إننا غير فاشلين ويرفض الفكرة التي طرحتها من منطلق عدم إضفاء الصبغة الواحدة للتدوينات وانشغالها المفرط في السياسة، بل ويدعو إلى التخصص كل في مجاله .
أنا من أشد المعجبين لفكرة مدونة العزيز حسين الجمري ، فهي تخصصية مهتمة بالتراث والتاريخ الذي نخشى عليه أن يندثر ، وهذا مجهود أكثر من رائع علينا جميعاً أن نشكره عليه ، فما أحوجنا إلى مثل هذه التخصصات المهمة ، فمسألة التاريخ والتراث مع الأسف الشديد تحاول السلطة أن تشوهها عبر تزوير فاضح للتراث والتاريخ ، وترفض الترخيص للكتب المتخصصة والمبدعة في هذا الشأن لأنها تكتب التاريخ من جانب واحد (حسب وجهة النظر الرسمية) ولاتريد الترخيص لكتابة التاريخ من وجهة نظر الشعب ، وهذا المشروع الذي يقوم عليه العزيز الجمري أنا أشكره عليه من اعماق قلبي ، وأرى إنه سيأتي يوم يتعلم منه الأجيال القادمة التاريخ والتراث المتعلق بهذه البقعة من مدونته .
لكن أود أن أتسائل هل المدونين البحرينيين هم متخصصين فعلاً ، وهل نحن قادرين على الإبداع في مجال واحد ؟
نحن لسنا مشاريع لعلماء فلسنا ذاهبين بالتخصص في مجال واحد والإبداع فيه والإلمام بكل نقاطه وحيثياته وزواياه ، بل قد نكون مشاريع مثقفين نتعرف فيه على مختلف التخصصات بامور إيجازية وليست عميقة ومتعمقة ، ومن هذا المنطلق فمن الخطأ أن أقول إني متخصص في الشئون السياسية لأنني منخرط في العمل السياسي لفترة طويلة ، وبحكم متابعتي الحثيثة لما يجري على أرض الواقع واتصالي الدائم بالساسة في البحرين ، وأنا عن نفسي لدي ميول في الأدب وأحب الشعر بل وأعشقه ، كما وإنني مهتم بالرياضة وأشجع أفرقة ...... الخ .
ففي أي مجال يمكنني أن أبدع ، وهل سيكون من الصواب أن أحكر نفسي في زاوية واحدة بدل الحرية والكتابة التي أتمتع بها في أي مجال أحببت أو شئت؟
المدونات (السعودية ،المصرية ،اللبنانية ،السورية ،الأردنية ،الإيرانية ،العراقية ) كونت لنفسها كيان مهم ومؤثر ولها متابعين كثر ماشاء الله يقدرون بالملايين في بعض المدونات ، ولكن هل نستطيع نحن أصحاب المدونات البحرينية أن نكون لنا كياننا الخاص والمؤثر؟
يقول الشقيق الجمري إن السلطة الخامسة إن أردناها ناجحة فعليها أن تكون متخصصة ، وهنا أود أن أقول للشقيق الجمري إنه بإمكانه الرجوع إلى السلطات الخامسة في الدول التي ذكرتها سابقاً ، وليرى إن كانت هذه المدونات متخصصة أم إنها تدون في مجالات مختلفة ومتنوعة لكنها مهتمة بالشأن العام الأكثر تأثيراً على الأرض ،مع وجود مدونات تخصصية في تلك الدول وهي إبداعية أيضاً .
قد يتسائل البعض كيف لنا أن ننجح ونخرج بكيان خاص لنا كمدونين بحرينيين ، وهل هناك توصيات ؟
أعتقد بأنني غير ملزم بكتابة أمور أعتبرها توصيات وأنا ضد وضع أمور رسمية إلى هذا الحد ، ولكن ببساطة وسهولة ، لو تحمل كل مدون مسئوليته ولو كان فاعلاً ، ولو كنا بالفعل نرى أنفسنا زملاء في مهنة التدوين ندافع عن بعضنا إن تعرض للهجوم ، ونتضامن مع الآخر إن تعرض للمضايقات وندعو لأي مدون بالعافية إن أصابه أي مكروه ، ملتحمين متحدين لدينا مبدأ حرية التدوين والآراء ، متفقين على ضرورة إعطاء آرائنا في مختلف الشئون المصيرية والمهمة حتى لو كنا مختلفين ، متوافقين على نقل الحقائق بدون توجيه مع إضافة تعليقاتنا المختلفة في هذه الشئون ، حينها بإمكاننا التحدث عن تولد سلطة خامسة مقلقة لأطراف سياسية واقتصادية ومتخصصة في الإعلام والتاريخ والتراث والرياضة وغيرها .
حين نكون بهذا النشاط وبهذا التوحد ، يصبح كل تخصص تحت سلطة أعيننا ولا نتردد في إبداء آراءنا أولاً بأول ، وسنكون فاعلين ومؤثرين بدرجة نحن لم نكن نتصورها أو نتوقعها في أي وقت مضى .
كيف العمل ، كيف النجاح
أعتقد إنها مهمة سنكتشفها من تعليقات الأشقاء
عذراً على الإطالة
وعذراً على التقصير أيضاً















11 يناير, 2008 07:28 م