لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

جنرال المقاومة وساحرها ... بعد عام حضوره أقوى

الجنرال

في العام 1962 كنا على موعدٍ مع رجل خرج من كتب التاريخ التي لبدتها الأغبرة المتراكمة منذ أعوامٍ ، حيث لم يفتح هذه الكتب أحد ، حيث لم يخرج منها الأساطير ، حيث تجمد العالم لفترة طويلة وعقمت الدنيا من أن تلد أساطيراً جدد .

انتهت مرحلة العقم العالمي ، سجل التاريخ ولادة "الشبح / الرجل الخفي / الساحر / الثعلب / الجنرال / رجل الظل ....الخ" ، فتح الجنرال عينه على الدنيا المليئة بالظلم ، شعر بقدرته على تغيير الواقع ، سخر منه كثيرون وسخف عمله آخرون ، لكنه بدأ ، بدأ ولم يتوقف منذ ذلك الوقت .

لم يكن عماد مغنية نسخةً من السيد حسن نصرالله ، ولم يكن أميناً عاماً في الهرم المقلوب للحزب كما يدعي الآخرون ، لم يكن مغنية زعيماً على الأمين العام ، حيث يتلقى الأخير أوامره منه ، لكنه كان مقاوماً تدرج منذ تأسيس حزب الله في المناصب القيادية حتى وصل لأعلى رتبة عسكرية "رئيس المجلس الجهادي لحزب الله" ، لكنه في نفس الوقت لم يكن بالشخص الذي يتلقى أوامره من شورى الحزب أو الأمين العام "بالمعنى التقليدي" ، بل كان شخصاً ذو هيبةٍ وكان أقرب المقربين للأمين العام ، بل كانت العلاقة بينهم علاقةً تشاورية أكثر من أنها علاقة رئيس بمرئوسه "تنظيمية" ، كان يتناقش الإثنان كثيراً في القرارات ومن يقنع الآخر هو الغالب ، لكن مغنية لم يكن ليغفل أن الذي يخاطبه هو الأمين العام للحزب ، حيث كان يحرص في نهاية المطاف على تنفيذ القرارات بالدقة المتناهية كما كان متعارف عنه .
 

الأممي القادم

الأممي القادم / أسطورة تشي جيفارا حين تعاد للحياة

ربما يختلف كثيرون معي ، وربما يعتبروني مبالغاً إن قلت إن "عماد مغنية" لهو أسطورة أممية قادمة لا محال ، فبعد استشهاد بعام ، أصبحت الرؤية أكثر وضوحاً و بصماته أكثر شهرةً للقاصي والداني ، صار الجميع يحكي عنه ، رغم الإختلاف في إن ما فعله كان إرهاباً أم مقاومةً .

لكنني سأتجاوز الآراء لكي أتكلم عن رأيي ، كان عماد مغنية أسطورةً من طراز آخر لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث ، كان الحديث كثيرٌ عنه ، حيث لم تحصل مصيبة في العالم إلا واتهم فيها ، ولم يسمع دوي انفجارٍ في مكانٍ ما إلا وارتبط إسمه به ، وسر الإتهامات هو سر النجاح .

لم يكن عماد مغنية باحثاً عن شهرة بل كان صاحب قضية ، ومخطئٌ من يشبهه بأسامة بن لادن ، فأسامة بن لادن ظهر للعلن وأعلن عن مسئوليته عن عملياتٍ ما حصلت في العالم ، بينما بقي "مغنية" خلف الستار يعمل بجد ، ويرهق عدوه ويكبده خسائر فادحة .

لم تعلم له صورة ، إلا صورة أو اثنتان لستا صالحتين لأجهزة الاستخبارات إذ يعود تاريخهما إلى ربع قرن مضى ، كما ولم يكن البحث خلفه قانونياً مجدياً ، مع رجلٍ ليس له أثر في القيد السكاني التابع للدولة اللبنانية ، والحديث كله يدور عن جوازات سفر كثيرة لبلدان عدة وبأسماء ووظائف مختلفة .

كان عماد مغنية ، الرجل اللغز قد حول الدول المجاورة إلى أحزمة أمنية يستطيع العمل فيها وقت ما يشاء ، وليس خفياً على المتابعين إنه كان له يد ضاربة في العراق من بعد الـ 2003 ، كما يحكى عن آثاره في فلسطين ومقاومتها التي مدها بالخطط والأسلحة وصنع لها أنفاق أمان ، تحمي القيادات عن الاستهداف ، وما شاهدناه جميعاً في حرب غزة لم يكن بمنأى عن هذا الرجل .

إن كان جيفارا اشتهر بعداءه للإمبريالية وسعي لتكبيدها أكبر الخسائر باحثاً عن الثورة في أماكن عديدة من العالم ، فإن عماد مغنية الذي لم يعرفه العالم حق معرفته ، قد كبد الإمبريالية وقوى الإستكبار العالمي أكبر الخسائر وأفدحها ، بدءاً بمقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور 1982 ومروراً بالسفارة الأمريكية ومقر المارينز وقوات المظليين الفرنسيين ، وذهاباً إلى طائرة "التي دبليو إي" وسفارتي أمريكا وفرنسا في الكويت ، و مقر السفارة والصهيونية و المركز الصهيوني في بوينس آيرس ، ذهاباً إلى تركيا واستهدافه للمصالح البريطانية ، وانتهاءً بالعراق وتأسيسه لحركات المقاومة فيها .

طبعاً كل ما قام به من عمليات خارجية تبقى في كف ، وفي الكف الأخرى كل هذا الكم الهائل من القدرة القتالية الإعجازية والأسطورية في المقاومة اللبنانية والفلسطينية على السواء .

