لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

أنا ابن رجل دين ، معقول ؟؟ !!

عندما يفرض عليك المجتمع قناعات وأفكار وأكثر من ذلك ، عندما تُقَيَد حريتك ، فقط لأن والدك رجل دين ، فالوضع يبدو سيئاً
الوالد

لعل أكثر ما تواجهني من صعوبات نفسية وليست صعوبات عملية ، هي مسألة إنني ابن رجل دين .

لنكن واضحين ، أنا أفتخر بتاريخي وبوالدي وبكوني ابن رجل دين ، ولست متنكراً لا لحياتي التي عشت 13 عاماً منها على أرض إيران ، وعامين في الكويت (وعشان لا يزعلوا الربع) وسبعاً في البحرين ، وواحدة في الهند (للدراسة) .

ولا أريد التحدث من هذه الزاوية كي لا يسيء فهمي أحد ، ولا يذهب البعض للتحليل من زوايا أنا لم أقصدها أساساً .

 

كنت أقول لأصدقائي ، ولازلت أقول "إنني انتزعت حريتي في حربٍ ضروس ، امتدت سنوات كي أصل إلى ما أصبو" ، ربما يقدروا كلامي ولكن بالطبع لم يستطيعوا الشعور بما أنا أشعر به ، والمشكلة إنني لازلت مكبلاً في هذه الوضعية التي خلقت عليها ، فالوضعية الإجتماعية تحتم علي دائماً ان أراعي إن والدي رجل دين ، والأمر يتطلب ضوابط دينية وأخلاقية إن صح التعبير ، قبل أي شيءٍ آخر .

 

لازلت أذكر ، إنني في يومٍ من الأيام وكنت مدعواً لحضور "بركة سباحة" في تلك الأيام الصيفية الحارة ، وعلى حسب تعبيرنا المجتمعي ، كانت هذه البركة (للمطاوعة) أو الملتزمين دينياً مع تحفظي الكبير على هذه العبارة ، عموماً وكي لا أطيل ، ذهبت للبركة كأي شخص عادي بملابس رياضية كالعادة ، وأنا في البركة مستعتمعٌ بالماء الذي يبعدني عن الرطوبة المقيتة ، فإذا بأحد الإخوة المتواجدين في البركة يدعوني إلى الزاوية للحديث في شأن خاص ، ذهبت تلبية للطلب فكلمني عن سبب لبسي الغير ملتزم ، لم أفهم قصده ، فقال لي شارحاً إنه من الأفضل المجيء بملابس تستر الركبة فهي جزء من العورة ، ودخلنا في نقاش ديني وعرفي ، لم ننته منه بمحصلة تذكر ، سوى إصرار كل واحدٍ منا على رأيه ، وفي نهاية المطاف صعقني بالحجة الأقوى والأعنف التي لديه والتي اعتبرها سلاحاً فتاكاً فقال مستهجناً ومستنكراً "ولكن أبوك شيخ" ، ابتسمت له وقلت له إن مستوى التفكير هذا يبعدني عن جو النقاش إلى جو الهزل والمزاح ، ورحلت عنه .

 

الأمر ذاته حصل معي في نقاشات عقيمة كثيرة عن التدخين ، فبعد النقاش العلمي والصحي ، والإتيان بالحجج التي لم تقنعني بل تزيدني إصراراً (بكوني محاجج شرس هههه) ، ينتقل المجادل إلى الرأي الفقهي فأصرعه لوجود خلافات كثيرة في الآراء الفقهية وكلٌ يعتمد على مجتهده ويعمل بتكليفه الشرعي ، لتكون الخاتمة الكلمة المعهودة والموعودة والمنتظرة "ولكن إنت أبوك شيخ" .

 

أذكر أيام زمان ، في بداية مشواري الصحفي الذي انتهى مبكراً ، بعد سنة تقريباً ، حينما التحقت بالأيام ، كنت حينها أعمل في قسم مسئولتي فيه الأخت والصديقة التي أعتز بها كثيراً "لميس ضيف" ، وفي زيارة لي لأحد رجال الدين والسياسة البارزين ، سألني عن مكان عملي فأخبرته بالتحاقي بالأيام ، فبدأ بالتحدث عن حكومية الصحيفة ومواقفها المسيئة .....الخ ، وبعد ذلك سألني عن مسئولتي فأجبته بأنها الصحفية لميس ضيف .

كان يبدو عليه إنه غير مطلع على الصحافة المحلية بكثرة ، فسألني "أهي محجبة؟" أجبته "نعم" فقال : الحمد لله ، وانتهى حديثه بالدعاء لي بالهداية والتأكيد على إنني علي الإنتباه من الوقوع في المنزلقات وخصوصاً وإنني ابن رجل دين ، ونشأتي دينية بامتياز .

 

المسألة ، لو كانت بهذا الحجم ، لما آلمتني مراراً وتكراراً ، ولما جعلتني أفكر فيها ليل نهار ، في كثير من الأوقات ، لكن المشكلة حين تكبل حريتي الفكرية ومعتقداتي وآرائي ، ويكمم فاهي ، لأن أبي رجل دين .

فتارةً أكتب كلاماً لايعجب فلان من الناس ، فيبادرون بالإتصال بالوالد العزيز ، لتبيان استنكارهم الشديد لما أكتب ، ليكون الوالد في موقف حرج لا يحسد عليه ، فيبادر بمهاتفتي لتغيير الموقف ، للتوقف عن الكتابة في شأن ما أو عدم إقحام شخصيات معينة لها أدوار مجتمعية ، في شئون معينة ومن زاوية أريد إيضاحها للعالم .

 

هنا ، يكون أمر إن والدك رجل دين ، نقمة عليك لا نعمة ، أو كما يصورها البعض ، معارف وقد تكون وجاهة أو تواصل أو معلومات أو أي من هذا القبيل ، حينها تلعن الساعة التي ولدت فيها وأصبحت ابناً لرجل دين .

 

أعلم إن ما أكتبه قد يكون سلبياً في مردوده علي ، وأنا لست هنا في وارد الإعتراض على المشيئة الإلهية التي خلقتني هكذا ، وأعرف إنني من واجبي تفهم الموقف ، ولكن يا أحبة ، كل أمر وله حدوده ، فحينما أرى وأنا على مقربة من إنهاء 21 عاماً والدخول في العام الـ 22 من عمري ، إنه لازال أشخاص يحكمون عليك من نظرتهم لوالدك ، ويريدونك طبق الأصل كما أبيك ، ولازال هناك أشخاص يستغلون هذا الوضع في تكبيلك وتكبيل حريتك ، ولازال هناك حمقى يتكلمون وكأنهم أنبياء الله المرسلين ويريدون تطبيق الشريعة الإسلامية ، ويرون فيك الفاسق الفاجر المبتعد عن الدين وعن المذهب ، فقط لأنك تدخن .

حينما أرى هذه النماذج بأم عيني ، أكره الدنيا ساعتها ، وأدعوا الله أن يأخذ أمانته سريعاً ويخلصني من الجحيم الذي أنا فيه .

نهاية ، أدعو للجميع طولة العمر ، وكل يوم وكل ساعة أتوصل لقناعة مفادها إن وجودي في هذا الكون بمشيئة إلهية ، لكنني لست عبداً لأحد ولا موظفاً عند فئة ، ولا أطبق آراء أحد فقط لأنه يستفزني بمثل هذا الكلام ، ولا أكترث كثيراً بحكم الناس علي ، من سيرة والدي وطبيعة حياته وبكونه رجل دين .

نعم أنا أفتخر بوالدي كثيراً ، وأحبه أكثر ، وفقط الله يعلم حجم هذه المحبة والمفخرة ، لكننا مختلفين ، فلا يمكن لعقل بشري أن يتطابق مع عقل آخر ، والإختلاف سنة الحياة ، وإنني متأكد إن مجرد تطابق أفكاري بالكامل مع أي أحد (والدي أو غيره) هو خطأ علي الإنتباه له .

 

فضفضت كثيراً في استراحة الجمعة اليوم ، فاعذروني

كل الود والمحبة لكم جميعاً

 

--------------------------------------------------------

خبر

لقد غادر الوالد أرض الوطن متجهاً إلى العراق ، وهو الآن في كربلاء المقدسة ، ويعتزم أيضاً زيارة النجف الأشرف ، وسيعود إلى أرض الوطن في الثامن من مارس/آذار الحالي ، وقد حاولت الإتصال به جاهداً إلا أن الخطوط العراقية تعاني من مشاكل متعددة ، دعواتي ودعواتكم للوالد ولكل زائرين أبي عبدالله الحسين وعلي بن أبي طالب ، بالرجوع إلى أوطانهم سالمين غانمين .


الوفاق تُصَعِد


كنت قد أعددت مقالاً طويلاً عريضاً أتكلم فيه بإسهاب عن ملف البندر وما حصل فيه ، إلا أنني قرأت مؤخراً مقالين للأخوين العزيزين عباس المرشد والدكتور عبدالجليل السنكيس  فقررت الإختصار كثيراً لعدم تكرار الكلام .

