
لا أعتقد بأن أحداً يختلف معي في إن هموم هذا الوطن وصلت إلى مرحلةٍ جعلتنا نستذكر التسعينات وأهوالها ، حينها كانت القبضة الأمنية قد انتشرت بعد هدوء نسبي في 89 استمر حتى منتصف الـ 94 ، ولكن هذا الهدوء شهد أعلى سطوة للمؤسسة الأمنية في كل المجالات ، بدأت تترجم لاحقاً بسلسلة اعتقالات مبرمجة وغير مبرمجة للرموز وللأبرياء .
حينها كان الناس يستصرخون الضمائر باحثين عن لقمة العيش ، وباحثين عن إحقاق الحق ، وباحثين عن متنفسٍ يتكلمون فيه من دون رقابة أمن الدولة ، كانت الناس قد توجت احتجاجاتها السبعينية والثمانينية فيما سمي بأحداث التسعينيات التي كانت الأعنف بوصف الغالبية ، في التاريخ السياسي المعاصر لهذه الجزيرة الصغيرة حجماً التي لا تكاد تبين على الخارطة ولكنها الكبيرة والمثقلة بالأحداث العاصفة .
كان لابد حينها من نهاية ، من خاتمةٍ لهذه الأحداث لايشعر فيها أحد بالنصر ولا آخر بالهزيمة ، فأتى الأمر بإخلاء السجون من السجناء السياسيين ، وعودة المبعدين ، و توجت ما كانت تمسى العملية الإصلاحية بما عرف بميثاق العمل الوطني الذي صوت عليه الشعب بنسبة 98.4% (بنعم) بينما بقيت هناك فئة تمثل 1.6% قالت (لا) .
كان القليلون هم الذين وقفوا عكس التيار وصوتوا بلا ، وكانوا منقسمين إلى أقسامٍ عدة لا داعي لشرحها الآن حيث كل جهة كانت صوتت بلا لأسباب مقنعة لذاتها ، المهم إنه مضى العام الربيعي الذي عرف فيه بالحرية ، استنشق البحرينيون حينها طعماً لم يعهدوه منذ مدة ، نسوا كل الجراحات وتناسوها ليحملوا سيارة الأمير (آنذاك) على أكتافهم في سترة التي كانت أكثر المناطق التي عانت ولازالت تعاني الحرمان والتمييز .
عامٌ ربيعي ، انقلبت فيه السلطة بعد ذلك على مواثيقها معلنةً عهداً جديداً قامت المعارضة فيه بمقاطعة الإنتخابات النيابية ، بينما كان هناك انقسام حاد على مستوى القيادة في مسألة المقاطعة ، كان هناك غضبٌ شعبي على السلطة ، حيث استلم الشارع قرار المقاطعة برضىً نسبي .
لكن ماذا بعد ؟
بدأت المعارضة بالإنقسام على نفسها ، وبالتحديد داخل تيار أكبر مؤسسة سياسية (الوفاق) ، حيث بانت تباشير المشاركة في 2006 ، فما كان من البعض إلا أن يقدموا استقالاتهم في 2005 ، وينشق الصف فعلاً .
وافقت الوفاق على قانون الجمعيات السياسية وتم التسجيل تحت ظل هذا القانون ورحمته ، بينما اتخذ المنشقون خياراً آخر ، عبر تأسيسهم حركة –غير مرخصة رسمياً- سميت بحركة حق ، وانضمت إليها قيادات وباركتها أخرى ، بينما بقي رجال الدين (أغلبهم) حذرين من تأييدها العلني ، لعدم وجود "غطاء شرعي" لها ، وكأنها حركة لقيطة لا يريد أحد تبنيها ، لكن وبعد أن شاركت الوفاق في الإنتخابات –من دون مكسب سياسي أو تنازل من السلطة- بدى الفشل ذريعاً وبدى العمل في المجلس النيابي أبطأ من السلحفاة ، بل متوقفاً وعاجزاً عن حلحلة أي ملف أساسي أصلاً ، من التجنيس للتعديل الدستوري وقانون الإنتخاب ، وبطالة وإسكان وتعديل أجور وصولاً إلى الحريات وقوانين مقيدة للصحافة .
بدأت الحريات بالتراجع ، وبدأت السلطة باستعادة الهيبة الأمنية ، بينما في الطرف المقابل تعلن الوفاق عجزها عن تحريك الملفات ، وحركة حق آخذة في النمو على أشلاء الفشل النيابي وتذمر الناس ، في حين بدأ رجال الدين يعبرون صراحةً عن تذمرهم الشديد لما آلت إليه الأوضاع .
وانفجرت الأوضاع
انفجرت الأوضاع رسمياً منذ ديسمبر الـ 2007 ، فما حصل لعلي جاسم وقصة الجيب مسروق السلاح ومسرحية العسكري بخش التي راكمت المعتقلين ، أعلنت رسمياً دخول البلد في وضع أمني شبيه بقانون أمن الدولة ، لكن الوفاق حاولت لملمة الأوراق وتهدئة الشارع ، ونجحت فعلاً في ذلك ، إلا أنها تلقت صدمة اعتقال مشيمع والمقداد في يناير الـ2009 كخبرٍ مر لا يمكنهم تجاوزه ، في ظل كل المعطيات السابقة ، وزاد الطين بلةً قرار وزارة العدل بالتحكم في المساجد والخطباء وأئمة المساجد ، ما فجر البلد وأنفذ القيادات الدينية الرفيعة صبرها ، فخرجت عن صمتها بتحريم اتباع قرارات وزارة العدل ، وبدأت تدعو إلى لجنة حوار لا تفتح قبل إطلاق سراح مشيمع والمقداد .
تتوالى الأحداث على البحرين ككرة ثلج ، ولا أرى فيها إلا نفقاً مظلماً نسير فيه ، ولا يمكننا استشراف الضوء ونحن داخله ، إذ يبدو الضوء بعيداً
استمرار التوتر
لا يمكن اعتبار استدعاء الناشطة "غادة جمشير" أمراً بسيطاً ، خصوصاً ما كتبته بشأن إعلان وزير الداخلية لها عن أن الحرب مع الشيعة ، هكذا وعلى البلاطة كما يقولون ، عبر سعادة الوزير عن الطرف الذي يحاربه ويستهدفه ، فيما في السابق أكد إن اعتقال مشيمع هو جبراً لخاطر سعادة الوزير الذي طالما سمع كلام مشيمع عنه ، ودعوته إياه بالإستقالة والرحيل .
إذاً ، فقد أعلنت السلطة تبنيها القبضة الحديدية ، وهي تستهدف الشيعة كما فعلت في التسعينيات فقط لكي تبعد شبح الهيئة الخمسينية عن مخيلتها ، وشبح التوحد السني الشيعي الذي قد يودي بها ، وها نحن مقبلين على مرحلة أمنية سنشهد فيها اعتقالات وانتهاكات لحقوق الإنسان ، ولكن على المعنيين أن يعلموا إن التسعينيات وظروفها مختلفة عن الألفية هذه وظروفها ، فلا يمكن لأي إشكال بسيط أن يغطى ويجرى التعتيم عليه ، إذ أنه يصل في اليوم الثاني إلى العالم ، عبر وسائل مختلفة وتقنيات متعددة للإتصالات ، لكننا عالقون يا إخوان في القبضة الأمنية التسعينية ، فأهلاً وسهلاً بقانون أمن الدولة الحديث .











تراهم معروفين بالعنف الشديد اللامبرر




18 فبراير, 2009 09:54 م