رب صدفة تجعل منك وزيراً
بداية ولكي يكون كلامي واضحاً فأنا هنا أتكلم بشكل عام ولا أقصد الإساءة لأحد ، وليعتبرها البعض مني مجرد تنظير لا علاقة له بأحد على أرض الواقع ، هكذا أفضل ليكون الموضوع بعيداً عن التأويلات و التفسيرات التي لا أريدها .
نواب الصدفة :
عندما نتكلم عن نواب الصدفة ، بالتأكيد فإن للأمر علاقة بمجلس النواب البحريني في مرحلتين فقط ألا وهما (انتخابات 2002 وانتخابات 2006) ولا نتكلم هنا عن مجلس السبعينات فهذا مجلس لم أعرف تفاصيل انتخاباته وكل ما أعرفه هو الأمور العامة التي يتكلم عنها الناس جميعاً .
عندما نتكلم عن نواب الصدفة فإننا بالتأكيد نتكلم عن نواب في 2002 ، وصلوا صدفةً لمجلس نيابي كان أقوى من فيه هم أشخاص محدودين محسوبين على جمعية سياسية كان لها أنصارها في الدوائر الشيعية حين قررت الوفاق وأمل بشكل خاص والتحالف الرباعي بشكل عام مقاطعة الانتخابات .
ولكن بما إننا نتكلم عن 18 دائرة شيعية فيجب أن نكون واضحين ، لقد وصل بعض الأكفاء ممن لا يتجاوزون الثلاثة أو الأربعة إلى مجلس النواب عن طريق هذه الدوائر الثمانية عشر ، أما الباقي (14 نائب) فصدقوني قد أتوا صدفة للمجلس النيابي ، فدائرتي التي أنتمي إليها ترشح فيها شخصان ، ووصل أحدهم لأن عائلته أكبر من عائلة المترشح الثاني ، ولأنه دفع بعض الأموال لشباب عاطلين ليس لديهم مانع من التصويت للشيطان إذا كان سيهبهم 50 ديناراً .
إذاً أصبح لدينا نواب من الدوائر الشيعية يوصفون بنواب الصدفة أو الطارئين على العمل السياسي ، وكذا في باقي الدوائر الـ 22 السنية ، فأغلب من وصل من خلال الناس هناك كان أيضاً وصل عن محض الصدفة لعدم وجود منافسة حقيقية قبالة لتيارات الدينية في تلك الدوائر .
والصدفة أنتجت لنا نواب سابقين وحاليين أيضاً ، لم يكونوا يعرفوا ألف باء السياسة حينها ، فأصبحوا صدفة أصحاب برستيج ومن هواة إضافة كلمة "سعادة النائب" قبل إسمهم في كل مكان ومحفل .
الرمز السياسي الصدفة :
نحن نمتلك عادةً في مجتمعنا وفي ناسنا أسميها "التقديس" ، أو تقديس اللامقدس على رأي البعض ، فترى إن فلان يقدَس وتقدَس آراءه لأنه ابن فلان أو لأنه رجل دين أو لأنه كان له بصمة في حقبة زمنية ما ، وهذا التقديس ينتج عن أمور عديدة ، لكن عندما أتحدث عن السياسي الصدفة أو الرمز السياسي الصدفة ، فالأمر يكون أبسط من بسيط .
هل تريد أن تصبح رمزاً وتعلق صورك على السيارات ويصبح إسمك ملاذاً لمن لايملك إسماً في منتدى سياسي معارض ، وتصبح صورك توقيعاً لأعضاء كثر في المنتديات السياسية ؟
الأمر بسيط ، فما عليك إلا أن تشتم وتتقدم المسيرات وتحضر الفعاليات ويستحسن أن تكون دائماً في المقدمة تقود أي عمل شعبي مراهق ، وطبعاً سيضاف لك في الـ CV الشعبي أيضاً بعض العبارات الرنانة كالمجاهد وغيرها إن تم توقيفك في أحد مراكز الشرطة لأربع وعشرين ساعة أو تمت إحالتك للنيابة العامة ، حينها ستكون أنت البطل والمغوار وحامي حمى الشعب والغيور على مصالحها والباحث عن كرامتها .
في هذه الأيام الأمور ميسرة لكل من أراد أن يصعد على أكتاف الناس ليصبح رمزاً ، فما على الشخص سوى أن يسمع الناس ما يحبوه من شتائم ولغة قوة وتحدي ، وقد كان هذا الأسلوب ناجحاً لدى الكثيرين فلم لا يجربه من يريد تسَيُد الساحة ؟
إذاً أصبح لنا في السنين الأخيرة أيضاً رمز سياسي صدفة ، أنتجته الظروف وأنتجه الناس والشارع الذي يرفع من يسمعه ما يريد ويرغب .
رجل الدين الصدفة :
طبعاً ما قبل الثمانينات ، كان أي شخص مهتم أو محب لدراسة العلوم الدينية يتوجه إلى مركزها في النجف الأشرف حيث المراجع العظام والحوزات الدينية التي تضم طلاب علم من كل أنحاء العالم ، لكن بعد الثمانينات أصبح الوضع مختلفاً ، فمع تدهور الأوضاع في العراق حينها إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، أصبحت قم ملاذاً آمناً للشيعة الراغبين في استكمال الدراسة الدينية أو حتى الشروع بها .
في المقابل ونحن نتكلم عن البحرين تحديداً ، فكثيرين من الغير متعلمين والفاشلين في الدراسة والعاطلين عن العمل وعن الحياة ، رأوا في الدراسة الدينية حلاً لمستقبلهم المظلم ، فتوجه الكثير من الذين يُشهد لهم بمستواهم المتواضع والأكثر من متواضع في الجانب الأكاديمي والعقلي والفكري أيضاً إلى قم المقدسة لكي يطلبوا العلم ، وماذا كانت النتيجة ؟
أشخاص لم يكملوا المراحل الأولى من الدراسة الدينية ولم يتجاوزا الست سنوات من الدراسة والتي هي لا شيء في العرف الحوزوي ، ليعودوا لنا رجال دين يأمرون الناس وينهونهم ولهم من المصداقية والثقل والوجاهة ما لا يمتلكه غيرهم ، لماذا يا ترى ؟
لأن هذا الشعب شعب مقدِس لرجال الدين أكثر مما نتصور ، فمن كان صفراً بالشمال بالأمس أصبح اليوم الرقم الصعب في المعادلة الإجتماعية والسياسية داخل أوساط هذه الأمة ، وحين تسألهم لماذا تقومون بهذا الشيء فيجيبونك بكل بساطة إن الشيخ الفلاني أمرنا وحثنا وأيدنا .....الخ .
يؤسفني أن يكون حال شعبنا بهذه السوء ، ولكن الأسوأ حقيقةً لهذا الشعب حين يصبح الشخص فيهم رجل دين صدفة ، فتأتيه الظروف وتتهيأ له لتجعله رمزاً سياسياً صدفةً ، وأخيراً يصبح بفضل البرلمان العليل نائب برلماني صدفة ، حينها ما علي إلا أن أقول سلام الله على هذا الشعب الذي سينتظر السنين تلو السنين ليحقق مطلب واحد من مطالبه المحقة .


















05 ابريل, 2008 01:39 ص