تكلم المرشد في مقاله عن حرب مفتوحة ووضح ما يقصد وإننا بإمكاننا كمعارضة أن نعمل كما يفعل حزب الله في إسرائيل لكن في المساحة الأضيق للحفاظ على موازين الرعب ، وتحدث السنكيس في مقاله عن مسرحية مرسومة يراد منها إبعاد عطية الله ، حيث قامت فيها الحكومة باستفزاز الوفاق لتُوَرِطَها (أي الوفاق) في اللعبة وبعد ذلك يأتي الملك ويقول ، إيماناً منه في الديمقراطية ولأن المعارضة لا تريد عطية الله سنخلع عطية الله من منصبه حفاظاً على الوحدة الوطنية ، بينما – حسب السنكيس – فإن الدول الأوروبية والولايات المتحدة قد وردتها تقارير كثيرة عن عطية الله وعائلة السويدي ، ولذلك قامت بالضغط على الحكومة لإبعادهم عن الشأن العام .

 

أولاً ، واختصاراً للموقف ، في مقال المرشد والذي تحدث فيه عن موازين الرعب ، فبكل بساطة ومن خلال المتابعة لما جرى على طوال السنين الأخيرة تحديداً ، في إن الوفاق ليست راغبة في التصعيد كثيراً نظراً لتحفظ رئيس المجلس العلمائي الشيخ عيسى قاسم على هذا الأمر ، ونستطيع أن نشهد إحدى دلالات هذا الأمر من خلال تصريح الأمين العام للوفاق اليوم في الصحف عن إن ما حصل لا تهدف الوفاق من خلاله الضغط على السلطة ، وهذا تصريح مطمئن للسلطة في إن الوفاق لن تذهب أكثر في تصعيدها ، وإن ما حصل نتيجة استفزاز هيئة المكتب ونتيجة الكبت ، ونتيجة الإحباط الذي يعيشه نواب الوفاق والإحراج والضغط الشعبي الذي يتعرضون له يومياً ، وهذا شيء طبيعي ، حيث كان رفض ادراج الاستجواب على جدول الأعمال كالقشة التي قصمت ظهر البعير ، وأستطيع من اليوم أن أتكهن ، وأنا لا أريد استباق الأحداث وأود التريث أيضاً ، إلا أنني أستطيع أن أتكهن على إن الندوة التي أعلنت عنها الوفاق ستكون ندوة هادئة ، وإن أي تصعيد محتمل لا أستطيع وضعه إلا في خانة المحافظة على القدر الأكبر من القاعدة الشعبية التي تستنزف يومياً لصالح قوى معارضة أخرى .

 

أما عن مقال السنكيس ، فمع احترامي له ، فهو لم يلحظ سوى الضغط الدولي والذي يبدو لي إن حركة حق متورطة في رهانها كثيراً عليه ، بينما أثبتت التجارب إننا لا يمكننا الرهان على المجتمع الدولي لنيل حقوقنا لأسباب كثيرة منطقية ولحسابات سياسية بحتة ، ولمصالح استراتيجية ليست هذه القوى في صدد التضحية بها حيث إنها ترى في ذلك خسارة كيف لا وهي لا تستطيع التعويل على المعارضة في إكسابها مصالح أكثر من التي حصلت عليها ، هذا إلى جانب إن البحرين ليست قوة إقليمية يعتد بها وإنما هي في نهاية المطاف مرهونة بالمملكة العربية السعودية ومواقفها ، لذا فهي ليست في وارد إحداث فارق للضغط إقليمياً على إيران في ملفها النووي مثلاً ، وهنا تصبح البحرين شحيحة المصالح للقوى الكبرى ، وأستنتج من هذا الشيء إنها ليست في وارد الضغط على الحكومة البحرينية أكثر وأكثر .

 

أما عن نية إزالة عطية الله وكواليس المسألة ، فلازلت أذكر الحديث في بداية انطلاق قنبلة البندر للإنفجار ، حين كانت مصادر مطلعة تتحدث عن ترحيل عطية الله وإلحاقه بالسلك الدبلوماسي في لندن أو باريس ، إلا أن عدم جدية المعارضة في الضغط وانشغالها بترتيب قواعدها وتوجيهها للتصويت لمرشحي قوائمها في الإنتخابات أدى بالحكومة للتمسك بعطية الله ، وعدم الإكتراث كثيراً ، ما فوت الفرصة على المعارضة لـ "تطيير" عطية الله في ظروف ملائمة جداً وأصبح بعدها من العبث التحدث عن تطييره لا من الأسبوع الأول ولا من السنة الأولى .

 

تصعيد الوفاق الأخير كان بسبب تمسكها لطرح استجواب عطية الله ، وأعتقد إن الوفاق قد بالغت كثيراً في الأمر ، فهي تعلم والتصاريح تثبت ذلك ، إن نواب الموالاة الـ 22 ليسوا في وارد الوقوف معهم في الإستجواب مهما كلف الأمر ، ما يعني غباءً من هيئة المكتب في عدم إدراج الإستجواب ، فلو أدرج لصوتت الغالبية برفضه ، وانتهى الأمر ، وأعتقد إنه كان من الأجدى للوفاق أن تجرب وسائل أخرى خارج البرلمان ، من خلال تواصلها مع بعض المسئولين في الدولة ، للضغط على السلطة السياسية في البلاد لحلحة هذا الملف المقلق .

 

قد يكون من الجيد تصعيد الموقف من قِبَل الوفاق كما حصل مؤخراً ، إلا أنه بالتأكيد لن يكون مؤثراً لو تم التراجع عن التصعيد مباشرةً ، وهذا ما أثبتت التجارب إن الوفاق تذهب إليه بعد كل تصعيد دائماً .

 

باختصار ، لسنا ذاهبين إلى مكان ، وما حدث لم يغير من الواقع شيئاً ، وأتمنى أن أكون مخطئاً .

المرفقات :

مقال عباس المرشد

مقال عبدالجليل السنكيس

تصريح الشيخ علي سلمان

مذكرات رجل ثوري (5)

التحول المريب

 

في الحلقة الماضية تحدثنا عن أبو ثائر ، وكيف له أن أصبح نجماً من نجوم السياسة ، وكيف انقادت الناس إلى خطابه على المنبر ، أو مقالاته عبر الصحيفة المحلية التي كان يكتب فيها ، يقول صديقنا "محمد الحايكي" في تعليقه على الحلقة الرابعة إن أبو ثائر كان يتصل ببعض أصدقائه ليسألهم عن ردود الفعل التي تولدت إثر مقاله الأخير ، وكل مقال كان يقوم بنفس الإتصالات ليعرف ما هو الذي يحرك المشاعر ويجعل الناس أسارى كلماته التي لا تتجاوز الـ 600 كلمة .

 

يمكننا استنتاج إن أبو ثائر كان يحاول أن يصبح نجماً باعتماده على الجمهور ، وكما يقولون فإن أبسط طريقة للوصول إجتماعياً هو الرقص على معاناة الشعوب ، ولننظر إلى التاريخ لنراه مليئاً بمثل هذه الأحداث ، ولن نحتاج إلى النظر لأكثر من 30 سنة أساساً ، كما لا نحتاج إلى النظر إلى السياسيين في البلدان المجاورة ، فيكفينا نحن في البحرين أن ننظر إلى سياسيينا منذ السبعينات حتى الآن ، وكيف تحول الكثير منهم إلى رجالات دولة ، وأصحاب نفوذ وسلطة .

 

أبوثائر ، لم يكن أفضل حالاً من هؤلاء ، فبعد أن رأي حجم الشعبية التي امتلكها ، أحس إنه يمكنه المقايضة الآن بهذه المعاناة التي كان يبثها ويبث شكواها ، فقام بالفعل بالمقايضة ، على أن يقوم بذلك تدريجياً ، وبالفعل بدأ يعطي جمهوره مقدمات ذلك ، حيث المديح المفرط في مشروع الملك الإصلاحي ، وحينما تسأله يجيب عليك بكل سذاجة أو احتقار للسائل ، إنني أقوم بذلك لنكسب نحن المعارضين الملك وليذهب خليفة بن سلمان إلى الجحيم .

 

كره الشارع لخليفة بن سلمان ، جعلهم يصدقون هذه الترهات بهذه البساطة ، مع إن الكثيرين خرجوا على أبو ثائر وكتاباته وبدأوا بانتقاده ، إلا أن الصورة كانت واضحة لمن راقب أبو ثائر وتحركاته وكتاباته ، أما الأعم الأغلب فبقي على طيبته واستمر في حساب السبعين محملاً الذي سيحمل به أبو ثائر وعثراته .

