لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

ساحر الصحافة ... الراحل جوزيف سماحة

جوزيف سماحة
 
قبل عامين ، كان الحدث الأبرز في مثل هذا اليوم ، هو رحيل ساحر الصحافة اللبنانية جوزيف سماحة ، فضل جوزيف أن يرحل من هذه الدنيا في شقة صديقه حازم صاغية في لندن .
ذهب جوزيف معزياً ومسلياً لحازم صاغية برحيل زوجته ، لكنه على الأرجح ذهب يعزيه بنفسه ، حين نام ولم يفق ، وارتحل إلى العالم الآخر .
جوزيف صديق حازم القريب ، يختلف كثيراً عنه ، بل أكاد أجزم إنه لا يوجد تشابه بين الإثنين وأنا الذي لا أطيق أن أقرأ حرفاً لحازم صاغية ، لكن عندما يكتب جوزيف ، تشعر إن سحراً ما يغلف هذا الشيوعي ، فهو من نوعٍ آخر .
لم أواكب كتاباته قديماً ، لكنني أستذكره في السفير كاتباً استثنائياً ولا أنساه في الأخبار ساحراً ، حيث لم يشأ أن يرحل إلا وهو مخلفٌ ورائه ذكرى جميلة إسمها "صحيفة الأخبار" .
الغريب في هذا الصحفي الساحر ، إنه يكتب مقالات عن الحدث اليومي المحلي أو الإقليمي ، ويكون لمقالاته طعم جميل لحظة قراءتها بل وتأثير ، لكنك عندما تعيد قراءة مقالاته بعد عام تكتشف إن وقعها وتأثيرها أكبر وأكثر .
قرأت اليوم كل حرفٍ كتب عن جوزيف في صحيفة الأخبار ، وقرأت المقالات الثلاثة التي وضعوها لأسطورة من أساطير الصحافة العربية ، حين أعدت قراءة مقالات الراحل لم أدرك إنها كتبت بالأمس إلا حين الإنتهاء منها والنظر إلى تاريخ المقال .

هموم وطن

حصرية للمصور الصحفي ، الأخ مازم مهدي
حتى الصحفيون ، لم يسلموا من هذه الأحداث
 
 

 

لا أعتقد بأن أحداً يختلف معي في إن هموم هذا الوطن وصلت إلى مرحلةٍ جعلتنا نستذكر التسعينات وأهوالها ، حينها كانت القبضة الأمنية قد انتشرت بعد هدوء نسبي في 89 استمر حتى منتصف الـ 94 ، ولكن هذا الهدوء شهد أعلى سطوة للمؤسسة الأمنية في كل المجالات ، بدأت تترجم لاحقاً بسلسلة اعتقالات مبرمجة وغير مبرمجة للرموز وللأبرياء .

حينها كان الناس يستصرخون الضمائر باحثين عن لقمة العيش ، وباحثين عن إحقاق الحق ، وباحثين عن متنفسٍ يتكلمون فيه من دون رقابة أمن الدولة ، كانت الناس قد توجت احتجاجاتها السبعينية والثمانينية فيما سمي بأحداث التسعينيات التي كانت الأعنف بوصف الغالبية ، في التاريخ السياسي المعاصر لهذه الجزيرة الصغيرة حجماً التي لا تكاد تبين على الخارطة ولكنها الكبيرة والمثقلة بالأحداث العاصفة .

كان لابد حينها من نهاية ، من خاتمةٍ لهذه الأحداث لايشعر فيها أحد بالنصر ولا آخر بالهزيمة ، فأتى الأمر بإخلاء السجون من السجناء السياسيين ، وعودة المبعدين ، و توجت ما كانت تمسى العملية الإصلاحية بما عرف بميثاق العمل الوطني الذي صوت عليه الشعب بنسبة 98.4% (بنعم) بينما بقيت هناك فئة تمثل 1.6% قالت (لا) .

كان القليلون هم الذين وقفوا عكس التيار وصوتوا بلا ، وكانوا منقسمين إلى أقسامٍ عدة لا داعي لشرحها الآن حيث كل جهة كانت صوتت بلا لأسباب مقنعة لذاتها ، المهم إنه مضى العام الربيعي الذي عرف فيه بالحرية ، استنشق البحرينيون حينها طعماً لم يعهدوه منذ مدة ، نسوا كل الجراحات وتناسوها ليحملوا سيارة الأمير (آنذاك) على أكتافهم في سترة التي كانت أكثر المناطق التي عانت ولازالت تعاني الحرمان والتمييز .

