لم يكن صبوراً
((قبل القراءة ، الكلام المدرج باللون الأحمر والمحصور بين الأقواس هو لأحد رجال الدين في جلسة ودية خاصة ومطولة)) .
"كان ثورياً بحق وكان مندفعاً بقوة ، يندفع إلى توجهاته ويخدم قناعاته بتوظيف شعره وأبياته ، لكنه كان عجولاً ولايحب الإنتظار فأي خطوة يتم التوافق على تنفيذها كان مستعداً لسهر الليالي حتى يرتاح بعد تنفيذها"
الكلام هذا كان لأحد أصدقاءه من رجال الدين ، في حديث ودي عنه وعن أيامه ، فأبوثائر صاحبنا وصديقنا كانت هذه سلبيته ، حيث لا يحب الإنتظار أبداً وعجولٌ إلى أقصى سرعة "كان يحب أن يرى نتائج الخطوات التصعيدية خلال أيام ، وكانت لديه في حوزته خطوات خطيرة دائماً ما كان يشور بها على الشيخ ، إلا أن الشيخ لم يكن ليتقبلها لضررها الوخيم وآثارها الخطيرة وما يمكن أن تترتب عليها من أمور قد يتأذى منها الشعب أمنياً وبشكل غير متصور ، رغم فائدتها الإعلامية الكبيرة"
هذا التطرف والعجلة التي كانت سلبيتاه اللتان حملهما معه حتى حين ، كانتا قد أثرتا عليه بشكل سلبي كبير ، فلم يكن كلامه حسب وجهة نظره مهماً ومؤثراً لدى القيادات العليا المتواجدين ، وكأنه "يؤذن في خربة" ، وهذا السبب كان كفيلاً لنقله من ضفة التفاؤل بالنصر ، إلى ضفة الخيبة واليأس والشعور بالخسارة الفادحة وعدم إمكانيته لتحقيق حلم الثورة الذي كان جزءً من عقيدته .
أخونا أبو ثائر استسلم مبكراً "نحن مكثنا 18 عاماً من دون أن نيأس ونرفع الرايات البيض ، أما هو فلم يمكث عشر سنوات متتالية واستسلم" .
وهذا هو خلاصة ما حدث من طارئ حقيقي على أبوثائر ، فقد علت نبرته معلنةً الحنين والحب للرجوع إلى أرض الوطن ، خصوصاً وإنه أصبح أباً فهو لايريد لإبنه أن يتربى بعيداً عن أهله ، أو أن يكون (كما انا مثلاً) شاباً لايملك ذكريات عن اللهو واللعب أيام طفولته وكأنما هو أنجب إلى الدنيا رجلاً لم يمر بمرحلة الطفولة أو يسمع عنها حتى .
حاول أبوثائر كثيراً في ثني الإخوة عن طريق استبدال الاستراتيجية بأخرى أقل خشونة ، وأكثر لطافة وبكلمات تفتح الأذرع عملاً بالظروف والأحكام المستجدة ، وفي ليلة وضحاها قام يتحدث عن يأس الشعب وعن عدم مقدرته على تحمل المزيد ، وضرورة استحداث مبادرة تنقلنا من حالٍ إلى آخر ، لكن المشكلة كانت تكمن فيه فهو لم يكن لديه الخبرة السياسية الكافية حتى يستوعب ما يقول ، وكان كل ما يقوله نظريات غير قابلة للتطبيق . " بدأ أبو ثائر بتقديم بعض الإقتراحات التي بينت لنا استسلامه وعدم رغبته في البقاء في صفوفنا ، ولكنه لم يرد مفارقتنا ففي الغربة هو لايملك غيرنا لذا قام بتقديم نظريات سياسية غير قابلة للتطبيق مع نظامٍ درسناه جيداً ونعرف خطواته وأطباعه وطريقة تفكيره ، ونحن نتعامل مع هذا النظام منذ الستينات ولسنا طارئين أو مستجدين في العمل السياسي" .
أبو ثائر بدأ بالتأخر عن الركب شيئاً فشيئاً ، حتى بدى مخالفاً لهم في كثير من الأحيان ، التطرف يخف شيئاً وشيئاً ، والثورية يقوم بتسميتها بالمراهقة السياسية ويدعي إنه اليوم ذو بصيرة وعقل .
" البعض منا حين رأي تغيرات أبو ثائر في السنين الأخيرة في قم ، استبشر قائلاً : (إن أبو ثائر بدأ أخيراً في الابتعاد عن العواطف التي تحركه والتي تأتينا بالآراء المتطرفة ، وهذا التغير سينقله إلى الجهة الأكثر اعتدالاً حيث سيكون النقاش معه مثمراً وقد يكون من المقربين من الشيخ) ، لكننا البعض الآخر الذين كنت أنا منهم كنا نعتقد بأن أبو ثائر قد استسلم ولم يعد في مقدوره مواصلة العمل ، لذا دعونا أصحاب الرأي السابق إلى التريث والنظر قليلاً في أفعاله وردات فعله حتى بدأنا نكتشف شيئاً جديداً " .
فعلاً لقد تغير أبو ثائر ، وليته تغير لينتقل إلى الجانب المعتدل في المعارضة المتكونة من مجموعة من رجال الدين في قم ، إلا أن الميثاق أظهر شيئاً مخالفاً ، "كان الميثاق هو الفيصل في الجهة التي يريد أبو ثائر الإنتقال إليها ، حيث الشيخ أخذ قراره في عدم التصويت على الميثاق ونحن بطبيعة الحال امتثلنا لقراره ، لكن أبو ثائر فلم يكن ليكترث بكلام الشيخ الذي طالما كان يقدسه بشكل أعمى ، وقد اصطحب زوجته معه إلى السفارة البحرينية في طهران وصوت على الميثاق ، وهذا الشيء ليس سراً بل هو يفتخر فيه على الدوام في محافل عامة " .
هنا بدت عليه علامات الخروج عن خط المعارضة ، إلا أن طبيعة العلماء جعلت الأمر وكأن شيئاً لم يكن ، فليس من صفاتهم التشهير بالآخرين ، وإنما السكوت والهدوء هي صفتهم الملتصقة بهم أينما رحلوا وأينما حلوا أو كما يقول أحد الأصدقاء إن رجال الدين يجيدون التستر على جماعتهم .
صوت أبو ثائر برفقة زوجته في السفارة البحرينية في طهران بنعم للميثاق ، ورجع إلى البحرين سالماً غانماً ، لكن ماذا كان يفعل في البحرين ، هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة .
ش














14 فبراير, 2008 06:58 م