 

أبو ثائر لم يستطع الصمود أمام المغريات وسقط في ترف الحكم منذ ان انضم إلى المجلس الإسلامي الأعلى ، وأشاع حينها إن الشيخ ليس لديه تحفظ في الإنضمام إلى المجلس الإسلامي الأعلى بعد تغيير بعض البنود من القانون الأساسي للمجلس ، وبالفعل وكما يقولون فطعم الأموال لذيذ ، يغري الجميع بلا استثناء ، ما حدى بصاحبنا أبو ثائر إلى التأثر بالأموال التي يستلمها ، وكانت تكفيه نظرة مادية منطقية ليكتشف إن الحل الوحيد لترفه هو الترامي في أحضان السلطة ، أما أن تكون معارضاً فستحاربك الحكومة من الآن إلى قيام الساعة ، ولم تترك لك متنفساً لتعيش من خلاله برفاهية محدودة .

 

ينقل لي أحد الأصدقاء إنه التقى أبو ثائر ، وبدأ بمعاتبته على مواقفه الأخيرة ، فقال له بكل وقاحة "لقمة العيش" ، فرد عليه إننا رجال دين نعرف إن الله تكفل بالأرزاق ، ونحن زملائك لم نمت من الجوع أبداً ، ولكننا كما غيرنا ابتلينا بعدم توافر المسكن اللائق وعدم اقتناء السيارات المعقولة فضلاً عن الفخمة .....الخ ، وإن هذا امتحان من الله للمؤمنين فلا تناقض نفسك ، فرد عليه إنه مقتنع من أغلب ما يكتب ، وما يكتبه ويسرده هو الإستغلال الأمثل للحرية الممنوحة ويجب أن لا نستغل الحرية للشتم والتعرض لفلان وعلان .

 

وواصل أبو ثائر ، كتاباته المجنونة ، وبدأ يظهر مدى الإنبطاح الذي وصل فيه قبال السلطة والأموال ، فكل يوم يزيد انبطاحاً فيه عما سبقه ، ليصبح في النهاية شخصٌ لا يطاق ولا يتحمل ، ما حدى برئيس تحرير تلك الصحيفة أن ينتظر فقط انتهاء العقد السنوي معه ، ويرفض تجديد العقد لأنه بدأ يكره أبو ثائر الذي استغل منبراً حراً يكتب فيه آرائه ، للصعود والوصول والإنتهازية ، إلا أن أبو ثائر لم يكن مكترثاً كما يبدو ، فمستقبله قد تأمن ببضعة دنانير أشترته بها السلطة .

 

في الحلقة القادمة ، أبو ثائر حداثوياً .  

درس وطني من مقهىً هندي


طوال سبعة شهور مضت وانقضت على تواجدي في الهند ، وأنا في كل يوم أسير على هذا الشارع إما ذاهباً للمطعم أو للمحاضرة أو للأصدقاء .

كل يومٍ بلا استثناء أطوف فيه على هذا المقهى الشعبي المتهالك ، الذي يرتاده الهنود وبعض البحرينيين الذين يعدون على الأصابع ، ولم أفكر يوماً ولو على مستوى التفكير أن أرتاد هذا المقهى الشعبي وأتناول فيه شيئاً مما تيسر ، ولو لا مديح الشباب لشراب الشاي اللذيذ ، لما فكرت حتى بالجلوس في مقهى متهالك لأبعد الحدود ، لا يسر الناظرين .

قبل أيامٍ معدودة ، قررت أن أزور المقهى وعندما زرته ، تفاجأت وتحسرت وتمنيت لو زرته منذ زمن بعيد ، ونقلت لكم هذه الصور ، التي كانت ستغنيني من كتابة الكثير من المقالات في بعض الشئون المحلية .

 

في أول يومٍ لذهابي للمقهى  شدتني صورة .

 أكاد لا أصدق عيني ، إنها صورة لقائد الثورة الإيرانية السيد الخميني رحمه الله موضوعة في أعلى الجدار ومقاربة للسقف ، وفي الرفوف الخلفية للكاونتر (المحاسب) توجد صورة أخرى صغيرة للإمام وتحتها صورة أصغر لمرشد الجمهورية السيد علي الخامنئي .

 

وأنا أنظر للصور ، راودني السؤال ، ماذا لو كانت هذه الصور معلقة في مقهى شعبي بحريني؟

كانت الإجابة مخيفة وهي باختصار ، استنفار إعلامي ، أمني ، نيابي ، سلطوي فتنوي بامتياز .

لكن لماذا وضع صاحب المقهى هذه الصور يا ترى ؟

وضع صاحب هذا المقهى صوراً لا تتعلق ببلده أبداً ، لكنه وضعها لأنه لاتوجد جهة ستتهمه بالعمالة لإيران ، ولا يوجد شخص سيشكك في وطنيته وهو لم يعرف وطنٌ سوى الهند .

 وضع صاحب المقهى هذه الصور لأنه لا يتوقع أن يأتي صحفي فتنوي موتور يتهمه بمحاولة قلب نظام الهند ومحاولة حكم البلد بالخلافة الإسلامية ونظرية ولاية الفقيه .

لم يخشى صاحب المقهى أن يضع هذه الصور ، لأنه واثق بأنه لايوجد شخص من أصل مليار وثلاثمئة مليون هندي سيلفق له الأكاذيب في الصحف ويتهمه بحيازة أسلحة داخل هذا المقهى ، ولم يأته كاتب من الكتاب الفطاحل ليقول عنه بأنه صاحب عقل مجمد ، جمدته له العمامة وحكم الملالي في إيران.

صاحب المقهى وضع هذه الصور لأنه لايملك من بين نواب شعبه ، نائباً من نواب الصدفة أو المراكز العامة سيشن عليه هجوماً في الصحف ويطالب قوى الأمن باعتقاله لعمالته لدولة أجنبية .

صاحب المقهى وضع هذه الصور لأنه واثق بأن لا أحد سيجبره على إزالة الصور ووضع صورة رئيس بلاده قسراً ، ليعبر فيه عن حبه للرئيس ووطنيته الخالصة .

صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لأنه لا يوجد جهاز أمني فاسد سيقوم بتلفيق تهم وسيوزعها على شكل بيانات على الصحف المحلية ، ليقوم باعتقاله وتعذيبه في المعتقل ليحصل منه على شهادة تحت وطأة التعذيب يقر فيها إنه يعمل في منظمة تدعى حزب الله الهند ، تحاول لزعزة الأمن والإستقرار ...الخ .

صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لاعتقاد ديني أو لإعجاب بما يقدمه وقدمه شخصيات دخلت التاريخ المعاصر ، شأنه شأن من أعجب في غاندي أو تشي جيفارا أو نصرالله أو أي شخصية عامة أحدثت فارقاً في هذا العالم ، بدفاعها عن مظلوم او محاربتها ظالم أو احترامها للشعوب ونظالها من أجل أمتها .

نهاية ، صاحب هذا المقهى وضع هذه الصور لأنه في بلد ديمقراطي حقيقي ، يسمح له بالتعددية ولا تشوبه تنظيمات تحاول النيل من طائفة تمثل شريحة واسعة من المجتمع وتريد محوها من الخارطة الديمغرافية و إلغائها بالكامل ، بإحلال مواطنين جدد عبر سياسات خبيثة ، في بلد يعيش على بقعته سدس سكان العالم وهو ليس بحاجة لا إلى تجنيس ولا إلى دروس في الوطنية يدفعنا لها بعض الفطاحل ممن يسمون أنفسهم كتاباً ومثقفين ، عن طريق حفظ أسماء المخترعين والمكتشفين .

 

بإختصار صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لأنه لا يخشى شيء .



أترككم مع الصور











نائبنا الديري ، إسمح لي ، فقد طفح الكيل

الديري ، إهمال وتقصير في إسكان سمادير


الشيخ حمزة الديري

 

حاولت ملياً الإبتعاد عن الحديث عن أي أمر يمس دائرتي ، فكنت إذا أردت نقد النواب أنتقد الكتل ، أو بعض الأشخاص ولكنني كنت أتجنب الخوض في مسائل تمس القرية ، كي لا يوصف الأمر وكأنه شخصي وبيني وبين النائب الديري ، إلا أنني لم أستطع السكوت كثيراً وخصوصاً وإننا نتكلم اليوم عن دور الإنعقاد الثاني الذي سينتهي ومع انتهاءه سينتهي نصف عمر المجلس النيابي .

 

قبل ثلاثة أعوام من هذا اليوم تحديداً ، في التاسع عشر من فبراير عام 2005 ولا أنسى إنه كان يصادف السابع من محرم الحرام لعام 1427 هـ ، إلتقت اللجنة الأهلية للدائرة مع الملك ، وكان حينها العضو البلدي السابق حسين عيسى والعضو النيابي السابق علي محمد علي السماهيجي ، حاضران الإجتماع أيضاً .

 

الإجتماع ألقيت فيه كلمة للدكتور علي هلال ، وهذه الكلمة كان يحاول محافظ المحرق الإطلاع عليها لتوجيهها إلا أن أمنيته لم تتحقق ، وكما نقل في تلك السنة إن الكلمة التي أعدها أدبياً الدكتور علي هلال كانت مؤثرة في نفس وشخصية الملك الذي قال "إنها قصيدة" وسألهم بعدها هل توجد أرض هناك تابعة للديوان ، فجاوبت اللجنة بنعم وعرضت عليه مخطط الـ 46 هكتار الجميل الذي يتسع لألف وحدة سكنية بمرافقها ، فوافق الملك مباشرةً وأصدر تعليمتها لتسجيلها لأهالي "سمادير" .

