بعد الرجوع إلى الوطن ، أبو ثائر كاتباً صحفياً
فترة الميثاق كانت حقاً فترة مجنونة ، حولت الحمائم إلى صقور ، وأبرزت أشخاصاً لم يكن لهم دور تاريخي ، وجعلتهم في وجه الحدث (لازلت اذكر عبدالله هاشم وخطابه الناري في نادي العروبة عشية ذكرى مرور عام على الميثاق وكيف صفقت له الآلاف المحتشدة وكانت مستعدة لتتوجه رمزاً لأنه افتخر بالسلندرات وأبدى الإستعداد للرجوع لها ولحقبتها الأليمة) .
كانت الفترة ذهبية لمن لم يكن له دور في الإنتفاضة أن يكشر عن أنياب معارضته ، بل الأدهى من ذلك والأمر تحول شخصيات محسوبة على تيارات موالية في الحقبة الأمنية السيئة الصيت إلى رجالات معارضة وصقوراً على حسب التعبير السائد ، ليشكلوا متطرفي المعارضة لفترة من تاريخنا الحديث والمعاصر .
أبو ثائر صديقنا ، عاد إلى الوطن لكنه عاد خالي الوفاض بلا وظيفة ولا شهرة ولا إسم حتى يذكر في عالم السياسة التي طالما عشقها ، كانت حينها الساحة محتاجة إلى بعض الأقلام المعارضة للكتابة في الصحافة المحلية ، ولأن صديقنا أبو ثائر كان شاعراً وقادراً على الكتابة بأسلوب أدبي جميل ، ولأن متطلبات المرحلة كانت ستقبل به كاتب مقال ولأنه رجل دين أيضاً ، فقد استطاع أن يفتح له باب رزق عبر إحدى الصحف المحسوبة على السلطة والتي لعبت دوراً مقيتاً إبان الأحداث لا أحد ينساه .
بدأ أبو ثائر بالكتابة ، (يبدو الخطاب ملفتاً ، فلم نعتد أن نقرأ في الصحف نقداً للسلطة ولو إشارةً من بعيد ) تبدو الناس مصدومة من شدة الفرحة ، وكاد البعض أن يغمى عليهم من شدة الفرح ، فكيف لهذا الشخص أن يتسلل إلى الصحف الحكومية ويكتب فيها وهو رجل دين ومعارض وللتو أتى من المنفى .
يكتب أبو ثائر ويكتب ويكتب ، عن طموح هذا الشعب المتواضعة ، لكنه سرعان ما يختفي عن الأنظار لفترة من الزمن ، لنراه بعد ذلك في صحيفة جديدة انشئت للتو ، وهي محسوبة على المعارضة ، يبدأ في الكتابة فيها بسقف أعلى ، ويكتشف أخيراً ما يحتاج الناس قراءته (لغة الأرقام) ، وما أدراك ما لغة الأرقام ، تبدو مبهرة وتشد الناس لها .
يبدأ بالكتابة بهذا الأسلوب بطريقة بدائية ، حيث التحليل السهل لأرقام معلنة ليس من الصعب الحصول عليها لأي صحفي مبتدئ حتى ، لكن الناس تنشد له أكثر لأن المشكلة في هذا الشعب إنه لا يقرأ كثيراً ، ولا يحاول أن يطلع على المعلومات الرسمية المنشورة من أجهزة الدولة ، ولكنه يعشق أن يقرأ مقالاً من 600 كلمة أعده رجل دين ثوري ذو تاريخ نظالي مشرف ، ذكر فيها الأرقام في سياق حديثه عن الفقر أو الإسكان أو الأوقاف أو الجامعيين العاطلين عن العمل .... الخ .
قلت لكم إن فترة الميثاق كانت ذهبية لمن يريد الظهور كنجم في عالم السياسة ، لذا سرعان ما تحول صديقنا أبو ثائر إلى رمز سياسي كبير لا يمكن حتى مقارنته ، وبدأت الناس تقرأ له بجنون ، كانت أحاديث الأصدقاء هي عن ما كتبه وما سيكتبه أبو ثائر ، كانت الناس تترقب الصحيفة الجديدة لقراءة مقالاته ، شيء مذهل حقاً ، والشيء المبعث للذهول أكثر من ذلك هو نشوء جماعات مقدسة ومنزهة ومحللة لخطاب أبو ثائر ، ليتحول أبو ثائر من رجل دين مغمور إلى كاتب مشهور يمدحه الجميع ، فهو يتكلم عن معاناتهم كثيراً ، ولا ينساهم أو يتناساهم .
بعد الشهرة الواسعة ، يقرر أخيراً أبو ثائر أن يصعد المنبر ، فيرتقيه متشدقاً بالأرقام ، ويخطب في الناس فاضحاً النظام ، تمتلئ المآتم عن بكرة أبيها ، المكان ضيق والأزقة المجاورة للمأتم مملوءة بالناس الجالسة ، وصوت المكبر الخاص للمأتم هو في أعلى درجاته ، حتى يسمع القاصي والداني هذا الخطاب الجريء .
في إحدى ليالي محرم الحرام حينما كنت متوجها حينها للمنامة في وقت مبكر جداً من المساء ، استوقفني جمع هائل عند مأتم العجم الكبير ، لا أعلم حقيقة التجمع لذا اقتربت ، ولما أن وصلت حتى شاهدت أبو ثائر يصغي لمعاناة الناس ، أحد الأشخاص يشرح له معاناته وأجره الزهيد ، وأبو ثائر يلتفت يميناً وشمالاً للجمهور حتى استوقفه وجهي فميزني وأعطاني شيئاً من الإحترام الذي لا أستحقه ، وبادرني بالسلام فرددت عليه السلام ، وعندما انتهى المواطن من سرد معاناته ، صافحت أبو ثائر وأبلغني سلاماً حاراً لوالدي والأهل عموماً ، وكذا أنا فعلت واستأذنته لأرحل ، فرحلت .
وأنا أسير على قدمي ، قلت في نفسي ، "من قدك يا أبو ثائر ، صرت مشهوراً والناس تحيطك أينما رحلت وحللت" ، لكنني في نفس الوقت لازلت متحفظاً وأحاول الإبتعاد عن النقاش حول شخصيته التي لمعت فجأةً ، فلازلت أعرف موقفه في الأيام الأخيرة في قم ، ولكن الجو العام جو مقدس رافض للنقاش فما بالك بالنقد ، ولا أنسى إنني من أول ما ظهر فيها أبو ثائر للعلن ، كنت من أشد منتقديه ومناقشي شخصيته خصوصاً مع المقدسين الذين كانوا دائماً ينهون نقاشاتهم معي بـ "إستغفر ربك ، إتقي الله" .
وصل أبو ثائر إلى أعلى قمم الشهرة ، فالندوات التي يحاضر بها كثيرة جداً ولا تعد ولا تحصى ، يبدو إنه وصل إلى مرحلة كان يستطيع فيها التأثير على شريحة واسعة من هذا المجتمع ، فيا ترى إلى أين سيصل صاحبنا أبو ثائر ؟؟؟

















17 فبراير, 2008 02:18 م