
كما توقعت ، فقد نجحت الوفاق في استقطاب أكثر من 25 ألف من المؤيدين لها ، في وقت قياسي منذ يوم الأربعاء 27 فبراير/ شباط ، حتى موعد الندوة في يوم الجمعة 29- فبراير/ شباط المنصرم ، أي خلال ثلاثة أيام ، ما أعطى أحد المؤشرات المهمة وإحدى الرسائل بالغة القوة للسلطة ، إن جمهور الوفاق مستعد للنزول إلى الشارع في فترة قياسية ، وهذه إحدى إيجابيات الندوة في اعتقادي .
الجانب الإيجابي الآخر ، الذي أعتبره استعراضاً لعظلات الوفاق ، هو الرد على كل المشككين في فقدان الوفاق لقاعدتها الشعبية إثر تذمر الشارع من أداء كتلتها الهزيل نسبة بالتوقعات والتمنيات التي كانت تتلألأ في أعين الجماهير ، والوعود التي قطعها نواب الوفاق في حملاتهم الإنتخابية ، حتى ظن البعض إن الوفاق قادرة على إحداث تغيير جوهري في 4 سنوات ، لتزيل تراكمات 30 سنة من الإضطهاد والتمييز والحرمان والفقر والبطالة وتضييق الحريات .
أنا عن نفسي لازلت أتحدث عن فقدان الكثير ، فحين أتذكر ندوة المقاطعة التي قدرت بـ 75 ألف شخص ، وندوة التجنيس التي قدرت بـ 45 ألف ، لا يمكن مقارنتها بندوة تقدر بـ 25 ألف فقط ، لكن لو لاحظت بعض الجوانب الموضوعية من تشتت المعارضة وقلة الإعلانات وعدم التحشيد بشكل ملحوظ في الندوة الأخيرة ففي النهاية لابد أن أقر للوفاق بقاعدتها الجماهيرية ، التي يقول لي أحد الأصدقاء إنها قاعدة شعبية ثابتة للوفاق لعدم استطاعة أحد منافستها عليها ، نظراً لبعض الظروف الموضوعية هي الأخرى ، فالتعاطف مع "وعد" مثلاً لا يعني الإبتعاد عن الوفاق "المعقل الخاص بالشيعة" في ظل فرز طائفي شئنا أم أبينا فهو موجود ، وفي ظل بعض الملاحظات على تحركات وعد التي وقف في وجهها المجلس العلمائي "المرجعية الدينية للوفاق" ، وكذا التعاطف مع حق لا يعني عدم تصويت محبي حق ومحبي التصعيد لكتلة الوفاق في الإنتخابات لأن حق لا تزاحمها في الإنتخابات ، خاصة حينما نتذكر معاقل حق التي دلت على الوقوف إلى جانب الوفاق "كسترة والنويدرات" .
حضر الشارع ولبى نداء الوفاق في وقت قياسي ، لكن يا ترى ماذا حملت الندوة من مفاجآت يمكننا تصنيفها "ككشف للمستور" ، شخصياً الشيء الوحيد الذي احتسبته كشفاً للمستور هو قول الأمين العام للجمعية عن محاولات لمقايضة الوفاق للتنازل عن لجان تحقيق واستجوابات قبال توظيف بعض الكوادر الوفاقية ، أي في مقايضة أشبه بالرشوة السياسية لإغلاق ملف معين ، أما كل ما قاله الأحبه النائب جواد فيروز ، والشيخ حسن سلطان والنائب محمد المزعل وحتى الأمين العام لجمعية الوفاق ، بالإضافة للرأي القانوني للأخ الشملاوي لا يخرج من كونه أمور معلنة وغير سرية ، ومطلع عليها أغلب الناس خصوصاً المهتمين بالشأن النيابي والمتابعين لتطورات الساحة المحلية .
أعود إلى مقالي "الوفاق تصعد" ، حين قلت إنني أتمنى أن لا تكون الندوة استرجاعاً للقواعد الشعبية ، ومصالحة للجماهير ، كما وإنني شككت في استمرار تصعيد الوفاق بهذا النحو ، ومازلت عند رأيي في عدم المصلحة من التصعيد بهذا الشكل في قضية اسقاط الاستجواب من هيئة المكتب ، فما حدث إذا كنا نعتبره خرقاً لقواعد اللعبة أو للأعراف البرلمانية ، فكلنا يذكر خرق الموالاة لحق الكتلة الأكبر في اختيار الرئيس وهو عرف برلماني في كل برلمانات العالم ، إلا أن الإصطفاف السلطوي والحكومي أدى باختيار الظهراني رئيساً ، وما عملته الوفاق بعد ذلك من مقاطعة للجلستين الإفتتاحية والإجرائية أدى بها لفقدان منصب النائب الأول للرئيس المتمثل في هيئة المكتب ، وبعد ذلك عادت الوفاق للعمل في المجلس .