 

تطرق الأخ العزيز عباس المرشد قبل فترة وجيزة لقضية الإسكان وكان آخر السلسلة عن إسكان دائرتنا ، وقد أنصفنا إلى حد كبير وأنا أشكره على ذلك ، إلا أن ليس كل الكلام ذكر في مقاله ، مقاله كان يتكلم عن دائرة لم ترى مشروعاً إسكانياً واحداً منذ أن أنشئت وزارة الإسكان ، ولم يتناسى الدائرة تاريخياً وقِدَمِها ولم يتغافل الطلبات القديمة التي تعود للعام 1986 والتي لازالت عالقة ولم يغفل إن الطلبات قد تجاوزت الألف طلب ، بينما قلالي فقط تحصل على 2000 وحدة سكنية لعامين متتالين بتوجيهات رئيس الوزراء الطائفية ، والتي لم تراعي مشاعر الجيران "سمادير" ولم تكترث لهم ولهمومهم ومشاكلهم حتى ، فحتى الآن يبدو لدى خليفة بن سلمان زيارة الدائرة ضرباً من الخيال مع إنه أعلن في رمضان كما أذكر إنه لديه نية بزيارة الدائرة ، لكن كما يبدو فإن رجله ثقيلة على المناطق الشيعية ، فالطائفية وصلت في تكوينه إلى حد الإشباع .

 

كل هذه التعقيدات ، وكنا نتمنى من مشاركة الوفاق ودخول الشيخ الديري إلى المجلس شيئاً يعود بالنفع على الدائرة ، فمشكلة الإسكان الذي يتباطأ المسئولين في حلحلتها رغم الأرض المهداة من الملك ، هي مشكلة تحتاج إلى ضغط نيابي بالدرجة الأولى ، وما التحرك البلدي إلا تحرك محدود جداً يفتقد لقوة التحرك النيابي .

 

كما كنت أتابع أخبار إسكان الدائرة والتطورات التي تحصل ، وكان مكتب النائب البرلماني متواجداً في تغطية تحركات الشيخ الديري ، حيث كان ينقل التحركات واللقاءات أولاً بأول في المساحة المخصصة له في منتدى الدير وهذا جهد يشكر عليه المكتب على كل حال .

 

المعلومات التي تتوافر لدي تقول إن في شهر مارس 2007 المنصرم ، اجتمع الشيخ الديري وبعض الشخصيات التي كانت موجودة في اللجنة الأهلية لإسكان الدائرة ، بوزير البلديات منصور بن رجب ، وشكوا له التباطؤ الرسمي لحلحلة مشكلة الإسكان لهذه الدائرة المغلوب على أمرها ، وأطلعوا الوزير على الأرض المهداة وما آلت إليه الأمور من محاولات لبتر جزء منها لمصالح متنفذين ما استوجب لقاءات وتصريحات وأسئلة موجهة إلى الوزير ..... الخ .

حينها طلب وزير البلديات من النائب الديري تشكيل لجنة رباعية أهلية ، وأبدى استعداده لترتيب لقاء مع الملك ، يساهم في التعجيل لحلحة الموضوع ، وتحريك المياه الراكدة في هذا الموضوع ، وكنت حينها أتوقع أن لا يستغرق الموضوع مع الشيخ أكثر من أسبوع ، إلا أنني تفاجأت كثيراً فالأسبوع صارَ عشرة شهور ، ليعلن عن اللجنة ولجنة المساندة في شهر ديسمبر المنصرم ( قبل شهرين ) .

ولا أعلم حقيقة هل هذه هي اللجنة التي ستكون معنية بالإسكان ، أم إنها لجنة أخرى بمسئوليات عامة ، وغير متخصصة في شئون الإسكان ، ( يمكنكم مراجعة قسم منتدى النائب البرلماني التابع لمنتدى قرية الدير ) .

 

لا أستطيع فهم هذا التباطؤ ، إلا تقصيراً وتجاهلاً صارخاً لوعود العمل وسهر الليالي وما إلى ذلك ، فتشكيل اللجان والتي صارت هواية كل قرية ، هي أبسط من أبسط ما يكون ، ونحن كانت لدينا لجنة أهلية سابقة ، والمتقدمون لمثل هذه الأعمال هم معدودين على أصابع اليد ، والمسألة لا تستغرق لأي شخص مهتم يوم واحد ، بين اتصالات محدودة ، يتم فيها تسجيل أسماء الموافقين على الإندراج تحت مظلة هذه اللجنة ، وهي لا تحتاج إلى استشارات واستطلاعات ، فما هي إلا لجنة أهلية وهي غير معنية بأمور تخصصية أساساً .

 

لنكن واضحين ، فهذا الإهمال مرفوض من شخص صوتنا له ونال ثقتنا بامتياز ، أن يهمل العمل على حلحة موضوع هو الأهم لأبناء القرية ، حتى من ملف البطالة الذي تجاوزناه قليلاً بالإستعانة ببعض المسكنات والمهدئات ، لكننا لايمكننا السكوت عن تجاهل مسألة الإسكان ، فأكثر من ألف عائلة تنتظر الفرج ، والثقة كانت في النائب الديري ، بعد أن خيب ظننا النائب السماهيجي في جديته في التعامل مع المطالب الشعبية في البرلمان السابق .

 

أريد اليوم ونحن قد احتفلنا بمرور ثلاث سنوات على لقاء الملك والأرض المهداة أن أعرف إلى أين وصلنا في مشاريع الأرض المهداة ؟

قد أتفهم عدم مقدرة الشيخ الحصول على وحدات سكنية (منازل) أكثر من التي كانت أقرت في العام 2005 وهي لا تتجاوز الثمانين منزلاً ، ولكن ما لا أستطيع فهمه هو إنهاء طلبات الأراضي الإسكانية ، فأعتقد إنها ليست بمعجزة على النائب إن كانت هناك جدية متوافرة لحلحلتها أساساً .

أنا لحد الآن غير فاهم طبيعة عمل اللجنة التي أعلن عنها في ديسمبر الماضي ، وهل هي التي ستتابع ملف الإسكان أم لا ، لكن ما يهمني معرفة إلى أين وصلنا حقيقة ، حيث لا يكفي الإستجداء من الوزير الجديد للإسكان ، أو مطالبة الملك في الصحافة لشمل أهالي "سمادير" وإعطاءهم بعض البيوت في ديار المحرق ، فهذا العمل ليس عصياً على أحد ، والإستجداء أسلوبٌ لم يكن في يومٍ من الأيام ليحفظ ماء وجه أحد يا شيخنا .

 

أعرف جيداً إنه لو تم العمل على إنشاء تلك اللجنة الرباعية الأهلية ، ولو تم التواصل مع الوزير بن رجب ، لكنا الآن تخطينا شوطاً مهماً ، ومن يدري قد نكون حينها قد حصلنا على أمر ملكي بتكثير الوحدات السكنية المزمع بناءها ، أما أن تتحرك وزارة الإسكان على قرار سابق ، أعلن عنه العضو البلدي السابق حسين عيسى ، فليسمح لنا الشيخ ، بأن هذا ليس إنجازاً ، وإنما فشلاً ذريعاً ونحن ننتظر الأجوبة بخصوص ذلك .

 

لانريد ترديد كلمة الشيخ علي سلمان الشهيرة "كفرت بهذا المجلس" ، لنكفر نحن به ، ولانريد ترديد كلمة السيد حيدر الستري "مقولة التغيير من الداخل تتآكل" ،ولا نريد أن نصدق كلمة الشيخ الديري نفسه "إنجازنا في البرلمان صفر" ، كل ما نريده بعض التحركات التي تحفظ ماء الوجه للوفاق وللنائب ، فلازلنا نقف خلفكم وندعم تحركاتكم ، ولكن إن استمر الوضع هكذا ، فلتسمحوا لنا حينها ، عندما تكون الثقة قد زعزعت ، وحين لا يطبق 1% من الوعود التي أطلقت علينا في خيمكم الإنتخابية ، حينها فلتسمحوا لنا بسحب الغطاء الشعبي عنكم لأنكم لم تستحقونه .

 

بمودة تامة ، ومحبة مخلصة ، أدعوا لكم بالتوفيق من صميم قلبي ، وأتمنى أن لا تخذلوا هذا الشارع الذي ظل وفياً لكم لسنين طويلة ، أتمنى ذلك صدقاً ومن أعماق قلبي .

 


مذكرات رجل ثوري (4)

بعد الرجوع إلى الوطن ، أبو ثائر كاتباً صحفياً

 

فترة الميثاق كانت حقاً فترة مجنونة ، حولت الحمائم إلى صقور ، وأبرزت أشخاصاً لم يكن لهم دور تاريخي ، وجعلتهم في وجه الحدث (لازلت اذكر عبدالله هاشم وخطابه الناري في نادي العروبة عشية ذكرى مرور عام على الميثاق وكيف صفقت له الآلاف المحتشدة وكانت مستعدة لتتوجه رمزاً لأنه افتخر بالسلندرات وأبدى الإستعداد للرجوع لها ولحقبتها الأليمة) .

