حينما يصبح مغنية سفاحاً ، بين مطرقة أيتام صدام وسندانة أبناء طالبان
حبي لأصدقائي الكويتيين ، وحبي للشعب الكويتي جعلني أسكت وأصمت وأهدأ ، حتى وضعت الحرب أوزارها ، فكان لابد من كلام كثير وكثير ، لن أوفي فيه حق العماد فهو أكبر من أن تختزله كلمات من هنا أو هناك ، ولن أستطيع أن أنصفه لأجل هذه الأمة ، وليس لأجله ، فهو قد أنصفه الله وكرمه الله بشهادةٍ طالما كان يتمنى أن ينالها وقد نالها .
ربما هناك أشياء تثير الاستفزاز أحياناً كثيرة ، خصوصاً حينما يشعر الإنسان بأن الإزدواجية في التعامل مع المواقف التي هي حقيرة بامتياز ومنطلقها لا يمكن تفسيره إلا باتجاه طائفي أو مصلحي كبير جداً ، وهذا الاستفزاز يدفع الإنسان للرد ، للتوضيح ليس أكثر ، لهذه الأمة المغلوب على أمرها والتي لا تعلم شيئاً من الحقيقة .
الشهيد عماد مغنية ، الغني عن التعريف والذي لا يحتاج لا مني ولا من أمثالي إلى شهادةٍ في بطولاته وصولاته وجولاته ، أنا شخصياً ، يكفيني أن أعرف إن هذا الرجل مطلوب لـ 42 دولة ، وإن أمريكا صنفته في قائمة الأكثر خطراً على أمنها القومي ، ووضعت جائزة تقدر بـ 5 ملايين سرعان ما تحولت إلى 25 مليون دولار ، ثمناً للحصول عليه حياً أم ميتاً ، حينما يصبح هذا الرجل مطلوباً لدولة الاستكبار العالمي ، فثمة مؤشر يجب أن نستوعبه خاصة من طبيعة الإتهامات الموجهة له .
يكفي أن أقول إن السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله لقبه في ذكرى الشهداء القادة بتاريخ 22 فبراير/شباط المنصرم بقائد الإنتصارين (انتصار أيار2000 وانتصار آب2006) ، هذا الرجل الذي لم يكن ينتظر من أحد مديحاً ، والذي كان له بصمة كبيرة في الصراع العربي الإسرائيلي ، والذي سيخلده التاريخ كمقاومٍ أوجع إسرائيل وأدى بها إلى الإنهيار الذي نشاهده الآن ، هذا الرجل الذي غير لنا التاريخ الحديث ، فهزيمة إسرائيل في 2006 لم تكن هزيمة لها بحد ذاتها ، وإنما هي هزيمة لأمريكا داعمتها التي أدت إلى انهيار محافظيها الجدد ، ويستطيع أي شخص أن يعرف ما هو الحجم الحقيقي للهزيمة الاستراتيجية التي لحقت بإسرائيل "إن كان منصفاً" ، سيكتب عنك التاريخ يا "حاج رضوان" وستخرج شهادات المجاهدين إلى العَلَن ، عل هذه الأمة أن تنصف نفسها قليلاً بمعرفتها الشيء اليسير عنك وعن بطولاتك ، ولهذا أنت أكبر من الأوطان أن تختزلك ، فأنت قضية أمة وقضية أحرار ، وأنت أكبر من أي كلامٍ يوجهه لك الأقزام الذين لم يذيقوا سوى كأس الذل والهوان ولم يذيقوا في تاريخهم طعم العزة والكرامة ولم يعرفوا معنى العنفوان .
إشهد يا حاج عماد ، إنك بعد كل هذه البطولات التي لم تنتظر يوماً من أحد أن يُعَرِفَ العالم بها ، ولم تنتظر مما قدمته واجباً لأمتك أي مديح أو ثناء أو مقابل ، بعد كل ما قدمته لهذه الأمة في أكثر من ربع قرن ، خَرَجَت علينا أصواتٌ نشاز بحق من أمتنا العربية ، اعتبرتك إرهابياً واعتبرت شهادتك خلاصاً للأمة وراحة ، وهي هي التي رأت صدام حامي البوابة الشرقية وهي هي التي اعتبرت بن لادن مجاهداً وقائداً وملهماً ، هي نفسها التي صنفتك اليوم في خانة الإرهابيين ، لتساوي بينك وبين السفاحين ولتظهر للعالم صورة مشوهة ومزيفة ، بدلت فيها بطولاتك وحولتها وحورتها إلى جرائم بشعة أنت أرفع منها وأكبر منها وأبعد ما تكون عنها .
