لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

غزل عفيف

وهل ستخطئها الكاميرا؟
 

جالساً في المقهى أحدق في وجوه المارة والجالسين ، ألتفت يمنةً ويسرى ، يكاد الجو يخنقني لأعود أدراجي كالعادة إلى الشقة وأجلس على اللابتوب متنقلاً بين المواقع المختلفة ، فإذا بسعيدة الحظ التي راقتني منذ النظرة الأولى تدخل المقهى معلنةً عن انتهاء الملل في قلبي والسأم من على عيني .

أحدق فيها ملياً ، تملك سحراً ليس كأي سحر ، جميلةً لا توصف ويكاد لا يختلف اثنين على جمالها الذي يُلمح من بعيد ، تجلس –ويالسعادة حظي- في الطاولة المقابلة لطاولتي ، أنظر إليها فتنظر هي الأخرى إلي ، بابتسامةٍ عفيفة هادئة وادعة ، أقول في نفسي إن حظي العاثر قد انتهى أخيراً وكيف انتهى ، بفتاةٍ يتمنى أن يتعرف إليها أو يصادقها أي شخصٍ يلاقيها ، لكن الجرأة تنقصني في الكلام ، فأكتفي بالنظرات وأجلس على الطاولة حتى يأتيني أصدقائي المزعجون وينهون رحلة الغزل بالنظرات ، ويبدأون سلسلةً من النقاشات السقيمة أو النكات السخيفة .

أجاريهم وبالي ليس معهم ، فسرعان ما يكتشفون وجود خللٍ ما ليستنتجوا سريعاً وبسرعة البديهة التي نزلت عليهم دفعةً واحدة ، إن تركيزي في مكانٍ آخر ، فيبدأون الضحكات الساخرة ، وما هي إلا لحظات (لم أكن لأحتسب الزمن حينها فالزمن المنقضي بالنظر إلى جمالها ليس من العمر) حتى همت بالمغادرة فهم قلبي معها ، تشجعت فجأةً ، وقمت من مقعدي مسرعاً إلى باب المقهى خلفها ، أريد محادثتها وكأن الشجاعة التي لم تمتلكني سنين طويلة قد أتت جبراً علي تلزمني على اللحاق بها وعدم تفويت الفرصة ، لكني عندما اقتربت منها وهي كانت تنتظر "الركشة" عربة الأجرة ، حتى جبنت كالعادة واكتفيت بالتحديق ، وما إن ركبت حتى التفت إلي ورأتني وابتسمت لي .

سارت مسرعةً إلى مكانٍ ما ، كنت لم أتردد في توصيلها على دراجتي النارية إن هي طلبت مني ذلك ، وظللت ألوم نفسي وجبني ، وسرعان ما اتخذت قراري المصيري ، فإن أتت مرةً أخرى سأحدثها مباشرةً وأعرب لها عن افتتاني بها وإعجابي لها ولن أتردد لحظةً ولن أضيع فرصةً .

تمر ثلاث ليالٍ طوال ، وتكاد صورتها المحفورة في عقلي لا تفارقني ، وفجأةً ومن دون موعد وأنا على دراجتي النارية ألمحها وكانها هي بذات وجهها الجميل ، تدخل "برادة" على الشارع العام ، أسرع في الإستدارة مخالفاً الأنظمة المرورية وأسير في المسار الخاطئ ، أوقف دراجتي النارية وأدخل مسرعاً "البرادة" لكني أفاجأ في أنها ترافق اثنتين من صديقاتها ، لا ضير في ذلك سأحدثها  -أقول في نفسي- لكني سرعان ما أعدل عن الأمر حين أرى صديقهم يدخل منضماً إليهم ، فأطلب من العامل علبة سجائر –لم أكن في حاجة إليها- أدفع إليه أموالي بخيبة أمل كبيرة وأغادر .

*بعد شهر

داخلٌ إلى المقهى فإذا بها تقف في نهايته محدقةً بي وتؤشر علي بيديها الثنتين ، أكاد لا أصدق نفسي ، هل صارالإعجاب متبادلاً من الطرفين ، أيعقل أنها لم تنساني مذ ذلك اليوم ؟

لكني أسير باتجاهها من دون ردة فعل ، أراها لا تتوقف من التأشير وتدعوني للإنضمام إليها –بلغة فارسية أجيدها وأتقنها- فسرعان ما تعمل البديهة عملها معي ، من أين عرفت إني أجيد وأتقن الفارسية ، وأنا ملامحي عربية بالدرجة الأولى ، ألتفت إلى الوراء لأرى صديقتها قد رأتها أخيراً وهي تأتي إليها مسرعةً خلفي وباتجاهها ، فأدخل إلى "الكاشير" أطلب كوب قهوةً مرة ، آخذه وأبحث عن مكانٍ لا يغيبها عن ناظري لكني لا أفلح أبداً .

 

*عند باب الصراف

داخلاً إلى الصراف الآلي ، بحاجة إلى نقود وأريد أن أتأكد إن نزلت الحوالة الشهرية أم لا ، فجأةً أنسى كل شيء ، وألمحها داخل الصراف ، أدخل مسرعاً وأقف ، لم يكن أحدٌ معنا في الصراف سوى رجل الأمن الخاص بحماية الصراف الآلي ، أنظر إليها تحاول وتحاول غير قادرة على سحب أي مبلغٍ من المال ، فأبادرها على حين غفلة وكأنني أريد محادثتها لأي سبب كان ، وأسألها هل الآلة خالية من النقود ، فتجيبني بيأس إن بطاقتها تعاني من خلل في "المغناطيس" الذي يقرأ رقم البطاقة ، أحاول مساعدتها بخبرتي المعهودة مرةً ومرتين وثلاث وأربع ، لا أعلم كم مرةٍ حاولت إلا أنني في النهاية استطعت أن أجبر الصراف الآلي على قراءة البطاقة .

*بعد أشهر طويلة

كدت أنسى وجهها اللطيف وكلامها الناعم ، لم نكن قد تبادلنا الأرقام حين قابلتها في الصراف الآلي ، لم نتحدث في شيء ، وما أتذكره شكرٌ مبالغ فيه واختفاء ، بعد آخر مرة شاهدتها في الصراف ، سافرت إلى البحرين وجلست فيها حوالي الشهرين وعدت ، كان قد مضى على رؤيتي لها أشهر طويلة ، حتى خلتها اختفت من ذاكرتي ، لكنها فضلت الرجوع ، في تلك الليلة المزدحمة بالمواقف .

كانت ليلة أحد ، أي إجازة رسمية والمقهى الذي يجاورني قد اكتض بالمتهيأين للإلتحاق بالحفلات الماجنة في المنطقة ، وكعادتي فإن ليلة الإجازة هي شيئين لا أكثر ، مشاهدة للمباريات في الشقة وجلوس في المقهى المجاور .