كما وإن مقاطعتها أو اعتراضها على حضور عطية الله في جلسة عرض برنامج الحكومة ، انتهى بعد ذلك بمواجهة عطية الله وعدم الخروج من الجلسة أساساً لإبداء الإعتراض .
نعم الجانب الإيجابي الذي أراه إن الوفاق ما عادت تتعامل مع أي حدث مهم بالإنسحاب من الجلسة ، وإنما بالمواجهة وإبداء الإعتراض ، ولكن هل يستحق فعلاً عدم إدراج استجواب عطية الله كل هذا التصعيد ؟
والوفاق قبل الجميع تعرف إنه إن مرر الاستجواب من هيئة المكتب ، فإنه سوف يسقط بالتصويت للإحالة إلى اللجنة المختصة ، وإن أحيل لغياب ثلاثة نواب من الموالاة ، وتشكيل الوفاق للأغلبية النيابية حينها مع اكتمال النصاب ، فإنه بالتأكيد يبدو ضرباً من الخيال طرح الثقة في الوزير ، لعدم توافر واستحالة توافر ثلثي أعضاء المجلس (26 نائباً) ، لطرح الثقة في الوزير .
ثم هل نستطيع مقاربة أهمية استجواب عطية الله في قضايا مالية ، بملف البندر بأكمله ، أو بملف التجنيس ، او بملف التعديلات الدستورية مثلاً ؟
سوف نرى إن هذا التحشيد الحاصل لم يكن في موقعه لو أدركنا وجود ملفات أكثر حساسية ، وأعتقد إنني أرى الأولوية في التعديلات الدستورية قبل التجنيس وحتى ملف البندر ، فهي أكثر جدوى في التصعيد من باقي الملفات ، ويمكن بعد حلحلة ملف التعديلات الدستورية ، حلحلة قضية التجنيس والبندر وقانون الجمعيات الذي رفضت الحكومة كل التعديلات عليه بالأمس ، والتجمعات ، والصحافة ، وغيرها من الملفات حتى المعيشية والخدماتية كالإسكان وتدني الأجور وغيره .
كثيرين من أنصار الوفاق خرجوا من الندوة "بلا جديد يذكر" غير إعادة لكلمات عودنا الأمين العام للوفاق على إطلاقها في خطابات ومؤتمرات صحفية على مدى سنوات ، وغير أمور كلنا نعرف بها من تصريحات النواب أنفسهم .
ولو تابعنا ما حدث في الثلاثاء الماضي واللقاءات التي استمرت حتى يوم أمس بين الكتل لصياغة مفهوم مشترك للإستجوابات عموماً ، فسنكتشف إن الوفاق قد تنازلت عن تصعيد الثلاثاء الأسود كما يقول البعض ، وأرى إنه كان من الأجدى منذ الثلاثاء الأسود السير في منوال ما جرى عليه في جلسة الثلاثاء الأخيرة ، أي إبداء الاعتراض بمثل هذا الهدوء ، رغم الاستفزاز الحاصل ، لكن يا ترى ما هي الحقيقة في إسقاط الإستجواب؟
يجيب أحد المصادر النيابية ، إن رئيس مجلس النواب قد أتته سيناريوهات حكومية من أطراف عليا ، تؤدي به إلى إرباك الوفاق ، أي إبلاغها برفض الاستجواب قبل الجلسة بيومين ، ما سيؤدي بالوفاق إلى تصعيد الموقف ويعطل عمل البرلمان ، وهذا السيناريو لو صَدَق ، فإننا أمام تعليمات عليا من جهات نافذة في الدولة لتعطيل عمل المجلس بشكل فعلي ، ويشير المصدر إن الوفاق قد تنازلت عن سقف مطالبها وأحدثت تصعيداً في ملف جزئي من ضمن ملفات كبرى مهمة وهذا بالنسبة للسلطة مكسب سيقودها باستمرار الأزمة وتعطيل المجلس إلى إنهاءه بإقالة عطية الله من منصبه وتحويله إلى العمل السري الغير مكشوف ، مع ضمان وجود المخطط والمنفذ والممول الأكبر والرئيسي في لعبة البندر "وزير الديوان الملكي" بالتعاون مع وزير الخارجية الحالي .
