لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

نزاع وغضب

تارةً يشعر الإنسان بالسأم من شيء ، إلا أن المشكلة في هذا الشيء أنه اعتاده ومن الصعب أن يعتاد الابتعاد عنه أو تركه ، يدخل في نزاع مع نفسه ، مع ذاته ، يرى إن الاستمرار في هذا الشيء ، لم يخلف إلا الصداع و الهم والغم ، يحاول أن يضحك على نفسه ليتركه ، إلا أن نفسه تسول له أن يعود إليه متى ما سنحت له الفرصة ، يأخذ على نفسه عهداً أن لا يكتب في هذا الشأن ، وأن يبقى فقط للنقاش بينه وبين صحبه ، ليقلل من تأثره قليلاً ، إلا أنك تراه يذهب ليكتب ويحفظ ما يكتب على سطح المكتب الخاص بجهازه المحمول ، من دون أن ينشره ، حيث العهد الذي قطعه على نفسه غليظ .

 

منذ فترة وأنا أحاول الابتعاد عن السياسية والشأن المحلي خصوصاً ، لا أعلم لمَ السياسة تلاحقني ، لا أعلم لمَ أرى نفسي فجأةً أمام مقال لأحد الأصدقاء أو تقرير في إحدى الصحف ، لا أعلم لماذا أرى يدي تكتب في السياسة ، لا أعلم لماذا لا يمر يوم واحد لي حتى وأنا في الهند ، من دون أن يفتح النقاش على مصراعيه في إحدى مشاكل البلد السياسية ، وتراني أشرق وأغرب في الحديث مع الأصحاب في هذا الشأن .

 

أراني سائماً من السياسة ، وضجراً من متابعتي لها ، إلا أنني لا إرادياً أنجرف إليها ، يا ترى ما السحر الذي يختبئ خلف هذه اللعينة التي تسمى سياسة ؟

 

 

بصراحة ، لا أعلم السبب الذي يجذبني للسياسة ، كل ما أعرفه إن بعض الجرعات التي تناولتها من وصفتي الخاصة التي ستجنبني السياسة قد آتت أكلها ولو بعد حين ، لكنني لازلت غير منفك عن السياسة وبالذات ، السياسة المحلية بشكل كامل ، ولن أستطيع الإبتعاد أكثر من هذا الحقل .

 

يبقى إنني لازلت عند عهدي في عدم الكتابة في السياسة ، ولنقل إن هذا القرار هو رد على البعض ممن يعرفون أنفسهم ، ولا أريد التوضيح أكثر ، سوى الختام بالقول ، إن تركي للكتابة في الشأن المحلي هي رسالة إلى أطراف عدة ، يعرفون أنفسهم ويعرفون السبب في الابتعاد ، ولنقل إنني لم أكن أول من يبتعد عن هذا الحقل ،ولست آخرهم بالتأكيد ، وأعلم إنني لست ذو تأثير في الشأن المحلي ، والتأثير الذي أتحدث عنه هو ذلك الذي يحدث فارقاً ، لكنني بالتأكيد لست من اللذين يكتبون للهواء ، والكثير من الأطراف والأشخاص تقرأ وتتابع مقالاتي ، لذلك وبكل بساطة ، فلتسقط السياسة من تدويناتي ، سحقاً لها وتباً لها حيث شغلتني بما فيه الكفاية ، فاللعنة عليها دائماً وأبداً .

عندما أكون بعيداً

ربما يكون البعد عن الوطن له سلبياته ، لكنه بلا أدنى شك فله إيجابياته .

تحدثت مراراً عن إيجابيات الاغتراب وسلبياته ، ولست في وارد إعادة تكرار ما كتبت ، لكنني اليوم أكتب بشكل مغاير ، فأريد الكتابة عن التأمل ، عن الهدوء ، وعن القدرة على الإطلاع ، وعن وقت الفراغ الذي أستطيع استثماره .

في البحرين ، بين أهلي وأصحابي ، لا أملك الكثير من الوقت لقراءة الصحف المحلية والعربية والعالمية ، ولا أملك الكثير من الوقت لقراءة الكتب أكانت سيرة ذاتية أم فكرية أم رواية ... الخ .

هنا وفي الهند ، حالات التأمل كثيرة ، أشعر غالباً بصفاء ليس له مثيل على مستوى الذهن ، أستطيع التفكير كثيراً ،أجد الحلول غالباً لأية مشاكل أو عراقيل تواجهني ، بل الأحلى من ذلك إنني أجد أكثر من طريقة للحل ، فلا أعتمد حلاً واحداً ، بل أستعرض الخيارات التي لدي ، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على حالة الصفاء العقلي والروحي الذي أعيشه .

 

تارةً أشعر بالضياع والسأم والملل ، حينها أراجع نفسي بسرعة ، فأكتشف إنني ليس لدي شيء أعمله بانتظار مستجدات اليوم الطويل ، إن جاءتني مكالمة هاتفية ، أو دق جرس الباب ، أو ألقت إحدى الحسناوات في مقهى من المقاهي نظرة من نظرات الإعجاب أو ابتسامة عابرة .

أعيد النظر إلى ما أنا عليه ، أحاول شغل نفسي بأي شيء ، كي لا يمر علي اليوم صفر اليدين وكأنني حائرٌ ضائعٌ في وسط الزحام .

 

تارةً أتمنى حرق المراحل والقفز عليها ، فأبدأ بالتفكير في المستقبل وكأن الذي يفصل بيني وبين التخرج شهر واحد ، فأسرح كثيراً في التخطيط والتفكير ، لأرى نفسي كهلاً تقدم به العمر كثيراً ، أستعيد توازني لأرى إنني لازلت عند نقطة البداية في هذه الحياة ، وكل ما تراءى لي ليس سوى متخيلات لمستقبلي ، لكنني أحب وأعشق التفكير في المستقبل ، والتخطيط لما هو آت ، لا أعلم لماذا ، إلا أنني أرى متعة في سرحاني هذا .

 

تارةً أشعر بالفقر الفكري ، فأرى نفسي تائهاً بين عمالقة الفكر ، أود لو أستطيع القفز إلى الأمام بخطوات (سوبرمانية) لعلها تصلني إلى مبتغاي ، إلا أنني أعلم إن هذا الكم من الفكر والعلم والمعرفة لا يأتي إلا بالعمل الشاق والدؤوب والمستمر الذي يأخذ وقتاً كثيراً أيضاً ، ولا يمكن لشخص في عمري أن يتخطى كل هذه المحطات بقفزة نوعية ، مها بلغ عقله من الرشد والنباهة والذكاء .

 

حالات التأمل هي كثيرة ، ولها أوجه كثيرة ، فيمكن للقارئ أن يفكر في أي موضوع يمكن لشخص بمثلي أن يسرح في التفكير فيه ، عدا المحرمات الثلاث (الزواج والحب و الإرتباط) طبعاً .

 



<<الصفحة الرئيسية