كنت جالساً مع الشباب فإذا بالحظ يطرق بابي مجدداً ، دخلت الحسناء على حين غرةٍ المقهى وكأنها تبحث عن شخصٍ محدد ، وما إن وقعت عيناها علي حتى شبه لي إنها قد رأت الفانوس السحري الذي سيحقق لها أمانيها ، جاءت مبتسمةً مسرعةً لي ، سلمت علي وعلى الحاضرين وطلبت مني الخروج معها عند باب المقهى ، كنت في حالةٍ خرافيةٍ لا توصف ، أكاد لا أصدق نفسي فقد ابتسم الحظ لي أخيراً ، خرجت معها مسرعاً وأنا في الطريق الذي هو بضع أمتارٍ قليلة أفكر في هل أنها تنوي دعوتي على عشاء أو إلى حفلة أو أو أو .

عندما خرجنا كانت محرجةً في البدء بالكلام ، لف الصمتُ الموقف لبرهة ، لكنها نطقت أخيراً برقتها المعهودة ، وخاطبتني قائلةً : لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف ، وأنا محرجة للغاية ، لكن هل تستطيع أن تحاول معي في سحب مبلغٍ من الصراف الآلي ؟

ذهلت وكدت أنفجر ضاحكاً وأجبتها : بكل سرور .

هذه المرة كانت الخبرة أقوى من أن تلزمني بطاقة صرافٍ آلي المحاولة معها مراتٍ ومرات ، لم يستغرق الأمر دقيقتين ، وكان لها ما أرادت ، شكرتني وخرجنا من الصراف متوجهين إلى المقهى ، وبدأت تتحدث لي عن ضغط الإختبارات وكيف أنها لا تخرج من شقتها إلا في المناسبات كليلة الأحد وما شابه ، وهي تدردش معي ، رن هاتفها فأجابت المتصل بأنها تنتظره عند باب المقهى وأقفلت (لم أميز جنس المتصل) ، وواصلنا حديثنا الذي لم يطل أكثر من 10 دقائق ، وإذا بشابٍ على دراجة نارية ، قادمٌ باتجاهنا ، ترجل من الدراجة وأتاني مسرعاً ، فعرفتني عليه "فلان ، حبيبي" حينها ابتلعت ريقي بابتسامةٍ باهتة وصافحته ، كان فرحاً هو الآخر بملاقاتي ، وكأنني كنزٌ ثمين لا أعوض ، جاملته واستئذنتهم ، ومذ ذلك الوقت وأنا لم أرها ، أو قد رأيتها لكني تجاهلت وجودها ، أو قد رأيتها ولم أميزها ، أو قد رأيتها وميزتها لكن قلبي كان قد فقدها ، لتنتهي قصة غزلٍ عفيف ، دام أشهر .

الروتين

يكاد لا يمر يومٌ في الهند علي إلا تكون مقاطعه الدرامية مشابهة لما قبله
عدسة "حسام أبو إصبع" تلتقطني غفلةً
مطعم في ولاية كيرلا-الهند نوفمبر2008
 

أجلس من نومي في أي وقتٍ أشاء ، فالوقت في الهند غير ثمين أو مقدس ، ومهما كانت إلتزاماتك ومواعيدك وتأخرت فالأمر دائماً في إطار العادي ، والعذر جاهزٌ (الإختناق المروري الغير طبيعي ، عطلٍ ما في دراجتك النارية ، عدم وجود وقود في المضخات الخاصة بالمحطات أو انقطاع الكهرباء عن هذه المحطات) والكثير الكثير من الأعذار المقبولة شعبياً هنا ، إضافةً إلى أن الشعب الهندي غير مقدِس للوقت فلا يسألك غالباً عن سبب تأخرك على الموعد إن حصل .

بعد أن أجلس من نومي ، أتوجه إلى الحمام بالتأكيد لغسل وجهي وفرك أسناني ، أخرج من الحمام مسرعاً بحثاً عن الغذاء الذي يصلني من المطعم يومياً عند الثانية عشرة ، آكل ما تيسر بسرعةٍ وعلى عجل ليس لأن الوقت مهم بل لأني لا أطيق الإنتظار كثيراً وأريد التدخين سريعاً وأنا لا أدخن قبل أن أكسر صومي بعد الإستيقاظ .

أتوجه إلى "اللابتوب" الصديق العزيز ورفيق الدرب في غربتي ، أفتح النافذة الأولى للتأكد من بريدي ، أدخل إسمي وكلمة المرور ولا أنتظر التحميل ، بل أذهب لصفحة ثانية وأفتح الفيسبوك ، وثالثة لأفتح المدونة ورابعة من دون هدف ، حيث أستخدمها بعد أن أنتهي من قراءة الرسائل الإلكترونية القادمة لي والتي لا تقل عن الـ 10 رسائل في أكثر الأيام جفاءً على المستوى الإلكتروني .

أطمئن إلى أحوال الفيسبوبك ، هل من صور جديدة ، أصدقاء جدد ، أحدٌ معلق أو يستحق التعليق ، لا أطيل المكوث ، فأذهب للمدونة أبحث عن ردود جديدة ، ومن بعدها يبدأ مشوار الصحف ، فأفتح صحيفة الأخبار اللبنانية ومن بعدها السفير اللبنانية أيضاً ، وما إن أنتهي منهما حتى أنظر إلى الساعة ، أدرك إن الوقت قد حان لأخذ "دُش معتبر" فأذهب لأستحم ، وأخرج من الحمام مسرعاً إلى دراجتي النارية التي تشكي عدم "التسخين" يومياً ، وقد تزعل علي قريباً  وتقرر التقاعد مؤقتاً عن خدمتي، لكنني لا أبالي ، أدير محركها منطلقاً إلى المحاضرة ، بعد المحاضرة أتوجه إلى شقةٍ قريبة لبعض الأصدقاء ، أمكث معهم لحين حلول الظلام ، ومع بداية الساعات الأولى من المساء وما بين السابعة والثامنة مساءً ، تكون وجهتي الشقة بالتأكيد .

أوقف دراجتي النارية في المكان المخصص لها ، وأتوجه بعدها مباشرةً للمقهى المجاور لنا ، أتخطرف قليلاً بحثاً عن فتاةٍ تستحق المعاكسة ، فلا أجدها عادةً وإن وجدتها فستكون بالتأكيد مع شخصٍ ما ، أربأ بالنفسي النظر إليها حينها ، بل أزهد فيها .