في الكويت ، كان واضحاً السعار الطائفي الذي انطلق ليواجه مؤبني الشهيد مغنية ، وكانت كلمة السر حينها عند وزير الداخلية الكويتي ، فبكل بساطة تحدى العالم وطعن في شرف من يؤبن مغنية ، فتضامن معه يتيم صدام ، هذا السافل ، رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية ، وسار خلفه ذلك الحاقد رئيس تجمع ثوابت الأمة إبن تنظيم القاعدة الذي ذبح وقتل من الأبرياء الكويتيين الكثير والكثير .
لكن بما أن القضية هي سعار طائفي ، وبما أن الشيعة قد وجه لهم الإتهام بولائهم للخارج ، إذاً فالجميع سار خلف يتيم صدام وعاشق بن لادن ، لتبلغ الفتنة الطائفية مداها في الكويت ، ولتكتب الصحف يومياً عن هذه الحادثة ، وما إن بانت بوادر هذه الأزمة ، حتى استبشر أبناء القبيلة في البحرين خيراً ورأوا ضرورة تصدير هذه الفتنة في البحرين (كما قال شقيقي مارون الراس في تدوينته الأخيرة) فطار مسرعاً وزير داخليتنا الذي كنت أراه أهون الأشرار في بني قبيلته ، ليجلس مع ابن عمه وزير الداخلية الكويتي ، وليخرج لنا بتصريح كان يراد منه تصدير الأزمة إلى البحرين ، وهذا ما لم يُعِرْهُ أحد منا في البحرين أي اهتمام .
لكن يا ترى ، ما الذي أثار غضبي كثيراً ، وجعلني أستشيط غيظاً ؟
بصراحة ، منذ زمن طويل وأنا كنت أود الكتابة في هذا الموضوع ، إلا أنني لم أرى مصلحة في ذلك ، لكن وبعد أن طفح الكيل بترهات من يدعون المعرفة ، فقد وصلت الأمور إلى حد لا يطاق وكان لابد من الحديث .
خرج علينا بعض المدونيين ممن يدعون العلمانية (وأقسم لكم إن حاملي الفكر العلماني في البحرين بريئين منهم) وممن لم يأخذوا من العلمانية سوى التحقير من المذاهب والديانات والمعتقدات، وإلا الإساءة وعدم احترام مشاعر غالبية الأمة الإسلامية ، ليدعون العلمانية ، مع إن العلمانية في رأي اخينا "علي الديري" هي فصل الخوف عن الدين ، وما أعرفه إن العلمانية لاترتبط بما يروجه البعض من فصل الممارسة الدينية عن الممارسة السياسية وإنما يعتقد المنظرون العلمانيون على إن الممارسة الدينية هي علاقة عمودية بين الفرد والله ، والممارسة السياسية هي علاقة عقد اجتماعي بين أبناء المجتمع نفسهم ، طبعاً هذا ما أفهمه مما اطلعت عليه وقد أكون مخطئاً في نظرتي ، لكن كما يبدو إن كثير ممن يدعون العلمانية لديهم وجهة نظر مغايرة جداً ، ترتبط بالتحقير من الدين والتحقير من المذهب ،وكأنهم خلقوا ملحدين ، بينما العلماني المسيحي يبقى مخلصاً للكنيسة في ممارسته الدينية ، وكذا العلماني المسلم يبقى محترماً ومخلصاً للمسجد ولا يتنازل عن العبادات والاعتقادات الدينية أساساً .
تارة يحكي هؤلاء "المدونون المدعين للعلمانية" عن الإمام المهدي ويصبحون فجأة من المتخصصين ويبدأون بتحقير هذه المعتقدات ، وأخرى يقومون بالإحتجاج على المظاهرات التي تحدث مناصرة للرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله ، لماذا لأنهم أولى من الرسول للنصرة كما يعتقدون ، ويأتون في النهاية ليزفوا لنا خبراً مفرحاً كما يبدو لهم "برحيل الإرهابي عماد مغنية" .
يا حاج عماد ، أنت أكبر من أن تحتاج لشهادتي أو شهادة غيري من أمثالي ، لكن ما يؤلمني حقاً هو التعرض لك بالإساءة ، وأنت كما لقبك السيد حسن نصرالله "قائد الإنتصارين" بحق ، وقد ألحقت الخزي والعار في الكيان الصهيوني الغاصب ، فإذا بأناس فجأة يتهمونك بأبشع الصفات والأوصاف ، ويذهبون بعيداً في تحليلاتهم .
