
جالساً في المقهى أحدق في وجوه المارة والجالسين ، ألتفت يمنةً ويسرى ، يكاد الجو يخنقني لأعود أدراجي كالعادة إلى الشقة وأجلس على اللابتوب متنقلاً بين المواقع المختلفة ، فإذا بسعيدة الحظ التي راقتني منذ النظرة الأولى تدخل المقهى معلنةً عن انتهاء الملل في قلبي والسأم من على عيني .
أحدق فيها ملياً ، تملك سحراً ليس كأي سحر ، جميلةً لا توصف ويكاد لا يختلف اثنين على جمالها الذي يُلمح من بعيد ، تجلس –ويالسعادة حظي- في الطاولة المقابلة لطاولتي ، أنظر إليها فتنظر هي الأخرى إلي ، بابتسامةٍ عفيفة هادئة وادعة ، أقول في نفسي إن حظي العاثر قد انتهى أخيراً وكيف انتهى ، بفتاةٍ يتمنى أن يتعرف إليها أو يصادقها أي شخصٍ يلاقيها ، لكن الجرأة تنقصني في الكلام ، فأكتفي بالنظرات وأجلس على الطاولة حتى يأتيني أصدقائي المزعجون وينهون رحلة الغزل بالنظرات ، ويبدأون سلسلةً من النقاشات السقيمة أو النكات السخيفة .
أجاريهم وبالي ليس معهم ، فسرعان ما يكتشفون وجود خللٍ ما ليستنتجوا سريعاً وبسرعة البديهة التي نزلت عليهم دفعةً واحدة ، إن تركيزي في مكانٍ آخر ، فيبدأون الضحكات الساخرة ، وما هي إلا لحظات (لم أكن لأحتسب الزمن حينها فالزمن المنقضي بالنظر إلى جمالها ليس من العمر) حتى همت بالمغادرة فهم قلبي معها ، تشجعت فجأةً ، وقمت من مقعدي مسرعاً إلى باب المقهى خلفها ، أريد محادثتها وكأن الشجاعة التي لم تمتلكني سنين طويلة قد أتت جبراً علي تلزمني على اللحاق بها وعدم تفويت الفرصة ، لكني عندما اقتربت منها وهي كانت تنتظر "الركشة" عربة الأجرة ، حتى جبنت كالعادة واكتفيت بالتحديق ، وما إن ركبت حتى التفت إلي ورأتني وابتسمت لي .
سارت مسرعةً إلى مكانٍ ما ، كنت لم أتردد في توصيلها على دراجتي النارية إن هي طلبت مني ذلك ، وظللت ألوم نفسي وجبني ، وسرعان ما اتخذت قراري المصيري ، فإن أتت مرةً أخرى سأحدثها مباشرةً وأعرب لها عن افتتاني بها وإعجابي لها ولن أتردد لحظةً ولن أضيع فرصةً .
تمر ثلاث ليالٍ طوال ، وتكاد صورتها المحفورة في عقلي لا تفارقني ، وفجأةً ومن دون موعد وأنا على دراجتي النارية ألمحها وكانها هي بذات وجهها الجميل ، تدخل "برادة" على الشارع العام ، أسرع في الإستدارة مخالفاً الأنظمة المرورية وأسير في المسار الخاطئ ، أوقف دراجتي النارية وأدخل مسرعاً "البرادة" لكني أفاجأ في أنها ترافق اثنتين من صديقاتها ، لا ضير في ذلك سأحدثها -أقول في نفسي- لكني سرعان ما أعدل عن الأمر حين أرى صديقهم يدخل منضماً إليهم ، فأطلب من العامل علبة سجائر –لم أكن في حاجة إليها- أدفع إليه أموالي بخيبة أمل كبيرة وأغادر .
*بعد شهر
داخلٌ إلى المقهى فإذا بها تقف في نهايته محدقةً بي وتؤشر علي بيديها الثنتين ، أكاد لا أصدق نفسي ، هل صارالإعجاب متبادلاً من الطرفين ، أيعقل أنها لم تنساني مذ ذلك اليوم ؟
لكني أسير باتجاهها من دون ردة فعل ، أراها لا تتوقف من التأشير وتدعوني للإنضمام إليها –بلغة فارسية أجيدها وأتقنها- فسرعان ما تعمل البديهة عملها معي ، من أين عرفت إني أجيد وأتقن الفارسية ، وأنا ملامحي عربية بالدرجة الأولى ، ألتفت إلى الوراء لأرى صديقتها قد رأتها أخيراً وهي تأتي إليها مسرعةً خلفي وباتجاهها ، فأدخل إلى "الكاشير" أطلب كوب قهوةً مرة ، آخذه وأبحث عن مكانٍ لا يغيبها عن ناظري لكني لا أفلح أبداً .
