عندما يفرض عليك المجتمع قناعات وأفكار وأكثر من ذلك ، عندما تُقَيَد حريتك ، فقط لأن والدك رجل دين ، فالوضع يبدو سيئاً

لعل
أكثر ما تواجهني من صعوبات نفسية وليست صعوبات عملية ، هي مسألة إنني ابن رجل دين
.
لنكن
واضحين ، أنا أفتخر بتاريخي وبوالدي وبكوني ابن رجل دين ، ولست متنكراً لا لحياتي التي
عشت 13 عاماً منها على أرض إيران ، وعامين في الكويت (وعشان لا يزعلوا الربع)
وسبعاً في البحرين ، وواحدة في الهند (للدراسة) .
ولا
أريد التحدث من هذه الزاوية كي لا يسيء فهمي أحد ، ولا يذهب البعض للتحليل من
زوايا أنا لم أقصدها أساساً .
كنت
أقول لأصدقائي ، ولازلت أقول "إنني انتزعت حريتي في حربٍ ضروس ، امتدت سنوات كي
أصل إلى ما أصبو" ، ربما يقدروا كلامي ولكن بالطبع لم يستطيعوا الشعور بما
أنا أشعر به ، والمشكلة إنني لازلت مكبلاً في هذه الوضعية التي خلقت عليها ،
فالوضعية الإجتماعية تحتم علي دائماً ان أراعي إن والدي رجل دين ، والأمر يتطلب
ضوابط دينية وأخلاقية إن صح التعبير ، قبل أي شيءٍ آخر .
لازلت
أذكر ، إنني في يومٍ من الأيام وكنت مدعواً لحضور "بركة سباحة" في تلك
الأيام الصيفية الحارة ، وعلى حسب تعبيرنا المجتمعي ، كانت هذه البركة (للمطاوعة)
أو الملتزمين دينياً مع تحفظي الكبير على هذه العبارة ، عموماً وكي لا أطيل ، ذهبت
للبركة كأي شخص عادي بملابس رياضية كالعادة ، وأنا في البركة مستعتمعٌ بالماء الذي
يبعدني عن الرطوبة المقيتة ، فإذا بأحد الإخوة المتواجدين في البركة يدعوني إلى
الزاوية للحديث في شأن خاص ، ذهبت تلبية للطلب فكلمني عن سبب لبسي الغير ملتزم ،
لم أفهم قصده ، فقال لي شارحاً إنه من الأفضل المجيء بملابس تستر الركبة فهي جزء
من العورة ، ودخلنا في نقاش ديني وعرفي ، لم ننته منه بمحصلة تذكر ، سوى إصرار كل
واحدٍ منا على رأيه ، وفي نهاية المطاف صعقني بالحجة الأقوى والأعنف التي لديه
والتي اعتبرها سلاحاً فتاكاً فقال مستهجناً ومستنكراً "ولكن أبوك شيخ" ،
ابتسمت له وقلت له إن مستوى التفكير هذا يبعدني عن جو النقاش إلى جو الهزل والمزاح
، ورحلت عنه .
الأمر
ذاته حصل معي في نقاشات عقيمة كثيرة عن التدخين ، فبعد النقاش العلمي والصحي ،
والإتيان بالحجج التي لم تقنعني بل تزيدني إصراراً (بكوني محاجج شرس هههه) ، ينتقل
المجادل إلى الرأي الفقهي فأصرعه لوجود خلافات كثيرة في الآراء الفقهية وكلٌ يعتمد
على مجتهده ويعمل بتكليفه الشرعي ، لتكون الخاتمة الكلمة المعهودة والموعودة
والمنتظرة "ولكن إنت أبوك شيخ" .
أذكر
أيام زمان ، في بداية مشواري الصحفي الذي انتهى مبكراً ، بعد سنة تقريباً ، حينما
التحقت بالأيام ، كنت حينها أعمل في قسم مسئولتي فيه الأخت والصديقة التي أعتز بها
كثيراً "لميس ضيف" ، وفي زيارة لي لأحد رجال الدين والسياسة البارزين ،
سألني عن مكان عملي فأخبرته بالتحاقي بالأيام ، فبدأ بالتحدث عن حكومية الصحيفة
ومواقفها المسيئة .....الخ ، وبعد ذلك سألني عن مسئولتي فأجبته بأنها الصحفية لميس
ضيف .