لا أعلم كيف يحكم هؤلاء "العلمانيون الجدد" (يبدو إننا سنردد عبارة الجدد كثيراً هذه الأيام فمن المحافظين الجدد إلى الليبراليين الجدد إلى الإسلاميين الجدد وأخيراً إلى العلمانيين الجدد) حكموا على الشهيد عماد مغنية بكونه إرهابي .
أنا لا أريد التدخل في قضايا كويتية بحتة لا تعنيني ، لكن بالله عليكم كيف لحكومة لم توجه إتهاماً طوال 20 عاماً للشهيد عماد مغنية ، وإنما وجهت إتهامها لحزب الدعوة آنذاك في العام 1988 سنة حدوث اختطاف طائرة الجابرية ، وأتت التأكيدات في ذكرى مرور عشرة أعوام على حادثة الطائرة في العام 1998م بشهادة كثير من الكتاب الصحفيين الذين أعادوا توجيه اتهاماتهم لحزب الدعوة ، وكيف إن قضية الإختطاف وجه البعض الإتهام فيها بعد تحرير الكويت من العزو العراقي إلى الطاغية صدام وحزب البعث السيء الصيت ، كيف بعد كل هذا ، وفجأة في تأبين مغنية ، نكتشف إنه في البداية حسب زعم الحكومة الكويتية متهم و تدور حوله الشكوك في اختطاف طائرة الجابرية ، وبعد الضغوط يصبح إرهابياً اختطف الطائرة الكويتية (راجع بيانات الحكومة الكويتية من موقع وكالة الأنباء الكويتية "كونا" ) ، ولم يكن أي دليل مادي على هذا الإتهام سوى شهادة لا يؤخذ بها من الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1998 "بعد عشرة أعوام من الحادثة" بتوجيه أصابع الإتهام إلى عماد مغنية وتحميله المسئولية عما حصل من دون دليل نتيجة عجزهم في كشف الفاعل ، حقيقة لم أعرف ما هو هذا التناقض الذي حصل .
بينما حزب الله مثال يحتذى به في أخلاقياته العالية في المقاومة بشهادة الكثيرين ، ويمكنكم معرفة ذلك من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 12 تموز 2006 بعد عملية الوعد الصادق التي أسر فيها الجنديين الإسرائيليين ، حينما قال إن هذه العملية تأتي نتاج عملٍ ميداني لما يقارب الستة شهور ، وإنه كان بإمكان المقاومة أن تأسر جنود في أكثر من مرة إلا أنه نظراً لوجود مدنيين في سيارات أخرى بجانب السيارات العسكرية حال دون تنفيذ العملية كي لا يتأذى المدنيون أنفسهم و لأن المشكلة ليست مع المدنيين وإنما مع العسكريين ، كما إنه في حرب تموز الأخيرة على لبنان أثبت حزب الله أخلاقياته بعدم استهداف المدنيين الصهاينة واليهود ، على عكس الصهاينة الذين ارتكبوا المجازر في حق المدنيين قدر ما يستطيعون في قانا وغير قانا .
لا أعرف كيف لحزب يمتلك هذه الأخلاقيات العالية في مواجهة العدو ، أن يقوم بخطب طائرة مدنية ويقتل اثنين من ركابها من أجل المال ، بينما العالم كله يتحدث عن المال الإيراني أيضاً .
حقيقة أمر غريب هذا التناقض الذي للمرة الأولى أكتشفه على لسان الصداميين والطالبانيين والعلمانيين الجدد .
ثم إنه كيف لهؤلاء "العلمانيون الجدد" الذين لم يطلعوا على أخبار الكويت بالتفصيل ولم يطلعوا على صحفها ، ولا على آراء الوازنين فيها من كتاب وصحفيين وساسة ، وإنما أخذوا أخبارهم من منتديات يشم من ورائها السعار الطائفي ومن مدونين كويتيين وجهوا اتهاماتهم وأقسى الألفاظ لهذا المجاهد العملاق فقط لكي يسايروا الموضة في التخوين ، وليواصلوا حملة السعار الطائفي التي حصلت مؤخراً وتورط فيها الكثيرون .