لا أمكث طويلاً في المقهى ، أطلب لي كوب قهوةٍ أو عصير (في هذه الأيام الحرارة غير طبيعية) وبعد الإنتهاء أعود أدراجي إلى الشقة ، أجلس مباشرةً على اللابتوب ، وكالمعتاد أعيد التأكد من رسائل جديدة ، الفيسبوك ، المدونة وجولة سريعة على أخواتها "مدونات الأشقاء والشقيقات طبعاً" ، بعدها أفتح نافذة الشات الخاصة بـ "المسنجر" أو "القوقل توك" مؤخراً بعد اقتراح مرهون الغير علماني .

أتسامر مع الأصحاب حتى أسأم من نفسي ومن التحدث إليهم ، أفارقهم وأجلس بصمت ، أستمع إلى موسيقى هادئة ، أشغل التلفاز بحثاً عن شيء يستحق المتابعة ، لا أجده عادةً ، فأغلقه متوجهاً ، لا أعلم الساعة تشير إلى ماذا ، كل ما في الأمر إن في الهند لا شيء مهم ، فالوقت غير مقدس ، ومعرفة الساعة حاجةٌ نادرة ، فأخلد في نومٍ عميق ، لأستيقظ في يومٍ آخر على نفس المنوال ونفس الروتين .

قليلٌ من البوح في عيد الحب

حين يصبح الغدر عنوان تجربة ما
 
 

لاشيء أجمل من الحب ، ولا مشاعر أرقى منه وأنبل ، فهو الشعور الحقيقي باللهفة والشوق ، لكنه طبعاً يصبح دون جدوى إن كان الطرف الآخر لا يتبادل هذه المشاعر معك .

لست ممن فاتهم القطار ، لكنني أيضاً لست من الذين يحبون الخوض في أمواج الحب المتلاطمة التي لا يعلم إلا الله إلى أين ستجرهم و ربما تفتك بهم .

ربما ما ذكرته الشقيقة "الدختورة" عبارتن ، قد شجعني قليلاً للبوح بما في داخلي وخاطري ، و ربما هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن هذا الموضوع ، لكنني بالتأكيد غير راغب في الدخول في التفاصيل كثيراً .

جذبتني "الدختورة" إلى تدوينتها حين تحدثت عني –في عيد الحب- قائلةً بأنني ضد الحب ، ما جعل شهيتي تنفتح للكتابة قبل أن أخلد لنومٍ عميق ، لأنني أكتب لكم و وجع الرأس لم يفارقني منذ فقت من نومي .

لست من الأشخاص الذين لم يجربوا الحب ، كما يعتقد كثيرون ، بل إنني جربت الحب طويلاً ، لكنني خدعت في نهاية الأمر ، بل طعنت وغدر بي ، ولست هنا في وارد الحديث عما جرى حينها ، ولست أفضل فتح ملفات الماضي ،وأنا الذي لم أحقد على أحدٍ يوماً ، بل تمنيت كل التوفيق لهذا الشخص ، على ما فعله بي ، وربما هو استحق اللعنة لفعلته حينها .

حين علمت بما حصل ، أحسست بإهانة ، كان الغضب والحزن يجتمعان في داخلي في آنٍ واحد ، وكنت أود الإنتقام لكبريائي الذي جرح حينها ، لكنني في نهاية المطاف وبعد أن هدأ غضبي ، قررت أن لا أحرك ساكناً ، وقررت أن أتعامل مع الموضوع كذكرى جميلة كانت لها نهاية غير سعيدة ، وأقنعت نفسي بأنني لم أفقد الشخص وأخسره بقدر ما هو خسرني وفقدني ، معتبراً إياه الخاسر وأنا المنتصر ، حيث لم يكن ليستحق هذا الشخص حبي وقلبي.

كثيرة هي المرات التي أتيح لي فيها تبادل مشاعري مع شخص آخر ، لكنني وبعد ما حصل لي قررت أن لا أخوض غمار الحب مجدداً ، فاستقلت مؤقتاً من الحب ، بانتظار من سوف يأتي يبادلني المشاعر ، حتى ذلك الحين ، ورغم الجرح العميق الذي خلفته لي طعنة الغدر تلك ، سأظل حذراً في التعاطي مع هذا الأمر ، وربما هذا هو السبب الذي يجعل علاقتي بـ "الجنس الآخر" لا تدوم ، حين لا يسمع مني الطرف الآخر الكلام الذي يريده ، وحين يكتشف صراحتي في إنني غير راغب في أكثر من صداقة بريئة ، وبعد التلميحات والتصريحات ، يمضي الطرف الآخر لأكون كعادتي في آخر المقطورة ، بعيداً عن الكثيرين .

لست حزيناً ، وليس الحزن يسكنني  ، فحتى الشخص الذي غدر بي جاءني صاغراً بعد مدة ، لكن تعاطي معه كان سلبياً لأبعد الحدود ، أحس فيها بالإهانة بل واعتبر ما قمت به انتقاماً منه ومن غدره وخيانته حينها .

لهذا لم يغطي الحزن مشاعري بل هي الحقيقة التي تعاملت معها منذ ذلك اليوم ، أن لا أخوض غمار هذه التجربة بإرادتي العقلية ، بل أدع الأمور تسير حتى يأتي ذلك الشخص الذي سيخفق قلبي عند رؤيته ، ليبقى عيد العشاق (عيد الحب) أو الرابع عشر من فبراير لا يعني لي أكثر من تاريخ أنتظره أن ينتهي لأمزق ورقته من على التقويم المعلق على الحائط بانتظار يومٍ جديد .

كل عام وأنتم بحب وعشق ومودة وسعادة ، لكم مني عناقات المحبة الكبرى . 

 

حسين مرهون ، من غير رتوش

مبتسماً كعادته
 

حسين مرهون ، من غير رتوش

 

فكرت كثيراً في عناوين براقة ، كـ (أكثر من صديق ، شقيق ليس كباقي الأشقاء ، لقاء مدوناتي مثير ، ...الخ ، إلا أنني لم أر هذه العناوين كلها تستطيع أن توفي حجم مرهون ، وما سأكتبه عنه ، وفي لحظة ما رأيت كل هذه العناوين منقوصة تنقص من شأن الشقيق العزيز ، لذا فضلت أن يبقى العنوان هو إسمه من غير رتوش ولا إضافات ، حيث يوفيه حقه ويعطيه حجمه ومكانته ووزنه الطبيعي والحقيقي .

