
في العام 1962 كنا على موعدٍ مع رجل خرج من كتب التاريخ التي لبدتها الأغبرة المتراكمة منذ أعوامٍ ، حيث لم يفتح هذه الكتب أحد ، حيث لم يخرج منها الأساطير ، حيث تجمد العالم لفترة طويلة وعقمت الدنيا من أن تلد أساطيراً جدد .
انتهت مرحلة العقم العالمي ، سجل التاريخ ولادة "الشبح / الرجل الخفي / الساحر / الثعلب / الجنرال / رجل الظل ....الخ" ، فتح الجنرال عينه على الدنيا المليئة بالظلم ، شعر بقدرته على تغيير الواقع ، سخر منه كثيرون وسخف عمله آخرون ، لكنه بدأ ، بدأ ولم يتوقف منذ ذلك الوقت .

الأممي القادم / أسطورة تشي جيفارا حين تعاد للحياة
ربما يختلف كثيرون معي ، وربما يعتبروني مبالغاً إن قلت إن "عماد مغنية" لهو أسطورة أممية قادمة لا محال ، فبعد استشهاد بعام ، أصبحت الرؤية أكثر وضوحاً و بصماته أكثر شهرةً للقاصي والداني ، صار الجميع يحكي عنه ، رغم الإختلاف في إن ما فعله كان إرهاباً أم مقاومةً .
لكنني سأتجاوز الآراء لكي أتكلم عن رأيي ، كان عماد مغنية أسطورةً من طراز آخر لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث ، كان الحديث كثيرٌ عنه ، حيث لم تحصل مصيبة في العالم إلا واتهم فيها ، ولم يسمع دوي انفجارٍ في مكانٍ ما إلا وارتبط إسمه به ، وسر الإتهامات هو سر النجاح .
لم يكن عماد مغنية باحثاً عن شهرة بل كان صاحب قضية ، ومخطئٌ من يشبهه بأسامة بن لادن ، فأسامة بن لادن ظهر للعلن وأعلن عن مسئوليته عن عملياتٍ ما حصلت في العالم ، بينما بقي "مغنية" خلف الستار يعمل بجد ، ويرهق عدوه ويكبده خسائر فادحة .
لم تعلم له صورة ، إلا صورة أو اثنتان لستا صالحتين لأجهزة الاستخبارات إذ يعود تاريخهما إلى ربع قرن مضى ، كما ولم يكن البحث خلفه قانونياً مجدياً ، مع رجلٍ ليس له أثر في القيد السكاني التابع للدولة اللبنانية ، والحديث كله يدور عن جوازات سفر كثيرة لبلدان عدة وبأسماء ووظائف مختلفة .
كان عماد مغنية ، الرجل اللغز قد حول الدول المجاورة إلى أحزمة أمنية يستطيع العمل فيها وقت ما يشاء ، وليس خفياً على المتابعين إنه كان له يد ضاربة في العراق من بعد الـ 2003 ، كما يحكى عن آثاره في فلسطين ومقاومتها التي مدها بالخطط والأسلحة وصنع لها أنفاق أمان ، تحمي القيادات عن الاستهداف ، وما شاهدناه جميعاً في حرب غزة لم يكن بمنأى عن هذا الرجل .
إن كان جيفارا اشتهر بعداءه للإمبريالية وسعي لتكبيدها أكبر الخسائر باحثاً عن الثورة في أماكن عديدة من العالم ، فإن عماد مغنية الذي لم يعرفه العالم حق معرفته ، قد كبد الإمبريالية وقوى الإستكبار العالمي أكبر الخسائر وأفدحها ، بدءاً بمقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور 1982 ومروراً بالسفارة الأمريكية ومقر المارينز وقوات المظليين الفرنسيين ، وذهاباً إلى طائرة "التي دبليو إي" وسفارتي أمريكا وفرنسا في الكويت ، و مقر السفارة والصهيونية و المركز الصهيوني في بوينس آيرس ، ذهاباً إلى تركيا واستهدافه للمصالح البريطانية ، وانتهاءً بالعراق وتأسيسه لحركات المقاومة فيها .
طبعاً كل ما قام به من عمليات خارجية تبقى في كف ، وفي الكف الأخرى كل هذا الكم الهائل من القدرة القتالية الإعجازية والأسطورية في المقاومة اللبنانية والفلسطينية على السواء .
لم يكن باحثاً عن شهرة ولم يطلب من أحد أن يقدم له حمايةً مقابل عملٍ ما ، كان يعمل ويعمل ، أحس العدو به بل وتوجع من ضرباته مرات ومرات ، حين تحدثت قناة السي إن إن الأمريكية في حرب تموز وقالت إن عماد مغنية "أخطر رجل على وجه الكون" لم تكن لتبالغ وتصنع منه غولاً ، بل كانت تعبر عن خوفٍ حقيقي في صفوف القوى الإمبريالية التي طالما أرهقها وفتك بها ، وآلمها .

من الذي اغتاله وكيف ؟
سؤال صار عمره عام ، نبحث فيه عن الطريقة لا عن القاتل ، فمنذ اليوم الأول واللحظات الأولى لاستشهاده بتنا واثقين إن اليد التي امتدت لتغتاله لم تكن إلا "صهيو أمريكية" وبالفعل هذه المقولة تتأكد ، ولكن كيف نالوا منه ولماذا دمشق.

المعنويات في حزب الله :
لا شك إن حزب الله أصيب في استشهاده بضربة قرب الرأس كادت أن تؤدي بهرمه العسكري لو لا التماسك والعض على الجرح العميق ، لكن المثل القائل "إن الضربة التي لا تقتلك تقويك" ليس ببعيدٍ عن حزب الله الذي أثبت ويثبت كل يوم أنه حزب إذا سقطت له رآية ، فاجأ العالم برايات أكثر علواً وشموخاً .













15 فبراير, 2009 05:36 م