عامٌ ربيعي ، انقلبت فيه السلطة بعد ذلك على مواثيقها معلنةً عهداً جديداً قامت المعارضة فيه بمقاطعة الإنتخابات النيابية ، بينما كان هناك انقسام حاد على مستوى القيادة في مسألة المقاطعة ، كان هناك غضبٌ شعبي على السلطة ، حيث استلم الشارع قرار المقاطعة برضىً نسبي .

لكن ماذا بعد ؟

بدأت المعارضة بالإنقسام على نفسها ، وبالتحديد داخل تيار أكبر مؤسسة سياسية (الوفاق) ، حيث بانت تباشير المشاركة في 2006 ، فما كان من البعض إلا أن يقدموا استقالاتهم في 2005 ، وينشق الصف فعلاً .

وافقت الوفاق على قانون الجمعيات السياسية وتم التسجيل تحت ظل هذا القانون ورحمته ، بينما اتخذ المنشقون خياراً آخر ، عبر تأسيسهم حركة –غير مرخصة رسمياً- سميت بحركة حق ، وانضمت إليها قيادات وباركتها أخرى ، بينما بقي رجال الدين (أغلبهم) حذرين من تأييدها العلني ، لعدم وجود "غطاء شرعي" لها ، وكأنها حركة لقيطة لا يريد أحد تبنيها ، لكن وبعد أن شاركت الوفاق في الإنتخابات –من دون مكسب سياسي أو تنازل من السلطة- بدى الفشل ذريعاً وبدى العمل في المجلس النيابي أبطأ من السلحفاة ، بل متوقفاً وعاجزاً عن حلحلة أي ملف أساسي أصلاً ، من التجنيس للتعديل الدستوري وقانون الإنتخاب ، وبطالة وإسكان وتعديل أجور وصولاً إلى الحريات وقوانين مقيدة للصحافة .

بدأت الحريات بالتراجع ، وبدأت السلطة باستعادة الهيبة الأمنية ، بينما في الطرف المقابل تعلن الوفاق عجزها عن تحريك الملفات ، وحركة حق آخذة في النمو على أشلاء الفشل النيابي وتذمر الناس ، في حين بدأ رجال الدين يعبرون صراحةً عن تذمرهم الشديد لما آلت إليه الأوضاع .

وانفجرت الأوضاع

انفجرت الأوضاع رسمياً منذ ديسمبر الـ 2007 ، فما حصل لعلي جاسم وقصة الجيب مسروق السلاح ومسرحية العسكري بخش التي راكمت المعتقلين ، أعلنت رسمياً دخول البلد في وضع أمني شبيه بقانون أمن الدولة ، لكن الوفاق حاولت لملمة الأوراق وتهدئة الشارع ، ونجحت فعلاً في ذلك ، إلا أنها تلقت صدمة اعتقال مشيمع والمقداد في يناير الـ2009 كخبرٍ مر لا يمكنهم تجاوزه ، في ظل كل المعطيات السابقة ، وزاد الطين بلةً قرار وزارة العدل بالتحكم في المساجد والخطباء وأئمة المساجد ، ما فجر البلد وأنفذ القيادات الدينية الرفيعة صبرها ، فخرجت عن صمتها بتحريم اتباع قرارات وزارة العدل ، وبدأت تدعو إلى لجنة حوار لا تفتح قبل إطلاق سراح مشيمع والمقداد .

تتوالى الأحداث على البحرين ككرة ثلج ، ولا أرى فيها إلا نفقاً مظلماً نسير فيه ، ولا يمكننا استشراف الضوء ونحن داخله ، إذ يبدو الضوء بعيداً

استمرار التوتر

لا يمكن اعتبار استدعاء الناشطة "غادة جمشير" أمراً بسيطاً ، خصوصاً ما كتبته بشأن إعلان وزير الداخلية لها عن أن الحرب مع الشيعة ، هكذا وعلى البلاطة كما يقولون ، عبر سعادة الوزير عن الطرف الذي يحاربه ويستهدفه ، فيما في السابق أكد إن اعتقال مشيمع هو جبراً لخاطر سعادة الوزير الذي طالما سمع كلام مشيمع عنه ، ودعوته إياه بالإستقالة والرحيل .