 

اليوم : الأحد

التاريخ : 13 إبريل 2008

الساعة : 8 مساءً بتوقيت البحرين
الحدث : اتصال هاتفي من رقم غريب تابع لشركة زين (فودافون سابقاً)

 

صادف في ذلك اليوم إنني كنت جالسٌ مع الشباب ، أنظر إلى الهاتف المحمول قليلاً ، ثم أجيب ، مرحباً ، فيرد علي المتصل بصوت يحاول تأنيثه إلا أنه ذكر ، مرحبتين ، شلونك مجتبى ، فأرد التحية اثنتين ولم أكترث كثيراً ، حيث إنني كنت أنتظر اتصال أحد الشباب ، وهو بالمناسبة دائماً يحاول تقليد الأصوات المؤنثة ، أواصل الحديث معه ، فيعتدل الصوت ويعرفني بنفسه ، معك حسين مرهون .

فجأةً ومن دون مقدمات ، حسين مرهون ؟؟!!

أصاب بدهشة قليلة ، أحاول تمالك نفسي وأكمل الحديث معه ، لم تطل المكالمة ، حيث نتفق على الالتقاء في اليوم الذي يلي المكالمة ، حيث الزمان والمكان سيحددان لاحقاً ، إلا أن اللقاء سيكون مسائياً ، ولا أعلم بالضبط أي وقت .

 

بالفعل أحاول أن أنهي ارتباطاتي المتراكمة يوم غد ، وبالذات من الساعة الخامسة عصراً ، حتى فجر بعد غد ، وأضطر أن أعتذر من اثنين من الأصدقاء متعذراً بظروف طارئة ، كيف لا وأنا لم أجلس مع حسين مرهون سابقاً ، وكل ما أعرفه عنه ، ما هو إلا عموميات ، وعلاقة إلكترونية لم تصل إلى حد اللقاء .

ثم إنني متلهف لسماع حكايته العلمانية ، فأقرر أن أصفي ذهني ، مع استعدادي للإجابة عن الأسئلة المتوقعة التي ستتركز وتكون عن حياتي التي أمضيتها في الغربة وبعض حكاوي المغتربين .

 

***

 

اليوم : الإثنين

التاريخ : 14 إبريل 2008

الساعة : السابعة وأربعٍ وعشرون دقيقة

الحدث : رسالة نصية من حسين مرهون

 

تصلني هذه الأثناء رسالة نصية من الشقيق حسين مرهون ، يعلمني فيها بالموعد (الثامنة مساءً) ويحدد فيها المكان الذي يفترض بنا أن نلتقي فيه .

 

بكل صراحة ، لم أتوقع أن يبعث لي الشقيق رسالة نصية قبل الموعد بنصف ساعة ، لذا أبدو متلبكاً ، أحاول أن أنتهي من تغيير ملابسي بسرعة فائقة ، ولا أنسى تسريحة شعري الخطيرة هههههه ، وأتوجه مسرعاً إلى السيارة وأوجهها إلى العدلية المقدسة ، حيث اللقاء المرتقب .

 

وأخيراً ، أرى التيدا المقدسة ، فأقف إلى جانبها ، أدير المفتاح لإطفاء المحرك ، فيترجل الشقيق من سيارته متوجهاً لسيارتي ، فأترجل ليبدأ السلام والعناق ، ومن بعدها بضع كلماتٍ رسمية ، نتوجه فيها إلى مقهى هادئ ، ورومانسي بالمناسبة ، ههههههههههه .

 

نجلس لنبدأ أطراف الحديث ، يبدو ودوداً منذ الوهلة الأولى ، لا تبدو عليه اختلافات في عالمه التدويني عن ما هو في الحقيقة .

نبدأ الحديث ، ليطول ويطول ويطول ، يبدأ حديثنا كلاسيكياً ، كما هو متعود عليه في أول لقاء بين شخصين لم يلتقيا ببعض من قبل .

بعض الأسئلة الشخصية ، من هنا وهناك ، أنا أوجه سؤالاً ، وهو يبادرني بآخر ، نبتعد كثيراً عن السياسة العفنة وما لها وعليها ، نكمل الحديث وأطرافه ، حتى يدركنا الوقت ، فنتفق على الذهاب لتناول وجبة عشاءً في مطعم مجاور ، نستكمل الحديث في السيارة ، وحتى المطعم وأثناء تناول وجبة العشاء ، ومن ثم نغادر المطعم إلى السيارة حيث نصل إلى المكان الأول الذي ركنت فيه سيارة حسين مرهون .

يترجل من سيارتي مودعاً ، على أمل اللقاء في أقرب فرصة ممكنة .

أودعه وأنطلق ، وأول ما يلفت نظري ، الساعة ، حيث تشير إلى ما بعد الثانية فجراً بربع ساعة ، أندهش لعدم شعوري بالوقت وأكمل سيري إلى المنزل ، وطوال الطريق وأنا أحاول تخزين الحديث الذي دار ، والشخصي منه خصوصاً ، خاصةً إن ذاكرتي ليست قوية كفاية .

 

أصل إلى البيت ، أحاول النوم ، أسرح قليلاً ، إلى ما قبل سويعات ، أندهش لشيء لم أشعر به ، وهي الشعور بالغربة أو الخجل أو الرسميات ، فالشهادة لله ، منذ بداية الحديث ، لم يخالجني شعور بأنني أجلس مع شخص لا أعرفه ، أو ألتقي به منذ المرة الأولى ، ولعلها كيمياء المحبة التي يتحدثون عنها كثيراً هذه الأيام .

 

لقاء ، كان أكثر من ودي ، تعارفنا فيه على بعضنا جيداً ، بل أزعم إني علاقتي بحسين مرهون المدون قد اختلفت كثيراً وازدادت قوة به حيث حسين مرهون الصديق والشقيق والأخ القريب جداً .

 

***

 

ومن هنا تبدأ علاقة مختلفة عما سبقتها ، لنلتقي في منتصف الأسبوع ، وبالطبع والتأكيد في ليلة الجمعة ، مع الشباب والأصحاب في مقهى فريندز .

التقينا كثيراً ، ولم نبتعد إلا قليلاً في فترة تواجدي في البحرين ، بل لا أجامل أحداً إن قلت إن أسعد لحظاتي في البحرين كنت أقضيها مع الأصدقاء والأشقاء في فريندز ، ليلة الجمعة من كل أسبوع .

 

شارفت الأشهر الثلاثة على الانقضاء ، وصرت مستعداً للسفر ، فتواعدنا أنا والشقيق حسين مرهون ، للخروج معاً إلى السينما ، وقمنا باختيار فيلم ، اكتشفنا إنه أسوأ و(أفسح –على قولة أهل السنابس) وأبيخ فيلم أنتجه التاريخ وشاهدناه في حياتنا ، إلا أنه لم يعكر صفو الطلعة ، فكانت جميلة ، بل جميلة جداً .

