طوال سبعة شهور مضت وانقضت على تواجدي في الهند ، وأنا في كل يوم أسير على هذا الشارع إما ذاهباً للمطعم أو للمحاضرة أو للأصدقاء .
كل يومٍ بلا استثناء أطوف فيه على هذا المقهى الشعبي المتهالك ، الذي يرتاده الهنود وبعض البحرينيين الذين يعدون على الأصابع ، ولم أفكر يوماً ولو على مستوى التفكير أن أرتاد هذا المقهى الشعبي وأتناول فيه شيئاً مما تيسر ، ولو لا مديح الشباب لشراب الشاي اللذيذ ، لما فكرت حتى بالجلوس في مقهى متهالك لأبعد الحدود ، لا يسر الناظرين .
قبل أيامٍ معدودة ، قررت أن أزور المقهى وعندما زرته ، تفاجأت وتحسرت وتمنيت لو زرته منذ زمن بعيد ، ونقلت لكم هذه الصور ، التي كانت ستغنيني من كتابة الكثير من المقالات في بعض الشئون المحلية .
في أول يومٍ لذهابي للمقهى شدتني صورة .
أكاد لا أصدق عيني ، إنها صورة لقائد الثورة الإيرانية السيد الخميني رحمه الله موضوعة في أعلى الجدار ومقاربة للسقف ، وفي الرفوف الخلفية للكاونتر (المحاسب) توجد صورة أخرى صغيرة للإمام وتحتها صورة أصغر لمرشد الجمهورية السيد علي الخامنئي .
وأنا أنظر للصور ، راودني السؤال ، ماذا لو كانت هذه الصور معلقة في مقهى شعبي بحريني؟
كانت الإجابة مخيفة وهي باختصار ، استنفار إعلامي ، أمني ، نيابي ، سلطوي فتنوي بامتياز .
لكن لماذا وضع صاحب المقهى هذه الصور يا ترى ؟
وضع صاحب هذا المقهى صوراً لا تتعلق ببلده أبداً ، لكنه وضعها لأنه لاتوجد جهة ستتهمه بالعمالة لإيران ، ولا يوجد شخص سيشكك في وطنيته وهو لم يعرف وطنٌ سوى الهند .
وضع صاحب المقهى هذه الصور لأنه لا يتوقع أن يأتي صحفي فتنوي موتور يتهمه بمحاولة قلب نظام الهند ومحاولة حكم البلد بالخلافة الإسلامية ونظرية ولاية الفقيه .
لم يخشى صاحب المقهى أن يضع هذه الصور ، لأنه واثق بأنه لايوجد شخص من أصل مليار وثلاثمئة مليون هندي سيلفق له الأكاذيب في الصحف ويتهمه بحيازة أسلحة داخل هذا المقهى ، ولم يأته كاتب من الكتاب الفطاحل ليقول عنه بأنه صاحب عقل مجمد ، جمدته له العمامة وحكم الملالي في إيران.
صاحب المقهى وضع هذه الصور لأنه لايملك من بين نواب شعبه ، نائباً من نواب الصدفة أو المراكز العامة سيشن عليه هجوماً في الصحف ويطالب قوى الأمن باعتقاله لعمالته لدولة أجنبية .
صاحب المقهى وضع هذه الصور لأنه واثق بأن لا أحد سيجبره على إزالة الصور ووضع صورة رئيس بلاده قسراً ، ليعبر فيه عن حبه للرئيس ووطنيته الخالصة .
صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لأنه لا يوجد جهاز أمني فاسد سيقوم بتلفيق تهم وسيوزعها على شكل بيانات على الصحف المحلية ، ليقوم باعتقاله وتعذيبه في المعتقل ليحصل منه على شهادة تحت وطأة التعذيب يقر فيها إنه يعمل في منظمة تدعى حزب الله الهند ، تحاول لزعزة الأمن والإستقرار ...الخ .
صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لاعتقاد ديني أو لإعجاب بما يقدمه وقدمه شخصيات دخلت التاريخ المعاصر ، شأنه شأن من أعجب في غاندي أو تشي جيفارا أو نصرالله أو أي شخصية عامة أحدثت فارقاً في هذا العالم ، بدفاعها عن مظلوم او محاربتها ظالم أو احترامها للشعوب ونظالها من أجل أمتها .
نهاية ، صاحب هذا المقهى وضع هذه الصور لأنه في بلد ديمقراطي حقيقي ، يسمح له بالتعددية ولا تشوبه تنظيمات تحاول النيل من طائفة تمثل شريحة واسعة من المجتمع وتريد محوها من الخارطة الديمغرافية و إلغائها بالكامل ، بإحلال مواطنين جدد عبر سياسات خبيثة ، في بلد يعيش على بقعته سدس سكان العالم وهو ليس بحاجة لا إلى تجنيس ولا إلى دروس في الوطنية يدفعنا لها بعض الفطاحل ممن يسمون أنفسهم كتاباً ومثقفين ، عن طريق حفظ أسماء المخترعين والمكتشفين .
بإختصار صاحب المقهى وضع هذه الصور ، لأنه لا يخشى شيء .




















22 فبراير, 2008 03:54 ص