إذاً ، فقد أعلنت السلطة تبنيها القبضة الحديدية ، وهي تستهدف الشيعة كما فعلت في التسعينيات فقط لكي تبعد شبح الهيئة الخمسينية عن مخيلتها ، وشبح التوحد السني الشيعي الذي قد يودي بها ، وها نحن مقبلين على مرحلة أمنية سنشهد فيها اعتقالات وانتهاكات لحقوق الإنسان ، ولكن على المعنيين أن يعلموا إن التسعينيات وظروفها مختلفة عن الألفية هذه وظروفها ، فلا يمكن لأي إشكال بسيط أن يغطى ويجرى التعتيم عليه ، إذ أنه يصل في اليوم الثاني إلى العالم ، عبر وسائل مختلفة وتقنيات متعددة للإتصالات ، لكننا عالقون يا إخوان في القبضة الأمنية التسعينية ، فأهلاً وسهلاً بقانون أمن الدولة الحديث .

قليلٌ من البوح في عيد الحب

حين يصبح الغدر عنوان تجربة ما
 
 

لاشيء أجمل من الحب ، ولا مشاعر أرقى منه وأنبل ، فهو الشعور الحقيقي باللهفة والشوق ، لكنه طبعاً يصبح دون جدوى إن كان الطرف الآخر لا يتبادل هذه المشاعر معك .

لست ممن فاتهم القطار ، لكنني أيضاً لست من الذين يحبون الخوض في أمواج الحب المتلاطمة التي لا يعلم إلا الله إلى أين ستجرهم و ربما تفتك بهم .

ربما ما ذكرته الشقيقة "الدختورة" عبارتن ، قد شجعني قليلاً للبوح بما في داخلي وخاطري ، و ربما هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن هذا الموضوع ، لكنني بالتأكيد غير راغب في الدخول في التفاصيل كثيراً .

جذبتني "الدختورة" إلى تدوينتها حين تحدثت عني –في عيد الحب- قائلةً بأنني ضد الحب ، ما جعل شهيتي تنفتح للكتابة قبل أن أخلد لنومٍ عميق ، لأنني أكتب لكم و وجع الرأس لم يفارقني منذ فقت من نومي .

لست من الأشخاص الذين لم يجربوا الحب ، كما يعتقد كثيرون ، بل إنني جربت الحب طويلاً ، لكنني خدعت في نهاية الأمر ، بل طعنت وغدر بي ، ولست هنا في وارد الحديث عما جرى حينها ، ولست أفضل فتح ملفات الماضي ،وأنا الذي لم أحقد على أحدٍ يوماً ، بل تمنيت كل التوفيق لهذا الشخص ، على ما فعله بي ، وربما هو استحق اللعنة لفعلته حينها .

حين علمت بما حصل ، أحسست بإهانة ، كان الغضب والحزن يجتمعان في داخلي في آنٍ واحد ، وكنت أود الإنتقام لكبريائي الذي جرح حينها ، لكنني في نهاية المطاف وبعد أن هدأ غضبي ، قررت أن لا أحرك ساكناً ، وقررت أن أتعامل مع الموضوع كذكرى جميلة كانت لها نهاية غير سعيدة ، وأقنعت نفسي بأنني لم أفقد الشخص وأخسره بقدر ما هو خسرني وفقدني ، معتبراً إياه الخاسر وأنا المنتصر ، حيث لم يكن ليستحق هذا الشخص حبي وقلبي.

كثيرة هي المرات التي أتيح لي فيها تبادل مشاعري مع شخص آخر ، لكنني وبعد ما حصل لي قررت أن لا أخوض غمار الحب مجدداً ، فاستقلت مؤقتاً من الحب ، بانتظار من سوف يأتي يبادلني المشاعر ، حتى ذلك الحين ، ورغم الجرح العميق الذي خلفته لي طعنة الغدر تلك ، سأظل حذراً في التعاطي مع هذا الأمر ، وربما هذا هو السبب الذي يجعل علاقتي بـ "الجنس الآخر" لا تدوم ، حين لا يسمع مني الطرف الآخر الكلام الذي يريده ، وحين يكتشف صراحتي في إنني غير راغب في أكثر من صداقة بريئة ، وبعد التلميحات والتصريحات ، يمضي الطرف الآخر لأكون كعادتي في آخر المقطورة ، بعيداً عن الكثيرين .