كان
يبدو عليه إنه غير مطلع على الصحافة المحلية بكثرة ، فسألني "أهي
محجبة؟" أجبته "نعم" فقال : الحمد لله ، وانتهى حديثه بالدعاء لي
بالهداية والتأكيد على إنني علي الإنتباه من الوقوع في المنزلقات وخصوصاً وإنني
ابن رجل دين ، ونشأتي دينية بامتياز .
المسألة
، لو كانت بهذا الحجم ، لما آلمتني مراراً وتكراراً ، ولما جعلتني أفكر فيها ليل
نهار ، في كثير من الأوقات ، لكن المشكلة حين تكبل حريتي الفكرية ومعتقداتي وآرائي
، ويكمم فاهي ، لأن أبي رجل دين .
فتارةً
أكتب كلاماً لايعجب فلان من الناس ، فيبادرون بالإتصال بالوالد العزيز ، لتبيان
استنكارهم الشديد لما أكتب ، ليكون الوالد في موقف حرج لا يحسد عليه ، فيبادر بمهاتفتي
لتغيير الموقف ، للتوقف عن الكتابة في شأن ما أو عدم إقحام شخصيات معينة لها أدوار
مجتمعية ، في شئون معينة ومن زاوية أريد إيضاحها للعالم .
هنا
، يكون أمر إن والدك رجل دين ، نقمة عليك لا نعمة ، أو كما يصورها البعض ، معارف
وقد تكون وجاهة أو تواصل أو معلومات أو أي من هذا القبيل ، حينها تلعن الساعة التي
ولدت فيها وأصبحت ابناً لرجل دين .
أعلم
إن ما أكتبه قد يكون سلبياً في مردوده علي ، وأنا لست هنا في وارد الإعتراض على
المشيئة الإلهية التي خلقتني هكذا ، وأعرف إنني من واجبي تفهم الموقف ، ولكن يا
أحبة ، كل أمر وله حدوده ، فحينما أرى وأنا على مقربة من إنهاء 21 عاماً والدخول
في العام الـ 22 من عمري ، إنه لازال أشخاص يحكمون عليك من نظرتهم لوالدك ،
ويريدونك طبق الأصل كما أبيك ، ولازال هناك أشخاص يستغلون هذا الوضع في تكبيلك
وتكبيل حريتك ، ولازال هناك حمقى يتكلمون وكأنهم أنبياء الله المرسلين ويريدون
تطبيق الشريعة الإسلامية ، ويرون فيك الفاسق الفاجر المبتعد عن الدين وعن المذهب ،
فقط لأنك تدخن .
حينما
أرى هذه النماذج بأم عيني ، أكره الدنيا ساعتها ، وأدعوا الله أن يأخذ أمانته
سريعاً ويخلصني من الجحيم الذي أنا فيه .
نهاية
، أدعو للجميع طولة العمر ، وكل يوم وكل ساعة أتوصل لقناعة مفادها إن وجودي في هذا
الكون بمشيئة إلهية ، لكنني لست عبداً لأحد ولا موظفاً عند فئة ، ولا أطبق آراء
أحد فقط لأنه يستفزني بمثل هذا الكلام ، ولا أكترث كثيراً بحكم الناس علي ، من
سيرة والدي وطبيعة حياته وبكونه رجل دين .
نعم
أنا أفتخر بوالدي كثيراً ، وأحبه أكثر ، وفقط الله يعلم حجم هذه المحبة والمفخرة ،
لكننا مختلفين ، فلا يمكن لعقل بشري أن يتطابق مع عقل آخر ، والإختلاف سنة الحياة
، وإنني متأكد إن مجرد تطابق أفكاري بالكامل مع أي أحد (والدي أو غيره) هو خطأ علي
الإنتباه له .
فضفضت
كثيراً في استراحة الجمعة اليوم ، فاعذروني
كل
الود والمحبة لكم جميعاً
--------------------------------------------------------
خبر
لقد
غادر الوالد أرض الوطن متجهاً إلى العراق ، وهو الآن في كربلاء المقدسة ، ويعتزم
أيضاً زيارة النجف الأشرف ، وسيعود إلى أرض الوطن في الثامن من مارس/آذار الحالي ،
وقد حاولت الإتصال به جاهداً إلا أن الخطوط العراقية تعاني من مشاكل متعددة ،
دعواتي ودعواتكم للوالد ولكل زائرين أبي عبدالله الحسين وعلي بن أبي طالب ،
بالرجوع إلى أوطانهم سالمين غانمين .