كانت الفترة ذهبية لمن لم يكن له دور في الإنتفاضة أن يكشر عن أنياب معارضته ، بل الأدهى من ذلك والأمر تحول شخصيات محسوبة على تيارات موالية في الحقبة الأمنية السيئة الصيت إلى رجالات معارضة وصقوراً على حسب التعبير السائد ، ليشكلوا متطرفي المعارضة لفترة من تاريخنا الحديث والمعاصر .

 

أبو ثائر صديقنا ، عاد إلى الوطن لكنه عاد خالي الوفاض بلا وظيفة ولا شهرة ولا إسم حتى يذكر في عالم السياسة التي طالما عشقها ، كانت حينها الساحة محتاجة إلى بعض الأقلام المعارضة للكتابة في الصحافة المحلية ، ولأن صديقنا أبو ثائر كان شاعراً وقادراً على الكتابة بأسلوب أدبي جميل ، ولأن متطلبات المرحلة كانت ستقبل به كاتب مقال ولأنه رجل دين أيضاً ، فقد استطاع أن يفتح له باب رزق عبر إحدى الصحف المحسوبة على السلطة والتي لعبت دوراً مقيتاً إبان الأحداث لا أحد ينساه .

 

بدأ أبو ثائر بالكتابة ، (يبدو الخطاب ملفتاً ، فلم نعتد أن نقرأ في الصحف نقداً للسلطة ولو إشارةً من بعيد ) تبدو الناس مصدومة من شدة الفرحة ، وكاد البعض أن يغمى عليهم من شدة الفرح ، فكيف لهذا الشخص أن يتسلل إلى الصحف الحكومية ويكتب فيها وهو رجل دين ومعارض وللتو أتى من المنفى .

 

يكتب أبو ثائر ويكتب ويكتب ، عن طموح هذا الشعب المتواضعة ، لكنه سرعان ما يختفي عن الأنظار لفترة من الزمن ، لنراه بعد ذلك في صحيفة جديدة انشئت للتو ، وهي محسوبة على المعارضة ، يبدأ في الكتابة فيها بسقف أعلى ، ويكتشف أخيراً ما يحتاج الناس قراءته (لغة الأرقام) ، وما أدراك ما لغة الأرقام ، تبدو مبهرة وتشد الناس لها .

 يبدأ بالكتابة بهذا الأسلوب بطريقة بدائية ، حيث التحليل السهل لأرقام معلنة ليس من الصعب الحصول عليها لأي صحفي مبتدئ حتى ، لكن الناس تنشد له أكثر لأن المشكلة في هذا الشعب إنه لا يقرأ كثيراً ، ولا يحاول أن يطلع على المعلومات الرسمية المنشورة من أجهزة الدولة ، ولكنه يعشق أن يقرأ مقالاً من 600 كلمة أعده رجل دين ثوري ذو تاريخ نظالي مشرف ، ذكر فيها الأرقام في سياق حديثه عن الفقر أو الإسكان أو الأوقاف أو الجامعيين العاطلين عن العمل .... الخ .

 

قلت لكم إن فترة الميثاق كانت ذهبية لمن يريد الظهور كنجم في عالم السياسة ، لذا سرعان ما تحول صديقنا أبو ثائر إلى رمز سياسي كبير لا يمكن حتى مقارنته ، وبدأت الناس تقرأ له بجنون ، كانت أحاديث الأصدقاء هي عن ما كتبه وما سيكتبه أبو ثائر ، كانت الناس تترقب الصحيفة الجديدة لقراءة مقالاته ، شيء مذهل حقاً ، والشيء المبعث للذهول أكثر من ذلك هو نشوء جماعات مقدسة ومنزهة ومحللة لخطاب أبو ثائر ، ليتحول أبو ثائر من رجل دين مغمور إلى كاتب مشهور يمدحه الجميع ، فهو يتكلم عن معاناتهم كثيراً ، ولا ينساهم أو يتناساهم .

 

بعد الشهرة الواسعة ، يقرر أخيراً أبو ثائر أن يصعد المنبر ، فيرتقيه متشدقاً بالأرقام ، ويخطب في الناس فاضحاً النظام ، تمتلئ المآتم عن بكرة أبيها ، المكان ضيق والأزقة المجاورة للمأتم مملوءة بالناس الجالسة ، وصوت المكبر الخاص للمأتم هو في أعلى درجاته ، حتى يسمع القاصي والداني هذا الخطاب الجريء .

 

في إحدى ليالي محرم الحرام حينما كنت متوجها حينها للمنامة في وقت مبكر جداً من المساء ، استوقفني جمع هائل عند مأتم العجم الكبير ، لا أعلم حقيقة التجمع لذا اقتربت ، ولما أن وصلت حتى شاهدت أبو ثائر يصغي لمعاناة الناس ، أحد الأشخاص يشرح له معاناته وأجره الزهيد ، وأبو ثائر يلتفت يميناً وشمالاً للجمهور حتى استوقفه وجهي فميزني وأعطاني شيئاً من الإحترام الذي لا أستحقه ، وبادرني بالسلام فرددت عليه السلام ، وعندما انتهى المواطن من سرد معاناته ، صافحت أبو ثائر وأبلغني سلاماً حاراً لوالدي والأهل عموماً ، وكذا أنا فعلت واستأذنته لأرحل ، فرحلت .

وأنا أسير على قدمي ، قلت في نفسي ، "من قدك يا أبو ثائر ، صرت مشهوراً والناس تحيطك أينما رحلت وحللت" ، لكنني في نفس الوقت لازلت متحفظاً وأحاول الإبتعاد عن النقاش حول شخصيته التي لمعت فجأةً ، فلازلت أعرف موقفه في الأيام الأخيرة في قم ، ولكن الجو العام جو مقدس رافض للنقاش فما بالك بالنقد ، ولا أنسى إنني من أول ما ظهر فيها أبو ثائر للعلن ، كنت من أشد منتقديه ومناقشي شخصيته خصوصاً مع المقدسين الذين كانوا دائماً ينهون نقاشاتهم معي بـ "إستغفر ربك ، إتقي الله" .

 

وصل أبو ثائر إلى أعلى قمم الشهرة ، فالندوات التي يحاضر بها كثيرة جداً ولا تعد ولا تحصى ، يبدو إنه وصل إلى مرحلة كان يستطيع فيها التأثير على شريحة واسعة من هذا المجتمع ، فيا ترى إلى أين سيصل صاحبنا أبو ثائر ؟؟؟

عودة علمانية مباركة (استراحة الجمعة)

حسين مرهون

أيها الأحبة ، القراء والمتابعين الأعزاء ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

في الحقيقة ومن دون لف ودوران ومن دون مقدمات ، لقد حشرت مؤخراً في زاوية ضيقة ، حيث بدأت بنشر سلسلة "مذكرات رجل ثوري" والتي وصلت للحلقة الثالثة على التوالي ، وقد كنت أخذت بملاحظة أحد الأصدقاء بضرورة التنويع في المدونة وعدم الإختصار على الأمور السياسية أو الأدبية أو أي شيء آخر ، لذا ومن هذا الباب ونظراً لوجود المستجدات الحياتية والمعيشية التي تهمني وأتأثر بها وأحب أن أفرغها كتابةً على هذه المدونة ، استحدثت "استراحة الجمعة" التي ستكون أسبوعية "في كل يوم جمعة" أتكلم فيها عن أي موضوع يهمني وأحب الزج فيه أو كتابته .

 

كنت قد أعددت سلفاً موضوعاً آخر لهذا اليوم ، إلا أن الطارئ الذي أجلها وأجل غيرها ، هي العودة الحميدة لأخونا "حسين مرهون" ، قد أختلف معه كما هو حال البشر الذين يختلفون فيما بينهم ، وخصوصاً في الأمور الفكرية والعقائدية ، لكنني بالتأكيد أبصم جازماً إن وجود مدون على مستوى "حسين مرهون"يشكل إضافة ملموسة وحقيقية لنا نحن المدونين البحرينين .

 

عن نفسي ، كنت من متابعين "مداس آية الله" مدونة حسين مرهون السابقة ، وفي تلك الأثناء لم أكن أفكر حتى في إنشاء مدونة خاصة بي ، وقد تكون الإنشغالات أحد الأسباب التي جعلتني أغض النظر عنها قبل عامين تقريباً ، لكنني لم أكن أغفل مدونة حسين مرهون ومواضيعه الشيقة ، ولا أخفيكم سراً إن قلت لكم إن كل مواضيع مدونة حسين مرهون ، قد قرأتها بالكامل .