لست حزيناً ، وليس الحزن يسكنني  ، فحتى الشخص الذي غدر بي جاءني صاغراً بعد مدة ، لكن تعاطي معه كان سلبياً لأبعد الحدود ، أحس فيها بالإهانة بل واعتبر ما قمت به انتقاماً منه ومن غدره وخيانته حينها .

لهذا لم يغطي الحزن مشاعري بل هي الحقيقة التي تعاملت معها منذ ذلك اليوم ، أن لا أخوض غمار هذه التجربة بإرادتي العقلية ، بل أدع الأمور تسير حتى يأتي ذلك الشخص الذي سيخفق قلبي عند رؤيته ، ليبقى عيد العشاق (عيد الحب) أو الرابع عشر من فبراير لا يعني لي أكثر من تاريخ أنتظره أن ينتهي لأمزق ورقته من على التقويم المعلق على الحائط بانتظار يومٍ جديد .

كل عام وأنتم بحب وعشق ومودة وسعادة ، لكم مني عناقات المحبة الكبرى . 

 

جنرال المقاومة وساحرها ... بعد عام حضوره أقوى

الجنرال

في العام 1962 كنا على موعدٍ مع رجل خرج من كتب التاريخ التي لبدتها الأغبرة المتراكمة منذ أعوامٍ ، حيث لم يفتح هذه الكتب أحد ، حيث لم يخرج منها الأساطير ، حيث تجمد العالم لفترة طويلة وعقمت الدنيا من أن تلد أساطيراً جدد .

انتهت مرحلة العقم العالمي ، سجل التاريخ ولادة "الشبح / الرجل الخفي / الساحر / الثعلب / الجنرال / رجل الظل ....الخ" ، فتح الجنرال عينه على الدنيا المليئة بالظلم ، شعر بقدرته على تغيير الواقع ، سخر منه كثيرون وسخف عمله آخرون ، لكنه بدأ ، بدأ ولم يتوقف منذ ذلك الوقت .

لم يكن عماد مغنية نسخةً من السيد حسن نصرالله ، ولم يكن أميناً عاماً في الهرم المقلوب للحزب كما يدعي الآخرون ، لم يكن مغنية زعيماً على الأمين العام ، حيث يتلقى الأخير أوامره منه ، لكنه كان مقاوماً تدرج منذ تأسيس حزب الله في المناصب القيادية حتى وصل لأعلى رتبة عسكرية "رئيس المجلس الجهادي لحزب الله" ، لكنه في نفس الوقت لم يكن بالشخص الذي يتلقى أوامره من شورى الحزب أو الأمين العام "بالمعنى التقليدي" ، بل كان شخصاً ذو هيبةٍ وكان أقرب المقربين للأمين العام ، بل كانت العلاقة بينهم علاقةً تشاورية أكثر من أنها علاقة رئيس بمرئوسه "تنظيمية" ، كان يتناقش الإثنان كثيراً في القرارات ومن يقنع الآخر هو الغالب ، لكن مغنية لم يكن ليغفل أن الذي يخاطبه هو الأمين العام للحزب ، حيث كان يحرص في نهاية المطاف على تنفيذ القرارات بالدقة المتناهية كما كان متعارف عنه .
 

الأممي القادم

الأممي القادم / أسطورة تشي جيفارا حين تعاد للحياة

ربما يختلف كثيرون معي ، وربما يعتبروني مبالغاً إن قلت إن "عماد مغنية" لهو أسطورة أممية قادمة لا محال ، فبعد استشهاد بعام ، أصبحت الرؤية أكثر وضوحاً و بصماته أكثر شهرةً للقاصي والداني ، صار الجميع يحكي عنه ، رغم الإختلاف في إن ما فعله كان إرهاباً أم مقاومةً .

لكنني سأتجاوز الآراء لكي أتكلم عن رأيي ، كان عماد مغنية أسطورةً من طراز آخر لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث ، كان الحديث كثيرٌ عنه ، حيث لم تحصل مصيبة في العالم إلا واتهم فيها ، ولم يسمع دوي انفجارٍ في مكانٍ ما إلا وارتبط إسمه به ، وسر الإتهامات هو سر النجاح .

لم يكن عماد مغنية باحثاً عن شهرة بل كان صاحب قضية ، ومخطئٌ من يشبهه بأسامة بن لادن ، فأسامة بن لادن ظهر للعلن وأعلن عن مسئوليته عن عملياتٍ ما حصلت في العالم ، بينما بقي "مغنية" خلف الستار يعمل بجد ، ويرهق عدوه ويكبده خسائر فادحة .

