أبو ثائر في إيران
"وأخيراً وصلت" ، كانت هذه أول كلمة تفوه بها
عند دخوله إلى مدينة قم ، شاب أعزب ، طموح شغوف بالسياسة كاره للنظام السياسي الذي
يدير البلد ، محب للعلماء ومنقاد للشيخ بطريقة خيالية غير متصورة .
يحاول البحث عن أحد يدله على شخص من الجالية البحرينية في قم ، يفلح أخيراً في الوصول إلى أحدهم ، يشرح له إنه مستجد يطمح في الدراسة الحوزوية فيطلب منه التمهل حتى حين ، ويأخذ عنوانه والفندق الذي يقطنه ويعده بالتواصل معه في أقرب فرصة .
يذهب الرجل الذي التقى بأبو ثائر ليعلم المشايخ المتواجدين هناك ويزودهم بالإسم والمنطقة ، وتبدأ الإتصالات المكوكية بالبحرين للتعرف على حقيقة أبو ثائر ، فقد يكون مدسوساً من النظام كغيره ممن سبقوه ، يكشف المشايخ هناك بأنه شخص محسوب "على الجماعة" فيوافقون على تسيير أموره ولكن بحذر ، فالحذر مطلوب في كل شيء ، والثقة للتو ابتدأت تتكون والعلاقات غير متينة .
يحاول أبو الثائر الإلتقاء بالشيخ ، حتى يفلح في ملاقاته فينكب عليه مقبل جبينه ويحتضنه احتضان العاشق لمعشوقه . الشيخ كعادته مبتسم يرحب فيه ويهلل ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا أبو ثائر بين إخوانك .
يشعر أبو ثائر بتواضع الشيخ فيقابله بردود مجاملاتية بروتوكولية متعارفٌ عليها في مثل هذه اللقاءات .
يبدأ أبو ثائر سريعاً في الإندماج ، ولكنه لازال غير محسوب على الدائرة الضيقة المحاطة بالشيخ ، فهذه الدائرة الضيقة لم تتكون من فراغ بل أتت من وفاء وإخلاص دام سنوات للشيخ ولخطه الديني والعقائدي والفكري ، ويتطلب منك الوصول إلى مرحلة في الدراسة الحوزوية تؤهلك لخوض هذه التجربة ، لتكون أحد المستشارين "إن صح التعبير" للشيخ في مختلف الشئون الهامة والمصيرية .
كل ما يلتقي أبو ثائر بالشيخ ، يزداد تعلقاً وتقديساً ، فالشيخ نهايةً رجل ثوري وأدبياته الثورية تلهم أمثال أبو ثائر ، مما يحدو به إلى التشدق بولاية الفقيه ، حتى يصل "أبو ثائر" إلى قناعة ، إنه لا حل في البحرين إلا من خلال تطبيق نظرية ولاية الفقيه والحكم الإسلامي .
يتابع بشغف خطابات السيد علي الخامنئي (مرشد الجمهورية الإسلامية) ، حيث يسمى بالسيد القائد احتراماً وإجلالاً ونظراً لأنه الولي الفقيه ، يتطلع إلى خطبه الرنانة ، خصوصاً في إذاعة إيران حيث تترجم خطبه بالعربية ، يرى فيها روح المقاومة والممانعة ، وكيف لهذا السيد أن يهز أمريكا بكلمات معدودة ويحدث لها حالة طوارئ .
يزداد اقتناعاً بأن نظرية ولاية الفقيه هي الخيار الصحيح لبلد البحرين المسلم والمسالم .
تنتهي سنة أبو ثائر الأولى هكذا ، ويقرر بعدها الرجوع إلى البحرين لإكمال نصف دينه ، فيرجع البحرين ويدخل التحقيق ويخرج منه ، فيتزوج ويترك البحرين وهي على أبواب اشتعال فتيل الأزمة .
الوضع مشحون هناك ،الناس مصرة هذه المرة لرفع مطالبها بصورة مغايرة ومستعدة لإحتجاجات مفتوحة غير محددة التاريخ في الإبتداء والإنتهاء .
الشعب مصر على عودة الحياة النيابية ، يرى أبو ثائر إن تواجده في البحرين غير صحيح ، يتزوج ويعود بأدراجه إلى قم ، ويواصل الدراسة ، ويشتعل فتيل الأزمة ، فتتأزم الأوضاع ، يتابع الأخبار أبو ثائر باهتمام بالغ ، يحاول فرض شخصيته في أماكن مهمة للإتصال بالعالم الخارجي ، تعطى له بعض المهام ، يكثر في القراءة والإطلاع على التقارير المختلفة ، وكلما حصل على تقرير جديد ازداد كرهه للنظام وحبه للقيام بعمل بطولي "على غرار جيمس بوند" لينهي المسألة ويريح العالم .
يبدأ بمحاولة زج مقترحاته المتطرفة لدى الشيخ ، فقد يحصل منها على بطاقة عضوية في الحلقة الضيقة المحيطة به ، فلم يفلح بذلك ولم يكن يعرف بأن الشيخ لا يحب المتطرفين ويقرب المعتدلين والمتعقلين .
يشارك في الفعاليات المختلفة ، فينظم الشعر الذي يبدأ بالتحية والإجلال لشيخ المناظلين والشهداء ، وينتهي بالذم والسب والنيل من رؤس الحكم الفاسدين .
لا يتوانى في إظهار تطرفه ، ويفتخر بحبه وشغفه للسياسة ، فحتى مكتبته الخاصة في منزله ترى كتب السياسة فيها متواجده في أماكن مرموقة ، كمطالعة الدكتور سعيد الشهابي على الوثائق البريطانية ، وككتاب الرميحي عن البحرين ، وغيره من الكتب .
وصل أبو ثائر إلى درجة جنونية في التطرف ، أعمت عينيه من المختلفين معه ، وحتى إخوته في النظال صار يعيب عليهم اعتدالهم ويعتبره سكوت وذل وخنوع وخضوع ، وبدأ باستنهاضهم لكن دون جدوى ، حتى وصل الأمر بإخوانه من طلبة العلوم الدينية إلى الإبتعاد عنه وتحاشي النقاش معه .













11 فبراير, 2008 12:59 ص