ويضيف المصدر ، فيما لو أرادت الجهات النافذة بالتمسك بعطية الله في الواجهة ، فإنها ستقوم بتمرير الاستجواب من هيئة المكتب ، لكنها ستسقطه بواسطة كتل الموالاة والمستقلين (22 نائباً) لتبدأ حلقة التعطيل في السيناريو المقبل ، وستحمل إلى استفزاز الوفاق وشل حركة المجلس لأسبوعين أو أكثر أيضاً ، وبعد ذلك سوف تعطى كتل الموالاة الإذن بتمرير الاستجواب ، لتطبيق السيناريو الثالث ، أي مجرد استجواب في قضايا مالية مع استحالة طرح الثقة في الوزير ، ما يعني إغلاق ملف البندر ، وحينها ستكون الوفاق محرجة من الموالاة ، إذ إن الموالاة ستستمر في التصريح الصحفي على إنها كانت ولازالت حريصة على التجربة وقد تنازلت لمرتين متتاليتين في هيئة المكتب وفي التصويت للإحالة للجنة المختصة ، لكنها لن تسمح للوفاق باستفزازها بالتصعيد داخل المجلس لطرح الثقة بالوزير ، نظراً للتنازلات الجسيمة ، وحينها سيخرج علينا بعض من يدعون العقل والتعقل في الصحف ، بدعوة الوفاق إلى إنهاء الملف نظراً لاستجواب الوزير ، مع صك براءة فعلي له بعدم وجود شيء يدينه في تجاوزات مالية .
نحن هنا نتكلم عن نفوذ فعلي حقيقي ، لأفراد من الأسرة الحاكمة تقوم بوضع السيناريوهات ، الواحد تلو الآخر ، بهدف إغلاق ملف مهم ومقلق بالنسبة للمعارضة "تقرير البندر" ، ما يعني العودة إلى ما كنا عليه في السابق من عدم حمل أي جديد ، وما يعني فشلاً ذريعاً للمعارضة المتمثلة في البرلمان ، في قدرتها على الضغط على السلطة ، ومن هنا أتمنى من صميم قلبي أن تكون الوفاق مدركة لحقيقة الوضع وضرورة تفعيل أدوات موازية للأداة البرلمانية ، وتشكيل ضغط حقيقي على السلطة ، كما وأتمنى أن يتوصل الأفرقاء في المعارضة إلى حل يوحد تحركاتهم ما سيسبب ضغطاً حقيقياً موازياً للضغط في المجلس ، قد نكون بعده قادرين على التحدث عن حلحلة لبعض الملفات العالقة .
استقالة بركات :
ربما يكون من المضحك المبكي ، أن يصبح المستشار القانوني عمرو بركات في مثل هذه الوضعية ، فكما أذكر إنه في دور الانعقاد الأول قامت الوفاق بالتصعيد مع المستشار واعتباره مستشاراً حكومياً ، في جلسة عرض المراسيم الملكية التي أقرت في الفترة ما بين انتهاء دور الانعقاد الرابع للفصل التشريعي الأول ، ودور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثاني ، وكيف إن بركات هدد بتقديم استقالته ، بل قدمها ، إلا أن الظهراني رفض استقالته ، وبعد هذا رأينا كيف إن بركات كان "أفضل من غيره" في إفتاءه بدستورية الاستجواب ، وكيف قامت الوفاق تتحدث عنه وتأخذ برأيه وكأنه أصبح مستشاراً قانونياً معارضاً .
إلا أن الدلالة الكبيرة في تقديم استقالة بركات للظهراني وقبول الظهراني لها ، هي ما تؤكدها مصادر نيابية من أن هناك ضغوطات من الجهات النافذة التي أعطت التعليمات للظهراني بتسيير السيناريو الأول ، وهي ذاتها التي قامت بالضغط على بركات لتغيير رأيه أو تقديم استقالته والرحيل ، ما حدى بالمستشار عمرو بركات إلى تقديم استقالته ، وقبلها الظهراني ، وهو إن لم يكن خارج البحرين اليوم ، فإنه سيرحل عما قريب تاركاً خلفه الكثير من الأسرار والأخبار التي لم تنشر .
جماهير الوفاق تتسائل ، ما هو المستور الذي انكشف ، وما هي الخطوات المقبلة من التصعيد ، وبينما أصوات الجماهير الوفاقية والسيناريوهات المرسومة للوفاق من قبل السلطة ، تبقى الوفاق حائرة فعلاً في ماذا تعمل ، وكيف تسير في حقل ألغام وضعته لها السلطة لأي تحرك وأي حركة تصعيدية وأي محاولة لفتح ملف جديد .
صور أخرى للندوة
























07 مارس, 2008 10:44 م