*عند باب الصراف
داخلاً إلى الصراف الآلي ، بحاجة إلى نقود وأريد أن أتأكد إن نزلت الحوالة الشهرية أم لا ، فجأةً أنسى كل شيء ، وألمحها داخل الصراف ، أدخل مسرعاً وأقف ، لم يكن أحدٌ معنا في الصراف سوى رجل الأمن الخاص بحماية الصراف الآلي ، أنظر إليها تحاول وتحاول غير قادرة على سحب أي مبلغٍ من المال ، فأبادرها على حين غفلة وكأنني أريد محادثتها لأي سبب كان ، وأسألها هل الآلة خالية من النقود ، فتجيبني بيأس إن بطاقتها تعاني من خلل في "المغناطيس" الذي يقرأ رقم البطاقة ، أحاول مساعدتها بخبرتي المعهودة مرةً ومرتين وثلاث وأربع ، لا أعلم كم مرةٍ حاولت إلا أنني في النهاية استطعت أن أجبر الصراف الآلي على قراءة البطاقة .
*بعد أشهر طويلة
كدت أنسى وجهها اللطيف وكلامها الناعم ، لم نكن قد تبادلنا الأرقام حين قابلتها في الصراف الآلي ، لم نتحدث في شيء ، وما أتذكره شكرٌ مبالغ فيه واختفاء ، بعد آخر مرة شاهدتها في الصراف ، سافرت إلى البحرين وجلست فيها حوالي الشهرين وعدت ، كان قد مضى على رؤيتي لها أشهر طويلة ، حتى خلتها اختفت من ذاكرتي ، لكنها فضلت الرجوع ، في تلك الليلة المزدحمة بالمواقف .
كانت ليلة أحد ، أي إجازة رسمية والمقهى الذي يجاورني قد اكتض بالمتهيأين للإلتحاق بالحفلات الماجنة في المنطقة ، وكعادتي فإن ليلة الإجازة هي شيئين لا أكثر ، مشاهدة للمباريات في الشقة وجلوس في المقهى المجاور .
كنت جالساً مع الشباب فإذا بالحظ يطرق بابي مجدداً ، دخلت الحسناء على حين غرةٍ المقهى وكأنها تبحث عن شخصٍ محدد ، وما إن وقعت عيناها علي حتى شبه لي إنها قد رأت الفانوس السحري الذي سيحقق لها أمانيها ، جاءت مبتسمةً مسرعةً لي ، سلمت علي وعلى الحاضرين وطلبت مني الخروج معها عند باب المقهى ، كنت في حالةٍ خرافيةٍ لا توصف ، أكاد لا أصدق نفسي فقد ابتسم الحظ لي أخيراً ، خرجت معها مسرعاً وأنا في الطريق الذي هو بضع أمتارٍ قليلة أفكر في هل أنها تنوي دعوتي على عشاء أو إلى حفلة أو أو أو .
عندما خرجنا كانت محرجةً في البدء بالكلام ، لف الصمتُ الموقف لبرهة ، لكنها نطقت أخيراً برقتها المعهودة ، وخاطبتني قائلةً : لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف ، وأنا محرجة للغاية ، لكن هل تستطيع أن تحاول معي في سحب مبلغٍ من الصراف الآلي ؟
ذهلت وكدت أنفجر ضاحكاً وأجبتها : بكل سرور .
هذه المرة كانت الخبرة أقوى من أن تلزمني بطاقة صرافٍ آلي المحاولة معها مراتٍ ومرات ، لم يستغرق الأمر دقيقتين ، وكان لها ما أرادت ، شكرتني وخرجنا من الصراف متوجهين إلى المقهى ، وبدأت تتحدث لي عن ضغط الإختبارات وكيف أنها لا تخرج من شقتها إلا في المناسبات كليلة الأحد وما شابه ، وهي تدردش معي ، رن هاتفها فأجابت المتصل بأنها تنتظره عند باب المقهى وأقفلت (لم أميز جنس المتصل) ، وواصلنا حديثنا الذي لم يطل أكثر من 10 دقائق ، وإذا بشابٍ على دراجة نارية ، قادمٌ باتجاهنا ، ترجل من الدراجة وأتاني مسرعاً ، فعرفتني عليه "فلان ، حبيبي" حينها ابتلعت ريقي بابتسامةٍ باهتة وصافحته ، كان فرحاً هو الآخر بملاقاتي ، وكأنني كنزٌ ثمين لا أعوض ، جاملته واستئذنتهم ، ومذ ذلك الوقت وأنا لم أرها ، أو قد رأيتها لكني تجاهلت وجودها ، أو قد رأيتها ولم أميزها ، أو قد رأيتها وميزتها لكن قلبي كان قد فقدها ، لتنتهي قصة غزلٍ عفيف ، دام أشهر .














13 مارس, 2009 11:56 ص