لم تعلم له صورة ، إلا صورة أو اثنتان لستا صالحتين لأجهزة الاستخبارات إذ يعود تاريخهما إلى ربع قرن مضى ، كما ولم يكن البحث خلفه قانونياً مجدياً ، مع رجلٍ ليس له أثر في القيد السكاني التابع للدولة اللبنانية ، والحديث كله يدور عن جوازات سفر كثيرة لبلدان عدة وبأسماء ووظائف مختلفة .

كان عماد مغنية ، الرجل اللغز قد حول الدول المجاورة إلى أحزمة أمنية يستطيع العمل فيها وقت ما يشاء ، وليس خفياً على المتابعين إنه كان له يد ضاربة في العراق من بعد الـ 2003 ، كما يحكى عن آثاره في فلسطين ومقاومتها التي مدها بالخطط والأسلحة وصنع لها أنفاق أمان ، تحمي القيادات عن الاستهداف ، وما شاهدناه جميعاً في حرب غزة لم يكن بمنأى عن هذا الرجل .

إن كان جيفارا اشتهر بعداءه للإمبريالية وسعي لتكبيدها أكبر الخسائر باحثاً عن الثورة في أماكن عديدة من العالم ، فإن عماد مغنية الذي لم يعرفه العالم حق معرفته ، قد كبد الإمبريالية وقوى الإستكبار العالمي أكبر الخسائر وأفدحها ، بدءاً بمقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور 1982 ومروراً بالسفارة الأمريكية ومقر المارينز وقوات المظليين الفرنسيين ، وذهاباً إلى طائرة "التي دبليو إي" وسفارتي أمريكا وفرنسا في الكويت ، و مقر السفارة والصهيونية و المركز الصهيوني في بوينس آيرس ، ذهاباً إلى تركيا واستهدافه للمصالح البريطانية ، وانتهاءً بالعراق وتأسيسه لحركات المقاومة فيها .

طبعاً كل ما قام به من عمليات خارجية تبقى في كف ، وفي الكف الأخرى كل هذا الكم الهائل من القدرة القتالية الإعجازية والأسطورية في المقاومة اللبنانية والفلسطينية على السواء .

لم يكن باحثاً عن شهرة ولم يطلب من أحد أن يقدم له حمايةً مقابل عملٍ ما ، كان يعمل ويعمل ، أحس العدو به بل وتوجع من ضرباته مرات ومرات ، حين تحدثت قناة السي إن إن الأمريكية في حرب تموز وقالت إن عماد مغنية "أخطر رجل على وجه الكون" لم تكن لتبالغ وتصنع منه غولاً ، بل كانت تعبر عن خوفٍ حقيقي في صفوف القوى الإمبريالية التي طالما أرهقها وفتك بها ، وآلمها .

بعد عام على استشهاده ، نستذكره جميعاً ، وهو الذي لم يخرج من قلوبنا منذ لحظة استشهاده ، هذا الرجل الذي لم يكن يستطيع أن يخرج للعالم إلا شهيداً ، بتنا أكثر تعلقاً به وببطولاته الأسطورية .
 
قائد في الساحة

من الذي اغتاله وكيف ؟

سؤال صار عمره عام ، نبحث فيه عن الطريقة لا عن القاتل ، فمنذ اليوم الأول واللحظات الأولى لاستشهاده بتنا واثقين إن اليد التي امتدت لتغتاله لم تكن إلا "صهيو أمريكية" وبالفعل هذه المقولة تتأكد ، ولكن كيف نالوا منه ولماذا دمشق.