 

كانت آخر تدوينة كتبها حسين مرهون في مدونته السابقة مؤرخة بتاريخ 15-7-2007 ، وقد توقف لمزاجيته المفرطة عن التدوين حينها ، وقد أعلن بتاريخ 26-9-2007 إنه سيتوقف عن التدوين حتى العودة بحلة جديدة ، ومنذ ذلك اليوم لم نرى له أثر ، وتم السؤال عنه مستمراً بين المدونين ، حتى عاد في 10-2-2008 ، بعد طول غياب ، وطول انتظار منا نحن المتابعين ، ولكن أوفى بوعدة حيث عاد لنا بحلة تدوينية جديدة ، ووعد (وأنا أشك في ذلك) بترك مزاجيته المفرطة في التدوين .

 

ما يميز حسين مرهون وهو صحفي لامع ، عن باقي الصحفيين الذين يمتلكون مدونات ، هو حبه في التدوين لا في الأرشفة ، فلو نظرنا إلى مدونة باسمة القصاب أو ابن الديري (أطال الله عمره الشريف) أو عادل الجمري لرأينا إنها لا تتعدى أرشفة المقالات والتقارير أو التحقيقات التي تنشر في الصحافة المحلية ، أو كما يقول أخينا الكسيف إن الصحفيين –عدا حسين مرهون- هم يعيدون نشر ما يكتبون حباً منهم في إضافة خانة جديدة في البزنس كارد الخاص بهم ههههه ، وقد استثنى الكسيف حسين مرهون ويبدو إنه تربطه به علاقة نسب نحن لا نعلم بها  .

 لكن حسين مرهون متفوق على زملاءه الصحفيين في هذا الجانب تحديداً ، حيث يدون مع إنه لا يغفل أرشفة بعض مقالاته ، وليس كلها ، وهذه ميزة حسين مرهون كصحفي ، كما وأن أسلوبه الكتابي الساخر والمميز يجعلنا جميعاً مشدودين إلى مدونته ، وهو لا يغفل المستجدات ، فيكتب عنها من صميم قلبه ، لذلك تدخل قلوبنا جميع كتاباته .

 

حسين مرهون ، رغم علمانيته ، لكن صدقوني هو مدون أكثر من ممتاز ، مدون نستفيد منه كثيراً ونتعلم منه كثيراً .

نحترمه جميعاً ، ونقول له أهلاً بعودتك من جديد إلى عالم التدوين ، ونستطيع القول بأن عودتك هي إضافة شيء مفيد جداً إلى عالمنا المدوناتي .

 

نتوق إلى جديدك يا ابن مرهون ، فلا تقصر وابتعد عن مزاجيتك اللعينه ...

 بانتظار جديد مداسك الشريف

 

مداس آية الله القديم

 

مداس آية الله الجديد


مذكرات رجل ثوري (3)

 لم يكن صبوراً

((قبل القراءة ، الكلام المدرج باللون الأحمر والمحصور بين الأقواس هو لأحد رجال الدين في جلسة ودية خاصة ومطولة)) .

 

"كان ثورياً بحق وكان مندفعاً بقوة ، يندفع إلى توجهاته ويخدم قناعاته بتوظيف شعره وأبياته  ، لكنه كان عجولاً ولايحب الإنتظار فأي خطوة يتم التوافق على تنفيذها كان مستعداً لسهر الليالي حتى يرتاح بعد تنفيذها"

 

الكلام هذا كان لأحد أصدقاءه من رجال الدين ، في حديث ودي عنه وعن أيامه ، فأبوثائر صاحبنا وصديقنا كانت هذه سلبيته ، حيث لا يحب الإنتظار أبداً وعجولٌ إلى أقصى سرعة  "كان يحب أن يرى نتائج الخطوات التصعيدية خلال أيام ، وكانت لديه في حوزته خطوات خطيرة دائماً ما كان يشور بها على الشيخ ، إلا أن الشيخ لم يكن ليتقبلها لضررها الوخيم وآثارها الخطيرة وما يمكن أن تترتب عليها من أمور قد يتأذى منها الشعب أمنياً وبشكل غير متصور ، رغم فائدتها الإعلامية الكبيرة"

 

هذا التطرف والعجلة التي كانت سلبيتاه اللتان حملهما معه حتى حين ، كانتا قد أثرتا عليه بشكل سلبي كبير ، فلم يكن كلامه حسب وجهة نظره مهماً ومؤثراً لدى القيادات العليا المتواجدين ، وكأنه "يؤذن في خربة" ، وهذا السبب كان كفيلاً لنقله من ضفة التفاؤل بالنصر ، إلى ضفة الخيبة واليأس والشعور بالخسارة الفادحة وعدم إمكانيته لتحقيق حلم الثورة الذي كان جزءً من عقيدته .

 

أخونا أبو ثائر استسلم مبكراً "نحن مكثنا 18 عاماً من دون أن نيأس ونرفع الرايات البيض ، أما هو فلم يمكث عشر سنوات متتالية واستسلم" .

وهذا هو خلاصة ما حدث من طارئ حقيقي على أبوثائر ، فقد علت نبرته معلنةً الحنين والحب للرجوع إلى أرض الوطن ، خصوصاً وإنه أصبح أباً فهو لايريد لإبنه أن يتربى بعيداً عن أهله ، أو أن يكون (كما انا مثلاً) شاباً لايملك ذكريات عن اللهو واللعب أيام طفولته وكأنما هو أنجب إلى الدنيا رجلاً لم يمر بمرحلة الطفولة أو يسمع عنها حتى .

 

حاول أبوثائر كثيراً في ثني الإخوة عن طريق استبدال الاستراتيجية بأخرى أقل خشونة ، وأكثر لطافة وبكلمات تفتح الأذرع عملاً بالظروف والأحكام المستجدة ، وفي ليلة وضحاها قام يتحدث عن يأس الشعب وعن عدم مقدرته على تحمل المزيد ، وضرورة استحداث مبادرة تنقلنا من حالٍ إلى آخر ، لكن المشكلة كانت تكمن فيه فهو لم يكن لديه الخبرة السياسية الكافية حتى يستوعب ما يقول ، وكان كل ما يقوله نظريات غير قابلة للتطبيق . " بدأ أبو ثائر بتقديم بعض الإقتراحات التي بينت لنا استسلامه وعدم رغبته في البقاء في صفوفنا ، ولكنه لم يرد مفارقتنا ففي الغربة هو لايملك غيرنا لذا قام بتقديم نظريات سياسية غير قابلة للتطبيق مع نظامٍ درسناه جيداً ونعرف خطواته وأطباعه وطريقة تفكيره ، ونحن نتعامل مع هذا النظام منذ الستينات ولسنا طارئين أو مستجدين في العمل السياسي" .

أبو ثائر بدأ بالتأخر عن الركب شيئاً فشيئاً ، حتى بدى مخالفاً لهم في كثير من الأحيان ، التطرف يخف شيئاً وشيئاً ، والثورية يقوم بتسميتها بالمراهقة السياسية ويدعي إنه اليوم ذو بصيرة وعقل .

" البعض منا حين رأي تغيرات أبو ثائر في السنين الأخيرة في قم ، استبشر قائلاً : (إن أبو ثائر بدأ أخيراً في الابتعاد عن العواطف التي تحركه والتي تأتينا بالآراء المتطرفة ، وهذا التغير سينقله إلى الجهة الأكثر اعتدالاً حيث سيكون النقاش معه مثمراً وقد يكون من المقربين من الشيخ) ، لكننا البعض الآخر الذين كنت أنا منهم كنا نعتقد بأن أبو ثائر قد استسلم ولم يعد في مقدوره مواصلة العمل ، لذا دعونا أصحاب الرأي السابق إلى التريث والنظر قليلاً في أفعاله وردات فعله حتى بدأنا نكتشف شيئاً جديداً " .

 

فعلاً لقد تغير أبو ثائر ، وليته تغير لينتقل إلى الجانب المعتدل في المعارضة المتكونة من مجموعة من رجال الدين في قم ، إلا أن الميثاق أظهر شيئاً مخالفاً ، "كان الميثاق هو الفيصل في الجهة التي يريد أبو ثائر الإنتقال إليها ، حيث الشيخ أخذ قراره في عدم التصويت على الميثاق ونحن بطبيعة الحال امتثلنا لقراره ، لكن أبو ثائر فلم يكن ليكترث بكلام الشيخ الذي طالما كان يقدسه بشكل أعمى ، وقد اصطحب زوجته معه إلى السفارة البحرينية في طهران وصوت على الميثاق ، وهذا الشيء ليس سراً بل هو يفتخر فيه على الدوام في محافل عامة " .

 

هنا بدت عليه علامات الخروج عن خط المعارضة ، إلا أن طبيعة العلماء جعلت الأمر وكأن شيئاً لم يكن ، فليس من صفاتهم التشهير بالآخرين ، وإنما السكوت والهدوء هي صفتهم الملتصقة بهم أينما رحلوا وأينما حلوا أو كما يقول أحد الأصدقاء إن رجال الدين يجيدون التستر على جماعتهم .