 

قبل سفري بليلة واحدة ، قام الشقيق عادل العالي ، وهو أحد الأشقاء الدائمين العضوية في مقهى فريندز ، بدعوة الشباب لعقد جلسة استثنائية في فريندز احتفاءً بي واعتبار تلك الليلة وداعيةً حيث سفري ، واجتمع الأشقاء في تلك الليلة وأنا أشكرهم من صميم قلبي ، إلا أنني أشكر مرهون الذي كان السبب في تعرفي عليهم ، وهو بالمناسبة كان من أوائل الحاضرين ولم يغادر إلا في النهاية مع آخر من بقي في الركب ، تلك الليلة .

 

ها أنا أنهي تدوينتي ، التي امتدحت فيها ابن مرهون كثيراً ، وأعلم إن المدح في العلن يحسب ذم أحياناً ، إلا أنني لم أستطع أن أكتم كل هذا في قلبي ، وما أخرجته لم يكن إلا الشيء البسيط واليسير ، فمن يعرف مرهون ، يحتاج إلى أن يكتب فيه مجلدات ، كي يوفي بعض حقه .

عسى ما زعلت يا العلماني ؟؟

 

حبي لكم جميعاً

 

 
 
أيضاً ، مبتسماً كعادته ، يا كثر ابتساماتك يالعلماني

مطار دبي ، هو الآخر مكان للتمييز

 

ما إن هبطت الطائرة في دبي ، حتى تسابق الناس إلى التوجه نحو الباب المؤدي إلى خارج الطائرة ، ولكنني ولأنني سوف أجلس في هذا المطار لست ساعات متواصلة بانتظار طائرتي المتوجهة إلى "مومبي" فقد جلست في مؤخرة الطائرة بكل هدوء ، ولم أقم إلا ولم يكن خلفي سوى المضيفين ، وليس امامي سوى أقل من عشرة أشخاص متجهين للخارج .

خرجت للهواء الطلق ، الجو حار في دبي ، إلا أن الرطوبة أخف بكثير من البحرين ، لم يتوفر لنا خرطوم ، فحظنا العاثر جعلنا هابطين في آخر المطار ، حيث الباص ينتظر ، نركب الباص ونتوجه إلى داخل المطار .

بداية الدخول ، التفتيش والجمارك كما هي العادة في أية دولة أخرى ، وبكوني غير داخل إلى دبي ، فلن أضطر لختم جوازي ، ويكفي أن أتجاوز نقطة التفتيش .

عند النقطة ، يقف شاب يوحي وجهه بأنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين سنة ، هو المفتش ، وبالطبع فهو إماراتي ، ينظر إلى المسافرين بازدراء ، ويطلب منهم نزع أحذيتهم إن كان فيها معدن ، وكذلك أحزمتهم .

الملاحظ إن جميع من أمامي هم من شرق آسيا ، لذا تخطر في بالي فكرة ، بإظهار جوازي ، عله يتسامح معي ولا يطلب مني نزع حزامي ، والغريب في الأمر ، إنه حال أن رأى جوازي ، إلا و رحب في بحفاوة وكلمات لبقة ، ودعاني للتفضل بالدخول دون الإكتراث بالأجراس الرنانة ، بل المضحك إنه طلب مني عدم وضع محفظتي وهواتفي النقالة ومفاتيحي داخل الأشعة .

أدخل وأنا أبتسم ، فقد تجاوزت القانون هنا ، إلا أنني حزين في نفس الوقت ، لأن امرأة من شرق آسيا كانت أمامي ، طلب منها نزع حذاءها وتمريره في الأشعة ، فقط لأنه يحوي المعدن ، وفي لحظة ما يبدو إن التصرف عنصري بامتياز ، وغير لائق على مستوى الأشقاء في الإمارات وصورتهم .

أدخل المطار الضخم ، إنها الزيارة الثانية لي لهذا المطار "الجديد" فلم أزره منذ الـ 2000 عندما توجهنا من الكويت لإيران عن طريق طيران الإمارات .

ألقي نظرة على بطاقة الصعود الخاصة بطائرة (دبي – مومبي) حيث استلمتها من مطار البحرين ، فهذا هو قانون الترانزيت الجديد (البوردينج كارد) من المطار الأول الذي تغادره ، تستلمها ، وعليها رقم المقعد ، ولكنها من دون رقم خاص بالبوابة .

أتوجه دونما وجل إلى الاستعلامات ، هناك امرأة إماراتية وزميلتها الشابة الإماراتية أيضاً ، أسأل السيدة عن البوابة ، وجواز سفري على الطاولة ، فترحب بي بحفاوة بالغة ، وتدعوني للاستفسار عند الواحدة فجراً ، حيث لم يتم تأكيد البوابة بعد ، أشكرها وهي تعاملني بكامل اللباقة لدرجة إحراجي ، ألاطفها مودعاً ، وأمضي .

أبحث عن زاوية خاصة للمدخنين ، حيث التدخين غير مسموح به في الفضاء العام ، أخيراً أجد ظالتي ، فأركض مسرعاً نحو الغرفة ، وأبدأ في التدخين .

هناك شخص جالس في الزاوية ، يبادرني بالسؤال "الأخ مصري؟" فأجيبه بالنفي "لا أنا بحريني" ، فيبادرني التحية فأرد بمثلها أو أحسن منها ، يسألني عن وجهتي فأجيب "الهند" ، فيبادرني عن السبب فأجيب "الدراسة" ، فيسأل باستغراب لِمَ لَم تكمل دراستك في البحرين ، أو لِمَ لَم تأتي إلى مصر ، حيث الكثير من البحرينيين يدرسون هناك ، فأجيبه إنها الأقل تكلفةَ من دول المهجر .

يقوم الشاب المصري من على كرسيه في الزاوية ويجلس إلى جانبي في الوسط ، وتبتدئ الأحاديث عن الدراسة ، لتنتهي إلى السياسة حيث المتعة لدينا نحن العرب في الحديث عنها ، وبعده تبدأ الأحاديث الجانبية ، فأسأله عن وجهته فيجيب مصر ، وأسأله عن المكان الذي أتى منه فيجيب مصر أيضاً ، أستغرب فأسأله كيف ذلك أن تأتي من مصر لتذهب لمصر ، فيجيب إنه قَدِمَ للإمارات طلباً للرزق ، فتم احتجاز جوازه ، وإنه قد مضى على تواجده أكثر من يومين ، تم فيه رفض إدخاله الإمارات وجاري إنهاء إجراءات مغادرته ورجوعه إلى مصر .

يقول إنه حفظ المطار عن ظهر قلب ، وإنه قد سأم الجلوس في المطار من دون صحبة ، ويكمل كلامه بشتم حسني مبارك وإبنه جمال ، لتردي الأوضاع في مصر رغم غناها بكثير من الموارد حسب ما يقول .