تبقى دمشق حالها كلبنان وإيران ، ساحةً سهلة للدخول إليها واختراقها والعمل فيها بحكم الوضع الجغرافي ، وما حكي عن تسلل للموساد من شمال العراق لم يكن بعيداً عن الحقيقة ، مع إني قرأت لـ "مسعود برزاني" نفياً في هذا الأمر ، إلا أنني لا أستبعد الأمر حيث قد يكون حدث تسلل من دون علم قوات البيشمركة الكردية في الشمال ، أو قد يكون التسلل من تركيا أيضاً ولاشيء لحد الآن واضح في طريقة التسلل لسوريا والعمل فيها كـ "بيئة صعبة" لكن بات الأمر أكثر وضوحاً ، لم يعد الصهاينة لينفوا ذلك بل باتوا يفاخرون بـ "أننا نحن الذين قتلنا عماد مغنية" لكنهم واثقين إن قرار الثأر في الحزب هو قرارُ قائم لا تراجع عنه ، والحديث عن استهداف السفارة الصهيونية في آذربيجان لم يكن نسج من خيال ، مع أن العملية كشفت ، ومع إني أرى إن عمليات الرد من طرف حزب الله ستأخذ مساراً أكثر تعقيداً ، لأن العقل المخطط لها قد استشهد هذه المرة ، لكنني واثق بالوعد الذي قطعه الحزب ولا ينوي التراجع عنه ، وما دام الصهيوني على قلق مستمر فهو بحد ذاته إنجاز ، حيث سرب بعض الدبلوماسيين الصهاينة رغبتهم بحصول عملية الثأر "الآن" ليخلصوا من شبح عماد مغنية وإسمه الذي لم يفارقهم مدة عام كامل ، والذي لم يتوقفوا عن إعلان حالات التأهب في أي مناسبة بسببه أيضاً .
 

نظرة قائد

المعنويات في حزب الله :

لا شك إن حزب الله أصيب في استشهاده بضربة قرب الرأس كادت أن تؤدي بهرمه العسكري لو لا التماسك والعض على الجرح العميق ، لكن المثل القائل "إن الضربة التي لا تقتلك تقويك" ليس ببعيدٍ عن حزب الله الذي أثبت ويثبت كل يوم أنه حزب إذا سقطت له رآية ، فاجأ العالم برايات أكثر علواً وشموخاً .

رغم التأثر المعنوي الذي يقال عنه بعد اغتيال الحاج عماد ، ورغم الكلام الذي كان ينقل عن مدى التأثر العميق لـ "أمين عام حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي بدأ يشعر بثقل المسئولية التي ألقيت على كاهله ، والوعد الذي قطعه من على قبر حبيبه وصديق دربه الحاج عماد مغنية ، لكنه (نصرالله) تحمل المسئولية فلم يترك مجالاً للبلبة في داخل الصفوف والكوادر ، حينما تم اتخاذ قرارات مباشرة في اليوم الثاني من استشهاد الحاج عماد بتعيين أشخاص يتولون مسئولية الجهاز العسكري للحزب (المجلس الجهادي) ، وبالفعل باتت المقاومة اليوم لا يخاف عليها حيث المقاومة التي تحولت إلى عمل مؤسساتي لا يمكن أن تتوقف عند اغتيال "عماد مغنية" ولا "السيد حسن نصرالله" نفسه .
 
اليوم وبعد مرور عامٍ على شهادتك ، لم يسعني الحديث كثيراً ، وأنت الذي لم تغب عنا يوماً واحداً منذ استشهادك ، بل على العكس زاد حضورك فينا حبيباً راحلاً وشهيداً ننعاك بفخر ، أطمئنك يا حاج رضوان إن المقاومة في لبنان هي قلعةٌ حصينة ، وإن المقاومة في فلسطين باتت أسطورية وإعجازية ، وإن الأمريكان يعدون أيامهم الأخيرة في العراق ، أحلامك كلها باتت على السكة ، وهي آخذة في التحقق شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن ، فنم قرير العين يا رضوان .
 

نم قرير العين

 
 
 

بصراحة ... وسط كل هذه الحماوة

لا أعلم من أين أبدأ ولا كيف ولا أين أنتهي

لا أريد تبيان إنني ناقض للعهود ، حينما قطعت عهدي بأنني عائد إلى التدوين رغم ما يلم بي من ظروف ، هذه المرة غيابي لن يكون طويلاً ، بل محدد بفترة زمنية بسيطة .

أعمل على بحثين يجب أن أسلمهما يوم السبت(غداً) كموعد أقصى للدكاترة في الكلية ، بحث عن مهارات الإتصال والآخر عن أنواع حسابات التكلفة والمناقصات في المحاسبة .