 صوت أبو ثائر برفقة زوجته في السفارة البحرينية في طهران بنعم للميثاق ، ورجع إلى البحرين سالماً غانماً ، لكن ماذا كان يفعل في البحرين ، هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة .

ش

مذكرات رجل ثوري (2)

أبو ثائر في إيران

 
"وأخيراً وصلت" ، كانت هذه أول كلمة تفوه بها عند دخوله إلى مدينة قم ، شاب أعزب ، طموح شغوف بالسياسة كاره للنظام السياسي الذي يدير البلد ، محب للعلماء ومنقاد للشيخ بطريقة خيالية غير متصورة .

يحاول البحث عن أحد يدله على شخص من الجالية البحرينية في قم ، يفلح أخيراً في الوصول إلى أحدهم ، يشرح له إنه مستجد يطمح في الدراسة الحوزوية فيطلب منه التمهل حتى حين ، ويأخذ عنوانه والفندق الذي يقطنه ويعده بالتواصل معه في أقرب فرصة .

يذهب الرجل الذي التقى بأبو ثائر ليعلم المشايخ المتواجدين هناك ويزودهم بالإسم والمنطقة ، وتبدأ الإتصالات المكوكية بالبحرين للتعرف على حقيقة أبو ثائر ، فقد يكون مدسوساً من النظام كغيره ممن سبقوه ، يكشف المشايخ هناك بأنه شخص محسوب "على الجماعة" فيوافقون على تسيير أموره ولكن بحذر ، فالحذر مطلوب في كل شيء ، والثقة للتو ابتدأت تتكون والعلاقات غير متينة .

يحاول أبو الثائر الإلتقاء بالشيخ ، حتى يفلح في ملاقاته فينكب عليه مقبل جبينه ويحتضنه احتضان العاشق لمعشوقه . الشيخ كعادته مبتسم يرحب فيه ويهلل ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا أبو ثائر بين إخوانك .

يشعر أبو ثائر بتواضع الشيخ فيقابله بردود مجاملاتية بروتوكولية متعارفٌ عليها في مثل هذه اللقاءات .

يبدأ أبو ثائر سريعاً في الإندماج ، ولكنه لازال غير محسوب على الدائرة الضيقة المحاطة بالشيخ ، فهذه الدائرة الضيقة لم تتكون من فراغ بل أتت من وفاء وإخلاص دام سنوات للشيخ ولخطه الديني والعقائدي والفكري ، ويتطلب منك الوصول إلى مرحلة في الدراسة الحوزوية تؤهلك لخوض هذه التجربة ، لتكون أحد المستشارين "إن صح التعبير" للشيخ في مختلف الشئون الهامة والمصيرية .

كل ما يلتقي أبو ثائر بالشيخ ، يزداد تعلقاً وتقديساً ، فالشيخ نهايةً رجل ثوري وأدبياته الثورية تلهم أمثال أبو ثائر ، مما يحدو به إلى التشدق بولاية الفقيه ، حتى يصل "أبو ثائر" إلى قناعة ، إنه لا حل في البحرين إلا من خلال تطبيق نظرية ولاية الفقيه والحكم الإسلامي .

يتابع بشغف خطابات السيد علي الخامنئي (مرشد الجمهورية الإسلامية) ، حيث يسمى بالسيد القائد احتراماً وإجلالاً ونظراً لأنه الولي الفقيه ، يتطلع إلى خطبه الرنانة ، خصوصاً في إذاعة إيران حيث تترجم خطبه بالعربية ، يرى فيها روح المقاومة والممانعة ، وكيف لهذا السيد أن يهز أمريكا بكلمات معدودة ويحدث لها حالة طوارئ .

يزداد اقتناعاً بأن نظرية ولاية الفقيه هي الخيار الصحيح لبلد البحرين المسلم والمسالم .

تنتهي سنة أبو ثائر الأولى هكذا ، ويقرر بعدها الرجوع إلى البحرين لإكمال نصف دينه ، فيرجع البحرين ويدخل التحقيق ويخرج منه ، فيتزوج ويترك البحرين وهي على أبواب  اشتعال فتيل الأزمة .

الوضع مشحون هناك ،الناس مصرة هذه المرة لرفع مطالبها بصورة مغايرة ومستعدة لإحتجاجات مفتوحة غير محددة التاريخ في الإبتداء والإنتهاء .

الشعب مصر على عودة الحياة النيابية ، يرى أبو ثائر إن تواجده في البحرين غير صحيح ، يتزوج ويعود بأدراجه إلى قم ، ويواصل الدراسة ، ويشتعل فتيل الأزمة ، فتتأزم الأوضاع ، يتابع الأخبار أبو ثائر باهتمام بالغ ، يحاول فرض شخصيته في أماكن مهمة للإتصال بالعالم الخارجي ، تعطى له بعض المهام ، يكثر في القراءة والإطلاع على التقارير المختلفة ، وكلما حصل على تقرير جديد ازداد كرهه للنظام وحبه للقيام بعمل بطولي "على غرار جيمس بوند" لينهي المسألة ويريح العالم .

يبدأ بمحاولة زج مقترحاته المتطرفة لدى الشيخ ، فقد يحصل منها على بطاقة عضوية في الحلقة الضيقة المحيطة به ، فلم يفلح بذلك ولم يكن يعرف بأن الشيخ لا يحب المتطرفين ويقرب المعتدلين والمتعقلين .

يشارك في الفعاليات المختلفة ، فينظم الشعر الذي يبدأ بالتحية والإجلال لشيخ المناظلين والشهداء ، وينتهي بالذم والسب والنيل من رؤس الحكم الفاسدين .

لا يتوانى في إظهار تطرفه ، ويفتخر بحبه وشغفه للسياسة ، فحتى مكتبته الخاصة في منزله ترى كتب السياسة فيها متواجده في أماكن مرموقة ، كمطالعة الدكتور سعيد الشهابي على الوثائق البريطانية ، وككتاب الرميحي عن البحرين ، وغيره من الكتب .

وصل أبو ثائر إلى درجة جنونية في التطرف ، أعمت عينيه من المختلفين معه ، وحتى إخوته في النظال صار يعيب عليهم اعتدالهم ويعتبره سكوت وذل وخنوع وخضوع ، وبدأ باستنهاضهم لكن دون جدوى ، حتى وصل الأمر بإخوانه من طلبة العلوم الدينية إلى الإبتعاد عنه وتحاشي النقاش معه .

مذكرات رجل ثوري (1)

1- حلم الثورة في البحرين

السلام عليكم أيها القراء والأحبة المتابعين وأود إخباركم بسلسلة أعددتها مسبقاً عن "أبو ثائر" بطل قصتنا هذه ، ونحكي فيه حياته والمستجدات الطارئة التي حصلت له ، متمنياً منكم الإستمتاع بقراءة السلسلة التي ستحوي على أجزاء متتابعة ، وسعيداً بها إن حازت على إعجابكم .

أبو ثائر رسام مبتدئ وشاعر مبتدئ أيضاً ، نشأ وترعرع في أزقة أحد أحياء قرى البحرين الفقيرة والمحرومة والمهملة ، حالته المادية ضعيفة جداً وعائلته لا تملك شيئاً سوى بيت الوالد القديم المتهالك .

أبو ثائر أحب هذه الكنية كثيراً ، فهو يعشق الثورة ويحب النظال ، ويرى في زوال السلطة الحاكمة الطريق الوحيد لتحقيق الاحلام وبداية لوضع لبنات الحكم الرشيد والديمقراطي الذي يحترم الشعب وخياراته السياسية .

يقوم أبو ثائر بممارسة هواياته السياسية ، من خلال المشاركة في العزاء الحسيني ، والمظاهرات الشعبية والندوات والفعاليات ، ولا يترك أمراً إلا وكان يسجل فيه حضوره ، فهو يرى في ذلك واجباً وطنياً لايمكنه إغفاله .

تاثر أبو ثائر بانتصار الثورة الإسلامية ، وانشد إلى نظرية ولاية الفقيه وقام بالتنظير لها على مستوى فهمه الشخصي ، وبعد ذلك قام باستخدام أدبيات ومفردات الثورة بقوة ، حيث إنه يرى في الثورة حلمه الضائع الذي إن تحقق ، تحققت على يديه الإصلاحات وخلص الوطن من الغزاة والدخلاء حسب قاموسه الشخصي الذي كان يستخدم هذه المفردات والأدبيات بكثرة .

 

أبو ثائر دفع ثمن مواقفه العنيفة والمتطرفة ، فتعرض للمضايقات الأمنية وتعرض بعض أهله وأصدقائه للتوقيف والتعذيب ، مما زاد من موقفه صلابة وتطرفاً ، حتى ألقي القبض عليه ومورست في جسده بعض من أنواع التعذيب ، كما لم تغفل الأجهزة الأمنية ممارسة التعذيب النفسي معه ومع غيره ، لكنه خرج من السجن رافعاً رأسه ، مفتخراً لما تعرض له من امتحان .