في حديثه عن النِكَت المصرية التي تقال في حق حسني مبارك وإبنه جمال ، اكتشفت إن المصريين يرون جمال كما نرى نحن البحرينيين خليفة بن سلمان ، حيث هو الشريك في الشركات الكبرى ، وهو المالك لنصف المزارع المصرية ....الخ .

انتهت صحبتنا مبكراً ، حيث أخبرني بضرورة مراجعته للشرطة في قسم الهجرة ، وأبديت له رغبتي في التبضع قليلاً ، إلا أنني لم أنس إن هذا الشاب هو من مواليد 1986 ، إسمه محمد ، متخرج من الجامعة في تخصص الخدمة الإجتماعية ، باحث عن عمل لما يزيد عن العام ، لم يعمل في مصر سوى في قسم المقاولات ، كأحد عمال البناء .

حمدت ربي كثيراً ، فمن يرى مصيبة غيره ، تهون عنده مصيبته .

كتب المقال في 13 يوليو/تموز 2008

وانقضت، من مطار دبي الدولي

 

تسارعت الأيام بشكل دراماتيكي ، أول شهر لي في البحرين انقضى وكأنه ليس من العمر ، إلتقيت فيه معظم الأصدقاء القدامي والجدد ، إلا أن الشهر الثاني بدأ يمر بطيئاً ، ولم أنتهي من الشهر الثاني إلا وكان الثالث أشد بطئاً وأكثر قسوة من جهة بعض المشاكل التي لا يسلم منها أي إنسان على وجه هذه البسيطة .

ها قد شارف الشهر الثالث على الإنقضاء ، بل انقضى ، كنت أتمنى أن أتأخر قليلاً ، إلا أني سئمت الجلوس في الوطن ، سئمت الحياة في البحرين ، كنت أتشوق للحظة دخولي مطار البحرين الدولي ، وها أنا أعيش السأم والمزاجية المفرطة ، والعصبية التي فارقتني أشهر طويلة في الهند .

أتذكر تلك الأيام المقلقة التي مرت علي في الهند ، إذ أحداث ديسمبر الأليمة والكئيبة ، وكيف كنت كالمجنون لا أستطيع النوم ثلاث ساعات متواصلة ، إلا وعدت للشبكة لأرى آخر التطورات الميدانية .

حينها صار ملتقى البحرين صديق السفر ، كان به الكثير من المبالغات ، إلا أنه كان يحمل الكثير من الأخبار أيضاً .

كل هذا اتذكره وأنا على مشارف الرجوع إلى بلاد الهند ، لأستكمل دراسة لم يتبقى منها سوى سنتان ، حيث اجتزت الثلث الأسهل وبقي الثلثان الأكثر صعوبة وتعقيداً .

أعود للهند لأستنشق الكربون والهواء الملوث ، لأرى الإختناق المروري وزحمة السير ، لأشاهد الفقر المدقع الذي يمر به الكثير من المواطنين الهنود ، لأستمتع باحتفالات أكثر من أيام السنة ، لأسد أذني عن أغانٍ هندية لا تتوقف لحظة ، ولا تعرف وقتاً للراحة .

أعود للهند لأرى التسامح الديني ، لأبتعد عن الإختناق الطائفي ، لأريح جسدي المنهك من توالي الأحداث في موطني ، أرى الغربة خير رفيق ، أراها أحلى وأقسى من الوطن في آن واحد .

لا أحد يستغني عن موطنه ، وكاذب من قال إنه لا يحن للوطن ، إلا أنه يكاد يجمع الجميع إن البحرين أصبحت جحيماً لا يمكن للعاقل المعتدل أن يعيش فيها ، فإما متطرفاً وإلا فلا .

أعود للهند عل المزاجية تخف ، وعلني أرى الحياة الجميلة ، وعلني أستمتع بمناظرها الخلابة وعلني ألعب في شوارعها تحت المطر ، وعلني أداعب جهازي المحمول الذي طلقته في البحرين طلقة واحدة برجعة اكيدة في الغربة .

أعود لهذا الصديق (الجهاز المحمول) لأجعل من زر التحديث زراً رئيسياً في كل لحظة ، أتوق فيه إلى رسالة جديدة وخبر جديد وموقف جديد .

أعود لشقة جديدة ، ولمنطقة جديدة ، فقد طلقت الشقة هي الأخرى إلا أنه طلاق من غير رجعة لا إليها وإلى المنطقة القديمة .

أعود لفوضى من الإجراءات البيروقراطية المملة في الكلية والداخلية ....الخ .

أعود لعالمي الذي رأيت فيه الهدوء ، والفرصة للقراءة والإطلاع .

أعود مبتعداً ، وأستودعكم الله ... حتى لقاءٍ قريب .

مجتبى

 

تأجيل

صدقوني ، التأجيل مؤلم وقاسي أكثر من قساوة الإمتحانات

أنا حزين

كلمة لم أدرك مرارتها قبل مجيء هذا اليوم ، كانت الأيام السابقة هذه الكلمة لا تعني لي شيئاً سوى تأجيل جلسة مجلس النواب اللبناني للمرة الـ 16 عشرة ، أو تأجيل جلسة مجلس النواب البحريني مع إني لم أكن مشدوداً لتأجيل الجلسات في البرلمان البحريني بقدر انشدادي لتأجيل جلسات مجلس النواب اللبناني .

 

اليوم كنت في مرحلة غضب عارمة ، ولمن لا يعرفني فأنا سريع الغضب ويستطيع من شاء أن يخرجني من السياق الطبيعي لسرعة النرفزة التي تحدث لي ، أما اليوم فوابل الشتائم والسباب لم تتوقف من فمي ولساني المبارك إلا بعد ساعتين من الكلام والنرفزة ، انتهت بإخراج "اللابتوب" من جحره المقدس ، وإخراجه إلى النور لأرى ما حدث في العالم .

أمتعتني تدوينة الإمبراطور الأخيرة ، وانتقلت بعدها إلى الربع المدوناتية في الحلف الرباعي وخارجه ، ولا أنكر هدوء الأعصاب الذي صاحبني وأنا أشعل السيجاة تلوى الأخرى .

ابتعدت عن السياسة لأنها نجاسة لا وقت لي لها الآن ، في قلب الامتحانات ، واكتفيت بالإيميل الذي لم يبعدني عن جو الصحف كثيراً هو الآخر .

 

أما ماذا حدث فإليكم القصة ، ومن بعدها أيضاً سأغيب لفترة من الزمن لكن هذه المرة ليست طويلة كسابقتها إنشاء الله .

 

لمن لا يعلم فإننا نقدم 7 مواد هذه السنة ، والامتحانات هي مختلفة في تخصصات تجارية بحتة (تسويق ، إدارة ، إقتصاد ، محاسبة ، رياضيات ، بالإضافة إلى ما دتين هما "إنجليزي وعربي" ) والأخير أتفه امتحان يقدمه طالب جامعي في العالم كله .