لم يكن باحثاً عن شهرة ولم يطلب من أحد أن يقدم له حمايةً مقابل عملٍ ما ، كان يعمل ويعمل ، أحس العدو به بل وتوجع من ضرباته مرات ومرات ، حين تحدثت قناة السي إن إن الأمريكية في حرب تموز وقالت إن عماد مغنية "أخطر رجل على وجه الكون" لم تكن لتبالغ وتصنع منه غولاً ، بل كانت تعبر عن خوفٍ حقيقي في صفوف القوى الإمبريالية التي طالما أرهقها وفتك بها ، وآلمها .

بعد عام على استشهاده ، نستذكره جميعاً ، وهو الذي لم يخرج من قلوبنا منذ لحظة استشهاده ، هذا الرجل الذي لم يكن يستطيع أن يخرج للعالم إلا شهيداً ، بتنا أكثر تعلقاً به وببطولاته الأسطورية .
 
قائد في الساحة

من الذي اغتاله وكيف ؟

سؤال صار عمره عام ، نبحث فيه عن الطريقة لا عن القاتل ، فمنذ اليوم الأول واللحظات الأولى لاستشهاده بتنا واثقين إن اليد التي امتدت لتغتاله لم تكن إلا "صهيو أمريكية" وبالفعل هذه المقولة تتأكد ، ولكن كيف نالوا منه ولماذا دمشق.

تبقى دمشق حالها كلبنان وإيران ، ساحةً سهلة للدخول إليها واختراقها والعمل فيها بحكم الوضع الجغرافي ، وما حكي عن تسلل للموساد من شمال العراق لم يكن بعيداً عن الحقيقة ، مع إني قرأت لـ "مسعود برزاني" نفياً في هذا الأمر ، إلا أنني لا أستبعد الأمر حيث قد يكون حدث تسلل من دون علم قوات البيشمركة الكردية في الشمال ، أو قد يكون التسلل من تركيا أيضاً ولاشيء لحد الآن واضح في طريقة التسلل لسوريا والعمل فيها كـ "بيئة صعبة" لكن بات الأمر أكثر وضوحاً ، لم يعد الصهاينة لينفوا ذلك بل باتوا يفاخرون بـ "أننا نحن الذين قتلنا عماد مغنية" لكنهم واثقين إن قرار الثأر في الحزب هو قرارُ قائم لا تراجع عنه ، والحديث عن استهداف السفارة الصهيونية في آذربيجان لم يكن نسج من خيال ، مع أن العملية كشفت ، ومع إني أرى إن عمليات الرد من طرف حزب الله ستأخذ مساراً أكثر تعقيداً ، لأن العقل المخطط لها قد استشهد هذه المرة ، لكنني واثق بالوعد الذي قطعه الحزب ولا ينوي التراجع عنه ، وما دام الصهيوني على قلق مستمر فهو بحد ذاته إنجاز ، حيث سرب بعض الدبلوماسيين الصهاينة رغبتهم بحصول عملية الثأر "الآن" ليخلصوا من شبح عماد مغنية وإسمه الذي لم يفارقهم مدة عام كامل ، والذي لم يتوقفوا عن إعلان حالات التأهب في أي مناسبة بسببه أيضاً .
 

نظرة قائد

المعنويات في حزب الله :

لا شك إن حزب الله أصيب في استشهاده بضربة قرب الرأس كادت أن تؤدي بهرمه العسكري لو لا التماسك والعض على الجرح العميق ، لكن المثل القائل "إن الضربة التي لا تقتلك تقويك" ليس ببعيدٍ عن حزب الله الذي أثبت ويثبت كل يوم أنه حزب إذا سقطت له رآية ، فاجأ العالم برايات أكثر علواً وشموخاً .

رغم التأثر المعنوي الذي يقال عنه بعد اغتيال الحاج عماد ، ورغم الكلام الذي كان ينقل عن مدى التأثر العميق لـ "أمين عام حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي بدأ يشعر بثقل المسئولية التي ألقيت على كاهله ، والوعد الذي قطعه من على قبر حبيبه وصديق دربه الحاج عماد مغنية ، لكنه (نصرالله) تحمل المسئولية فلم يترك مجالاً للبلبة في داخل الصفوف والكوادر ، حينما تم اتخاذ قرارات مباشرة في اليوم الثاني من استشهاد الحاج عماد بتعيين أشخاص يتولون مسئولية الجهاز العسكري للحزب (المجلس الجهادي) ، وبالفعل باتت المقاومة اليوم لا يخاف عليها حيث المقاومة التي تحولت إلى عمل مؤسساتي لا يمكن أن تتوقف عند اغتيال "عماد مغنية" ولا "السيد حسن نصرالله" نفسه .
 
اليوم وبعد مرور عامٍ على شهادتك ، لم يسعني الحديث كثيراً ، وأنت الذي لم تغب عنا يوماً واحداً منذ استشهادك ، بل على العكس زاد حضورك فينا حبيباً راحلاً وشهيداً ننعاك بفخر ، أطمئنك يا حاج رضوان إن المقاومة في لبنان هي قلعةٌ حصينة ، وإن المقاومة في فلسطين باتت أسطورية وإعجازية ، وإن الأمريكان يعدون أيامهم الأخيرة في العراق ، أحلامك كلها باتت على السكة ، وهي آخذة في التحقق شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن ، فنم قرير العين يا رضوان .
 

نم قرير العين

 
 
 


أضف تعليقا

الإمبراطور سنبس من البحرين
15 فبراير, 2009 05:36 م
انه حزب الله وليس أي شيء !

الشيء الوحيد الذي نفتخر به حتى في عثراته ..

bolafee من الهند
16 فبراير, 2009 01:39 ص
نعم يا شقيق

حتى في عثراته
ولو إني لا أرى أية عثرات