البحث الأول عن مهارات الإتصال يقدر بستين صفحة ، والثاني المرتبط بحسبات التكلفة والمناقصات في المحاسبة يقدر بثمانين صفحة ، وبكل صراحة فقد شغلتني الشبكة العنكبوتية كثيراً عن كتابة البحوث ، ولأن هذه البحوث يجب أن تكتب بخط اليد وممنوع استخدام الكتابة الإلكترونية نظراً لسهولة "الكوبي والبيست" كما تعرفون ، والله يلعن "قوقل" الذي سهل الأمور وفضحها في آن واحد ، فإنه كان علي بالأمس أن أبدأ في حملة كتابة بلا هوادة ،ولقد أنجزت فيها شيئاً خطيراً ، فقد تمكنت من كتابة 110 صفحات ، وما بقي لي سوى ثلاثين صفحة أستطيع إنهاءها اليوم ، لكي أتمكن من تسليم المواد غداً صباحاً عند السابعة والنصف بتوقيت الهند أي الخامسة بتوقيت البحرين ، يعني إنني سأسلم البحوث في وقت أغلبكم فيه يغط في نوم عميق والقليل منكم يستمتع بالإنترنت ومرافقه .

 

ولكنني أيضاً سأتوقف أكثر ، فلدي بحث خاص (شخصي) لم أبدأه الآن ، والمفترض أن أبدأ فيه غداً وهو يحتاج إلى تركيز كبير لأنه بحث حقيقي "صدقي" مو مثل الي بسلمهم بكرا ، كله هرار وكوبي بيست من الكمبيوتر يعني ، لذلك أستميحكم عذراً بأنني قد آخذ وقتاً يمتد إلى ثمانية أيام كحد أقصى ، ويفترض أن أعود في ذكرى عيد الحب "14فبراير" مع التذكير بأن عيد الحب هو اليوم الذي قتل فيه رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ، وإن 12 فبراير هي الذكرى السنوية الأليمة لاغتيال الشهيد القائد عماد مغنية ، وأن 16 فبراير هو ذكرى استشهاد الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي ، كما وأن 6 فبراير هو الذكرى الثالثة لوثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر ، كما وأن 5 فبراير أي أمس هو الذكرى الثالثة لما سمي بغزوة الأشرفية في بيروت ، بمعنىً آخر إن شهر فبراير مثقل بالأحداث المهمة في لبنان ، وإن أنا ضيعت بعض الفرص لبعض المناسبات لكنني أسعى أن أكون حراً يوم 11 فبراير ومنها أتابع الأحداث المحمومة قبيل الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان التي ستقام بعد أربعة أشهر من الآن بالضبط .

أيضاً من جهة أخرى فقد اتسم هذا الشهر وأواخر يناير بحماوة غير مسبوقة للمدونين ، فعاد حسين مرهون وأخيه محمد مرهون ، وعادت سعاد والإمبراطور لم يتوقف أيضاً ، حاولت أن ألحق بهم لكن يبدو أن محاولاتي باءت بالفشل أخيراً ، طبعاً بانتظار عودة مارون التي كنت أتمناها منذ زمن أيضاً .

 

كان الله في عون اللبنانيين ، فهو شهر ثقيل ومثقل بالأحداث عليهم ، وفيه تكثر التصريحات والمؤتمرات الصحفية والتجمعات والتحركات واللقاءات ووو ، وكان الله في عوني أنا حيث الثلاثين صفحة بانتظاري اليوم .

وحتى ألقاكم قريباً ، لكم كل المحبة

 

التاريخ عندما لا يعيد نفسه

في مثل هذا اليوم قبل عامين ... مشيمع
 
قبل عامين بالضبط ، أي في الثالث من فبراير من العام 2007 كنت أحد الذين زاروا الأستاذ حسن مشيمع في منزله ، تناولنا الحديث بالطبع في الشئون المحلية ، وشربنا الشاي في حضرته ، كانت الناس تتوافد ، من رجال الدين ونشطاء وسياسيين ، ووفود شعبية ، كان يوماً أكثر من رائعاً وكان من واجبي أن أكون هناك .
 
رغم بعد المسافات السياسية ، فهو في طريق مختلف عن الطريق الذي أسير فيه ، إلا أنه بقي رمزاً نضالياً طالما أحببته ، هذا بغض النظر عن علاقتي الشخصية به التي لن أتنكر لها يوماً .
 
