أبو ثائر حداثوياً
ليس من الصعب على أي شخص كان أن يقرأ كتاباً ويحلله ولو تحليلاً سطحياً ، أو أن يطلع على عناوينه ليدرك الفكرة العامة ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى فطاحل ولا إلى أشخاص خوارق في الأصل ، لكن الطامة الكبرى حين يفكر المرء إنه بقراءة كتابين لمحمد أركون وكتاب لنيتشه وآخر لفوكو ، قد ملك مفاتيح الثقافة بأسرها ، وهذه المشكلة تكمن في عدم التعمق ، بمعنىً آخر هذه المشكلة تحدث عندما يقرأ الإنسان في حدود بسيطة ويتوقف ليرى "غروراً" إنه أصبح يفهم في كل شيء ، وغدا بعد يومين من انتهاءه من قراءة كتابين إنه أصبح أفضل مثقف في المنطقة ، ولو تعمق قليلاً وواصل قراءته للكتب لاستدرك إنه لا يفقه سوى النذر اليسير ، إلا أنه لم يفكر في هذا الأمر ، نظراً لغروره ولنظرته الفوقية التي قام ينظر بها للمجتمع ككل .
أبو ثائر صديقنا ، حدثت معه حادثة مشابهة ، فبعد أن خرج من تلك الصحيفة المعارضة ، يبدو إنه تولد لديه حالة من الفراغ استثمرها في قراءة بعض الكتب ، حتى أن حصل على شرف الدخول إلى صحافة السلطة ، وياريت أي صحيفة ، فقد انضم إلى صحيفة كشفت من خلال مشروعها الفتنوي في تقرير شهير أعده مستشار حكومي سابق طرد لاحقاً ، وسبب أزمة وطنية حقيقية في البلد ساهمت في تعميق الهوة بين المعارضة والسلطة .
انضم أبو ثائر لهذه الصحيفة التي هدفها الأول ضرب طائفته التي ينتمي إليها ، ولكن ما أحلى وأشهى الدنانير حين يستملها الإنسان من تفاهات يكتبها تسمى زوراً مقالاتاً ، وما أحلى أن يرى فوق المال والوجاهة ، مديحاً من مجموعة من قراءة تلك الصحيفة التآمرية ، والتي كانت دائماً منتقاة من قبل إدارة الصحيفة .
يبدأ أبو ثائر في الكتابة ، إلا أن الفارق هذه المرة هو إدخال مشتقات " ح د ث " وأتحدى أي شخص أن ياتيني بمقال واحد في هذه الصحيفة لأبو ثائر ليست فيها كلمة (حداثة ، حداثي ، الدولة الحداثية ....الخ) .
بدايةً كتاباته ، كنت ألاحظ بدقةٍ متناهية ما يكتب ، إلا انني بعد ذلك وصلت إلى قناعة في حرمة القراءة له ، أو النظر إلى تلك الصحيفة ، فمجرد النظر إلى الصفحة الأولى لتلك الصحيفة تعني لي مجموعة شتائم وسباب سأتفوه بها لحين ، وأعصاب ستتلف ووجه سيتحول إلى اللون الأحمر ، وسيجارة ساشعلها لأدخنها بشراهة وقسوة ، لذا ابتعدت عن الجو قليلاً .
لكن المشكلة لم تكمن في هذا الأمر ، بل في إن أحد الأصدقاء يتعمد إرسال آخر مقالات أبو ثائر دائماً على الإيميل ، فأقرأها مجبراً ، لأني لا أغفل حرف واحد يردني عبر البريد الإلكتروني ، ومن هذا المنطلق ، بدأت ألحظ كيف أبو ثائر تماهى وتماهى ، وبدأ يحقر العالم كله ، وينظر بفوقية لأشخاص لا يحلم أن يصل إلى أحذيتهم ، ليحقر من معتقداتهم وتصريحاتهم وأفعالهم وكلامهم ، وصار همه الدفاع عن السلطة متمثلةً في أي شخصٍ كان ، حتى إنني أذكر له مقالات عدة بعد فوز الوفاق في الانتخابات ، فأي خطوة تخطوها كتلة الوفاق النيابية ، تعني له مقالاً جديداً يحقر فيه من هذه الخطوة ، وينتقص من هذا الإقتراح أو يسفه من ذاك السؤال ....الخ .
في الحلقة القادمة ، أبو ثائر ، أبو المصطلحات الصعبة .















02 مارس, 2008 09:29 ص