 

والامتحانات كما هو معتاد تأتي تباعاً ، دون وجود يوم واحد للراحة ، عدا يوم الأحد الذي يصادف إجازة رسمية في الهند ، وهذا اليوم هو غداً كما هو معروف ، كان من المفترض أن يتبعه 3 اختبارات لننتهي بتاريخ 2-4 من امتحان اللغة العربية وتنتهي همومنا ومشاكلنا وقلقنا وتعبنا ونرجع بلادنا سالمين غانمين بعد 9 أشهر من الشحططة والمرمطة والغربة ولوعة الجبد .

 

بالأمس خلدت إلى النوم عند السابعة مساء واستيقظت عند الساعة الثالثة فجراً ، وبدأت في المراجعة لامتحان الرياضيات "اليوم" ، والامتحانات يتم تقديمها في الفترة من (11-2 ظهراً) ، حتى الساعة العاشرة ، كنت قد انتهيت من المراجعة الأخيرة للمادة وتوجهت مع الشباب للكلية لتقديم الامتحان .

 

وصلت ففوجئت بالشباب البحرينين خارجين من الكلية ، وأول من وقعت عيناي علي ، سألني "مصبح بوجه منو إنته اليوم الصبح؟" فأجبته "مصبح بوجه ولد خالك" ههههههه ، شصاير ، فرد عليي "تأجل الامتحان !!؟؟

 

ليش ما ليش ، صاحبنا شال عليه واختفى ، انزين شسالفة ، جاوبني أحدهم إن الإمتحان سرب من الجامعة ، رددت عليه ، خير يا طير وسرب وإحنا شكو ، أكو ينجحون الناس إهني بفلوس ، فرد عليي إن الامتحان كان عند الناس كلها بحارنة وهنود وعجم ......الخ ، والقرار من الجامعة .

 

بادرت مسرعاً إلى لوحة الإعلانات ، لأرى الإعلان بأم عيني من رئيس الكلية ، والخبر مفاده إن الإختبار الذي يقام اليوم لطلبة السنة الأولى (رياضيات+حاسوب) قد تم تأجيله إلى تاريخ 10 إبريل .

 

الغضب أخذ مني مأخذاً عظيماً ، لماذا هذا التاريخ ؟ لماذا ليس 3 أو 4 أو 5 ؟؟

طبعاً كان ذكاءً مني بل تذاكياً أن أجعل الأمر مفاجأة ، ولا أخفيكم اليوم بعد تأجيل الامتحان لهذا التاريخ إنني كنت سأعود في هذا التاريخ لكنني لم أنوي إبلاغ أحد من الأصدقاء أو الأهل ، سوى من سيقلني من المطار –وأعتقد إنه سيقرأ هذه التدوينة وسيضحك أيضاً- ، وكنت قد احتسبت فترة أسبوع لما بعد الاختبارات لتنظيم شئووني والذهاب للتسوق إن أحببت ، وأخذ قسط من الراحة بعد الاختبارات .

لكن كل هالهرار ولى وصار عليي أن أؤجل الرحلة أيضاً ،حاولت الاتصال لمكتب السفريات لاستفسر عن الحجوزات الأخرى ونيتي تأجيل السفرة لكن والله أعلم ، ثلاثة إتصالات لم تكفي لأن من يجيبك يطلب منك الانتظار حتى ينقطع الخط في وجهك والفوضى تعم هذا المكتب الذي يبتاع منه أغلب البحرينيين "الطلاب" في بونا تذاكرهم .

ذهبت شخصياً بعظمتي وجلالة قدري إلى المكتب ، فرأيت المكتب وكأنه أشبه بسوق الخميس أو السوق المركزي ، وعلى رواية أحد الأصدقاء عندما تنظر إلى خارج المكتب وتشاهد حشود البحرينيين تظن إن ثمة إعتصاماً يقومون به احتجاجاً على أمر ههههههه .

عاودت أدراجي ساحباً إلى الشقة وكل هذا ووابل السبائب والشتائم لم تتوقف عن ترديدهما شفتاي لحظة .

 

لازلت حزيناً وغاضباً على الغبي الذي سرب الامتحان ، فهذا الامتحان بالذات "الرياضيات" لا يختلف كل عام سوى في تغيير الأرقام أما الأسئلة فهي مطابقة في الفكرة والمضمون سابقاتها وما سرب حسب ما أخبرني أحد الشباب لم يختلف عن سابقه إلا في الأرقام وبعض الأسئلة كانت حتى الأرقام متطابقة فيها .

لكن لا أنكر إنني غاضب أكثر على هذه الجامعة التي لازال كثيرون يدفعون فيها للمادة الواحدة ما لا يتجاوز الـ 15 دينار لينجوا في الاختبارات ، ثم تقوم الجامعة الموقرة بتأجيل الاختبار ، الجامعة  التي يرتشي فيها الفراش والمدير والخفير والوزير ، ولم يتبقى فيها أحد يتنفس إلا وارتشى ، بعد كل ذلك تبين لنا مدى حرصها واحترامها لسمعتها الأكاديمية التي سقطت من عيناني منذ أن وطأت هذه البلدة ومنذ أن عرفت إن أفشل الفاشلين في البحرين أتوها وتخرجوا منها .

 

لا زلت غاضباً لكن غضبي قل كثيراً ، سأرجع لمتابعة الدراسة ، وسأغلق الكمبيوتر ، فقط هذه الفضفضة التي كان لابد منها لكي أهدأ قليلاً

 

لكن من جديد عائد عائد رغم أنف الحاقدين والمؤجلين

وكان الله في عون اللبنانيين الذين يعانون من التأجيل لأربعة أشهر

لقد تغيرت الدنيا وأنا لا أتقبل الأمر

"الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"

 

ربما تكون مشكلتي هي مشكلة مشابهة لمشكلة الشقيق "مارون" حيث تكلم في مدونته عن هذا الأمر ، طبعاً مع الفارق ، فمارون "شايب" هههههه ، أما أنا فللحين في "بسم الله" وتوها الناس عليي ، مع إن الشعر اشتعل شيباً منذ مدة ، ولم يعد أحد يصدق إنني من مواليد العام 1986م ، نتيجة لبعض الظروف ، وحينما أقسم لهذه الناس فهي لا تصدق إنني في هذا السن الصغير ، ما يجعلني أستمر في هذه المشكلة وهي إنني لازلت صغيراً ولازلت أريد إقناع نفسي بأن أصدقائي لازالوا هم هم ، ولم يتغيروا أو تتغير ظروفهم ، فإذا بي أسمع إن فلان قد تزوج ، و علان أصبح أباً ، أجلس مع الأصدقاء ، أرى كل شيء قد تغير من حولي ، منهم من انضم إلى شركة أو وزارة ، منهم من دخل جامعة البحرين أو جامعة خاصة ، منهم من سافر للخارج للدراسة ، لكن لازلت أحاول إقناع نفسي بأني أنا أنا ، لم أتغير ولم يتغير فيني شيء ، أحاول أن أبقي على عاداتي القديمة من خلال المتابعة الحثيثة للمباريات ، لكنني سرعان ما أرى فشلي ،حين أتناقش مع الأصدقاء في الجدل الكروي "برشلونا ، الريال " / "مانشستر ، آرسنال" .