قبل عامين احتفلنا بمجيئك ، أما اليوم فالله أعلم متى ستقر عيون البحرين بعودتك
 
اللهم فرج عن جميع المعتقلين وخصوصاً أستاذنا العزيز
 
 
 
 

الداخلية تستغرب الهدوء والشارع يخذل مشيمع

اعتقال مشيمع هو صفعة للوفاق ، واعتقال المقداد هو إهانة للشيعة

 

شارف اليوم الثامن على اعتقال مشيمع للإنتهاء ، بدأت الاحتجاجات منذ اليوم الأول لاعتقاله خجولة وليست بمستوى الحدث ، بدأت وتيرة التوتر في التصاعد ، حتى بلغت ذروتها بعد الانتهاء من مسيرة التجنيس التي أعدت لها الجمعيات الست .

كانت الأعنف في الأحداث الأخيرة قرية البلاد ، ومن بعدها تأتي "الدراز وسترة ومثلث التوتر المعهود السنابس والديه وجدحفص" على حد سواء ، لكن مالذي يجعل الناس خاذلة لقيادة قادت الساحة المحلية وأثرت في شارعها منذ أوائل التسعينيات .

أستطيع القول إن موقف الوفاق ومن خلفه المجلس العلمائي ومن خلف المجلس العلمائي من كبار العلماء كان لافتاً ، وحتى خطبهم الأخيرة التي أجمعوا فيها على تحميل مسئولية تردي الأوضاع الأمنية إلى السلطة وحدها ، من دون توجيه أي رسالة لوم أو عتب أو تحميل مسئولية للشارع ، حيث بدا أن هناك مستوىً عالي من التفهم لما يمكن أن يذهب إليه الشارع من خيارات احتجاجية ، لكن لماذا يا ترى خفت وتيرة الأحداث الاحتجاجية .

ثم إن الأمر ليس اعتقالاً لأحد النشطاء العاديين من هذه القرية أو تلك ، إن اعتقال مشيمع بما يمثل من رمزية هو صفعة بالدرجة الأولى للمعارضين المعتدلين الذين رضوا بالدخول في اللعبة واعترفوا بحدودها وحاولوا من خلالها إصلاح ما يمكن إصلاحه ، علهم يتوصلون إلى ثمار بعيدة المدى لتحركاتهم ، لكن اعتقال مشيمع هو صفعة لهم حيث لم يعد في مقدور الوفاق ومن يحضنها أن تسكت وتهدئ الشارع اليوم ، لم يعد مجالٌ لتفهم خطوات الحكومة التعسفية بحق رجل له ما له من تاريخ نضالي وشعبية تتزايد مع تردي الأوضاع وإخفاق الوفاق في إنجاز أي من الملفات الأساسية التي وضعت على رأس الأجندة الانتخابية المفترض العمل بها داخل المجلس .

ومن زاوية أخرى ، يعد اعتقال المقداد تعدياً سافراً على هيبة رجال الدين من الطائفة الشيعية ، حيث هذا التعدي هو بمثابة الإهانة الموجهة إلى كل رجال الدين الذين قد يكونوا معرضين في أي وقت للإعتقال بسب خطبة جمعة هنا أو مجلس خطابة هناك ، وهذا ما دأبت الطائفة برموزها العمل عليه في صناعة طوق حصانة خاص برجال الدين ، لكي يبقوا هم ومؤسساتهم الشيعية بمنأى عن محاسبة السلطة أو القدرة على السيطرة عليها وممارسة الابتزازات التي خبرها رجال الساحة من رجال دين ورجال سياسة .

لكن المفارقة هو نجاح السلطة في إخافة الناس الذي تحدث فيه مسئول كبير في الداخلية نقله لي أحد المصادر بالقول "كنت مع أحد المسئولين الكبار في الداخلية فسألني لم الناس بهذا الجمود والسكوت إنه مشيمع رمزهم وعليهم أن لا يسكتوا" .

استغرب المصدر من لغة المسئول ، فكيف له أن يحرض الناس على العنف ومن ثم يصدر الأوامر ليعتقلوهم ، إلا أن نظرة عامة على ما يحدث يكشف لنا (بغض النظر عن صراع الأجنحة في السلطة) إن الجميع في حال تذمر ، لكن البعض يفضل أن يخوض آخرون معارك عنه بالنيابة ليأتي وقت القطاف ويقطفوها جميعاً كحصاد نضالي كما حدث في التسعينيات بالضبط .

أنا لا أدعو إلى العنف ، ولا أشكل رقماً يعتد به أساساً لكي أمنع أو أدعو ، لكنني أرى السكوت أو التحركات الخجولة ، عاراً على جبين الشعب الذي طالما تغنى بوفاءه لقياداته النضالية خصوصاً .

 



<<الصفحة الرئيسية