ثم إنني لا أعرف ، كيف لتأبين شخص متهم بقتل كويتين "إثنين فقط" أن يحدث زلزالاً وطنياً ، بينما تمجيد صدام حسين وتأبينه من يتميه الذين فقدوا كوبوناتهم "الجار الله ، والعبيسان" لمدة أسبوع كامل ، لم يحدث هذه الهزة التي حصلت ، وهو – أي صدام – لا يحتاج إلى أدلة لتبيان جرائمه في حق الكويت وإيران والأكراد والشيعة في العراق ، وجرائمه أكبر من أن تعد أو تختزل في أشرطة وثائقية مرئية أو وثائق إعدام أو ما شابه .
لماذا ، هل لأن صدام غير شيعي فأهلاً ومرحباً ، بينما مغنية شيعي منضم لحزب الله الذي رفع رأس أمته ولم يهتم لطائفته في هذا الأمر ، حينما كان مصير الأمة مهدداً .
أما بعد هؤلاء العلمانيين الجدد ، فلنا كلام مع سفلتنا من الحكام العرب .
مالذي تغير ، هل إيران والشيعة في العالم أصبحوا خطراً على مصالح الدول ؟
إيران التي دخلت عامها التاسع والعشرين منذ قيام ثورتها الإسلامية ، لم تحتل لكم أرضاً ولم تقتل لكم أبناءً ، وكل الحديث عن أطماعها المجوسية أو الصفوية هو افتراء أو تنظير من دون دليل .
إيران التي هزت أمريكا وترعب إسرائيل والتي تحملت الضغوط من أجل مبدئيتها بالدفاع عن حقوق الأمة المقدسة في القضية الفلسطينية أو اللبنانية ، هي التي اليوم تدفع ثمن ذلك بالعقوبات الإقتصادية بينما أنتم تخليتون عن عروبتكم قبل إسلامكم ، وتركتم هذه القضايا تذهب أدراج الرياح ، ولا يعنيكم إن قتل المئات في غزة بمحرقة هوليكوستيه لأهلنا في فلسطين ، ولا يهمكم إن تم تهديد لبنان بمدمرات عسكرية ، كل هذا لا يعنيكم ، فقط ما يخيفكم هو دعم إيران لقوى التحرر في العالم ، ودعمهما لفصائل المقاومة الفلسطينية والمقاومة الإسلامية في لبنان .
ثم تأتون لتحيكوا المؤامرات ، وتشيعوا الرعب بين أبناء الطائفة السنية على إن إيران خطر داهم ، تريد إقامة دولة ولاية الفقيه "حتى في المملكة العربية السعودية" ، بينما أنتم خائفين من شعوبكم ومن وعيها الذي قد يهدد مصيركم ومصير كراسيكم ، ويؤسفني يا حكام العرب أن تنتقل هذه الكلمات التافهة منكم وبقناعة إلى العلمانيين الجدد ، ويصبحون لكم خير سند ومدافع عن قضايا دكتاتورياتكم .
سحقاً لهذا الزمن السافل والرديء الذي يصبح فيه المقاوم إرهابياً ، ويصبح فيه دكتاتور عفلقي ابن زنا شهيداً ورمزاً للدفاع عن الأمة ، وما بطولاته إلا مقابر جماعية وذبح على الهوية وحروب عبثية .
يا حاج عماد ، فلتسامحني لأني لا أستطيع إيفاء حقك مهما كتبت ومهما سطرت من كلمات ، وأعتذر منك ومن المقاومة ومن الشعب اللبناني نيابةً عما قاله السفهاء من بني قومنا ، وما قاله الحقراء الصداميين والطالبانيين من أبناء القاعدة وبن لادن ، فهم لا يريدون لك أن تصبح أسطورة يمجدك التاريخ على مدى السنين ، لكنك كذلك ستبقى مثالاً يحتذى به في المقاومة ، وما اتحاد الفصائل الفلسطينية في تأبينك ونعيك والتوعد بالرد على الكيان الصهيوني انتقاماً لدمك ، إلا دليل طهرك ونقاءك وصفاء روحك . أيها المجاهد أيها القائد ، لا أملك أكثر للتعبير فيه عن حبي وعشقي وفخري واعتزازي لأمثالك من القادة ، وستبقى عظيماً رغم أنوف الأقزام ممن يريدون أن يحولوك إلى وحش وما أنت إلا ملاك نزل على أمتنا ودافع عن قضايانا بشرف وصبر ولم يحتسب عمله إلا عند الله ، ونحن نحتسبك عند الله ، فإلى الرضوان يا رضوان ، وأنت العماد .
ولتصمت أصوات النشاز .
أترككم مع بعض الصور للشهيد الحاج عماد مغنية
والفاتحة إلى روحه الطاهرة