فكر أبو ثائر قليلاً فيما يحدث ، بدت عليه علامات اليأس والإحباط ، فحلم الثورة هذا لم يتحقق بهذه السهولة ، ووجوده في الوطن يعني له الكثير من المضايقات وربما إعادة اعتقاله ، وفكره لا يستطيع تسويقه حيث يريد ، لذا فكر ملياً في خياراته وقرر واختار الهجرة إلى قم ، حيث سيكون طالباً للعلم وبعدها رجل دين قادر على تحريك الساحة كقائد أو شخص مؤثر .

حزم أمتعته وجمع ما تيسر له مما سيعينه على مشقة وعناء الغربة ، وتوجه إلى إيران بطريقته الملتوية من دولة إلى أخرى ، ليصل أخيراً للمدينة الذي أراد ، وليبدأ بتحقيق الشيء البسيط من متطلبات المرحلة ، حيث الدراسة والعمامة وبعدها قيادة الساحة والتأثير في القرار السياسي .

المعاودة في نسخته الشيعية


لقراءة ماهو موجود في الصورة أعلاه بشكل أوضح إضغط هنا

تستوقفني بعض الأخبار في الصحافة المحلية نظراً لأهميتها القصوى أو للكم المعلوماتي الذي يندرج تحت مظلتها ، لكن هناك أخبار ليس الوقوف عليها هو نهاية المطاف عندي ، بل أقوم بإنزالها على القرص الصلب لجهازي المحمول ، وأحتفظ بها في الإرشيف لوقت اللزوم .

بعض الأخبار لا يمكنك فقط الإحتفاظ بها ، لكن عليك أن تبين رأيك فيها ، فهي من المحتمل أن تثير جدلاً مستمراً وقد تؤثر على الرأي العام بشكل ملحوظ ، أما البعض الآخر منها فقد تستطيع تجميعه واستخلاص بعض الأمور منه ، حيث تكتشف من تقلب الآراء والتصريحات تغيير اتجاه بوصلة بعض الأطراف السياسية المحسوبة على المعارضة أو السلطة .

 

هذا ما لحظته في التصريح المضحك والمبكي للنائب البرلماني السلفي عادل المعاودة .

عادل المعاودة من وجهة نظري الخاصة أعتبره أفضل من غيره وإنه من النواب الذين يتوقفون أحياناً لاتخاذ المواقف الجريئة ، لكن سرعان ما ينقلب على عقبيه ، فبعد أن تصله التعليمات أو التهديدات تراه يبتعد عن قناعته الشخصية ليقف ضدها، فهو في النهاية عبد مأمور ، ولست هنا بمحلل لشخصيته فهذا أمر ، ومواقفه التي لاتخرج من الإطار العام لجمعية الأصالة المحسوبة على السلطة أمر آخر .

 

جميع من يتابع الصحف بدقة وخصوصاً الأخبار والبيانات التي يشم من ورائها الفتن الطائفية ، يدرك حجم المشروع الفتنوي الذي دخل فيه هؤلاء ، أي إن مسألة تغيير آرائهم باتت ضرباً من الخيال والجنون ، فمن روج للمشروع الصهيو-صفوي ومن تحدث عن إيران الصفوية وأطماعها في البحرين ومن أذاع كذبة أراضي المحرق ، لم يكن يقف بعيداً عن الأصالة والمنبر تحديداً ، ولم تكن هاتين الجمعيتين يخفون عدائهم وكرههم لإيران ، في مسلسل طويل يمتد تاريخه ابتداءً من انتصار الثورة في 79 ، وبداية تأسيس حركة الإخوان المسلمين (المدعومة من الحكومة آنذاك) لضرب الجبهة الشعبية المحسوبة على التيارات اليسارية التحررية ، وما إن تسير في التاريخ حتى ستكتشف الكثير والكثير من هذه الأمور .

 

ما أريد قوله ، هو إن المنبر والأصالة وصلوا إلى منحدرٍ شديد إن واصلوا فيه مهازلهم وبهلوانياتهم ، فسيكونون في آخر الركب ، ولم يعرهم أحد هذا الإهتمام ، فعندما زار نجاد البحرين لم يكن لي أن أتصور حجم الحفاوة والترحيب المبالغ فيه بالرئيس الإيراني من قِبَل رأس السلطة في هذا البلد ، مما أعطى إشارةً إلى أنه من الضروري فتح قنوات التعاون المشترك بين البلدين ، ولا أخفيكم إنه لم يفعل هذا الأمر حباً في إيران وإنما انقياداً للمصالح التي سيكسبها من هذه البلدة ، ناهيك عن أن إيران أصبحت قوة عظمى في المنطقة لايمكن تجاهلها ، ومن الحماقة الدخول في عداءٍ معها.

 

إشارة الملك هذه ، سببت ضجة في داخل جمعيتي الإخوان والسلف ، ويبدو لي إنهم كانوا في حالة طوارئ ، وبعد النقاشات الجادة ما بينهم ووصول الأوامر لهم بتغيير لغتهم مع الجمهورية الإسلامية ، وبعدما عرفوا عن اتفاقية الغاز التي سيعمل بها في 2010 وعرفوا استحالة الوقوف بوجه النظام الإيراني حينها (تذكروا مشكلة روسيا وأوكرانيا قبل فترة) ، اتخذوا قرارهم بالإستدارة 180 درجة وأعطوا الأوامر لأذيالهم الصغيرة في هنا وهناك إلى تغيير الإستراتيجية أيضاً .

 

أما جمهورهم فلا زال متفاجئاً من خطبة الجمعة التي تلت زيارة نجاد والتي ندد فيها رئيس المنبر بالولايات المتحدة وحروبها العبثية وقام فجأةً بكيل كلمات المديح والثناء للجمهورية الإسلامية ولنجاد ، ليرحب به بطريقته الخاصة التي استطاع أن يؤدي فيها دوره نتيجة التعليمات التي وصلته .

 

من كل هذه التحولات ، نستنتج كيفية تحول الجمعيات الموالية من الخندق المعادي لإيران إلى الخندق المرحب لها والذي يطالب دائماً بفتح الحوار وتبادل الزيارات وما إلى ذلك ، وجمهورهم الذي لازال في صدمه إحدى مشكلاته هو التبعية لرجال الدين حتى لو كانت قراراتهم الإستراتيجية تتغير بين عشيةٍ وضحاها ، فلا أحد سيسأل السلف ولا أحد سيسأل الإخوان عن الحب الكبير الذي ظهر فجاةً لنجاد بعدما كان مؤسساً للمشروع الصهيو-صفوي كما يقولون ويذيعون .

 

المضحك المبكي الذي أنا تفاجأت به ، هو التصريح الأخير لعادل المعاودة رئيس لجنة الخارجية والدفاع والأمن الوطني ، إثر لقاءه بالمتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيراني محمد الحسيني والوفد الإعلامي المرافق له ، وكل ما واصلت القراءة تعالت مني أصوات الضحك التهكمية ، حتى إني وصلت لمرحلة انصدمت فيها حقيقةً ، فقبل أيام صرح الشيخ حسين نجاتي للوسط في مقابلة خاصة ، إن الشيعة في البحرين ليس لديهم مشروع ولاية فقيه أو دولة إسلامية ، وإنما يكفيهم الحصول على الحق والعدالة على غرار الديمقراطية الأمريكية أو البريطانية ، ولا يفكرون في النموذج الإيراني إطلاقاً (نظراً لأن النموذج يحوي فكرة ولاية الفقيه) ، وهذا الكلام أعتقد بأنه مطمئن للسنة في البحرين ، لكن المضحك إن عادل المعاودة رد على النجاتي في إجتماع لجنته الأخير مع الوفد الإيراني بالقول ، إن المشروع الإيراني هو أقرب للإسلام .......... الخ ، من المشروع الأمريكي والبريطاني ، وبدأ بكيل المديح والدفاع عن المفاعل النووي السلمي الإيراني ، وبدا أكثر تطرفاً في تصريحه من الإيرانيين أنفسهم حينما دعا إيران تلميحاً للتسلح حتى بالأسلحة المحظورة والنووية ، لأن المسألة هي بين الإسلام وإسرائيل .

 

قرأت الخبر مصدوماً ومدهوشاً ، فالمعاودة عندما يقابل الإيرانيين يظهر صورته الشيعية التي لا علم لنا بها ، ولكن عندما يرجع إلى أبناء وطنه من الشيعة في البرلمان فإنه يصبح الأكثر تطرفاً في الدفاع عن المشاريع الطائفية والمؤامرات المستمرة على الشيعة كتقرير البندر وغيره .

سرحت كثيراً بعد أن قرأت الخبر هذا ولكني في النهاية بعد أن عدت إلى رشدي قليلاً ، فكرت ملياً وكثيراً ولم أجد إلا الأجوبة السلبية في وجه هذا السؤال الذي كان كالآتي .

ماذا لو كان كلام المعاودة صادر من أحد نواب الوفاق يا ترى ماهي ردة الفعل التي ستصدر من بعض نواب الفتنة وبعض أطراف السلطة ؟




<<الصفحة الرئيسية