أرى إن الموضوع تافه ولا يحتاج إلى صراخ أو نقاش ، فهي مباراة وهي أصغر من أن أتناقش وأخوض فيها ، وأدخل فيها جدل ساعات كما كنت أفعل سابقاً .

أحياناً أشعر بالغربة بين أصدقائي ، لأن القليل منهم من يتابع السياسة والأخبار كما أنا ويلقبوني بـ" الشايب"، ماعدا صديق واحد هنا يتابع الشأن البحريني واللبناني بقوة ، ما يجعلني أشعر بالفرح عند لقياه ، أما الآخرين فينظرون إلي ولاهتماماتي بشيء من عدم التفهم ، وأنا أستصغر أعمالهم اليومية من استخدام مفرط لقنوات الاتصال مع الآخرين في الوطن "ماسنجر،سكايبي،شات" ، باختصار أرى نفسي صغيراً وكبيراً في نفس الوقت ، لا أعرف مالذي يحدث بالضبط .

في نهاية الأمر حينما أجلس مع نفسي في لحظة تأمل وتفكر أرى إن الزمن قد تغير بالفعل ، وأنا لم أعد كما كنت قبل 7 سنوات ، أصدقائي اختلفوا كثيراً نظراً لبعض الظروف ، وما جعلني أستسلم لهذا الواقع حديثي مع أخي اليوم ، حين بدأت بحملة النصح التي عادة ما يقوم بها الأخ الأكبر لأخيه الذي يصغره سنا عن الدراسة والامتحانات والمستقبل ...الخً ، وفجأةً اكتشفت إنه يقترب من إنهاء آخر فصل دراسي له في الثانوية العامة ، وسيلتحق العام المقبل للجامعة ليصنع مستقبله بيده وبقناعته دون تدخلي أو تدخل أحد .

طريقة كلامه تبدو مختلفة "صار رجال" ، وأتكلم معه أنا أيضاً بذهول كبير ، فقد اعتدت سابقاً على توبيخه أو معاملته كوالدي ، بنظرة فوقية "أبوية" وبتفهم أكثر من الوالد في النهاية ، لأنني في نهاية الأمر أخيه وليس والده ، لكنني لم أكن أتوقع إن الزمن يركض بهذه السرعة ، وربما إنني لا أرغب أن أسير بهذه السرعة ، لكن الأمر ليس بيدي .

أخي الذي يصغرني بأربع سنوات ، كانت هوايته الرسم ، وقد صعقني بحق حين أعطاني وصلة لموقعه لأطلع فيه على رسوماته وتصميماته ، تبدو الرسومات مذهلة ، أين وصل أخي وأنا لا أعلم عن شيء البتة .

في النهاية ، تقبلت الأمر برحابة صدر ، إن العالم تغير ، وإن الوقت حقيقةً كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، وقد مضى الزمن ولا يمكنني إرجاع ثانية واحدةً منه ، علي التأقلم مع وضعي الجديد ، لا الهروب منه من دون وضع حد لهذه المسألة ، علي أن أتعامل مع أخي من اليوم وصاعداً بشيء من الإحترام له ولآراءه ، لا كما كان الوضع في السابق .

ضحكت على نفسي قليلاً ، لكنني لا أخفيكم شعوري بالعزة والافتخار لما وصل إليه أخي ، فتحية له ، وأترككم مع رسمتين من رسوماته الأكثر من رائعة .

صورة للإمام الخميني من رسم أخي حسين المؤمن


 صورة ابن أختي "محمد" برسم أخي حسين المؤمن

تحديث : لعيون الشقيق حسين مرهون ، رابط الموقع الأصلي لأخي "حسين" يعني إسمه على اسمك يا ولد مرهون تسمعني :)

الرابط هنا

أنا ابن رجل دين ، معقول ؟؟ !!

عندما يفرض عليك المجتمع قناعات وأفكار وأكثر من ذلك ، عندما تُقَيَد حريتك ، فقط لأن والدك رجل دين ، فالوضع يبدو سيئاً
الوالد

لعل أكثر ما تواجهني من صعوبات نفسية وليست صعوبات عملية ، هي مسألة إنني ابن رجل دين .

لنكن واضحين ، أنا أفتخر بتاريخي وبوالدي وبكوني ابن رجل دين ، ولست متنكراً لا لحياتي التي عشت 13 عاماً منها على أرض إيران ، وعامين في الكويت (وعشان لا يزعلوا الربع) وسبعاً في البحرين ، وواحدة في الهند (للدراسة) .

ولا أريد التحدث من هذه الزاوية كي لا يسيء فهمي أحد ، ولا يذهب البعض للتحليل من زوايا أنا لم أقصدها أساساً .

 

كنت أقول لأصدقائي ، ولازلت أقول "إنني انتزعت حريتي في حربٍ ضروس ، امتدت سنوات كي أصل إلى ما أصبو" ، ربما يقدروا كلامي ولكن بالطبع لم يستطيعوا الشعور بما أنا أشعر به ، والمشكلة إنني لازلت مكبلاً في هذه الوضعية التي خلقت عليها ، فالوضعية الإجتماعية تحتم علي دائماً ان أراعي إن والدي رجل دين ، والأمر يتطلب ضوابط دينية وأخلاقية إن صح التعبير ، قبل أي شيءٍ آخر .

 

لازلت أذكر ، إنني في يومٍ من الأيام وكنت مدعواً لحضور "بركة سباحة" في تلك الأيام الصيفية الحارة ، وعلى حسب تعبيرنا المجتمعي ، كانت هذه البركة (للمطاوعة) أو الملتزمين دينياً مع تحفظي الكبير على هذه العبارة ، عموماً وكي لا أطيل ، ذهبت للبركة كأي شخص عادي بملابس رياضية كالعادة ، وأنا في البركة مستعتمعٌ بالماء الذي يبعدني عن الرطوبة المقيتة ، فإذا بأحد الإخوة المتواجدين في البركة يدعوني إلى الزاوية للحديث في شأن خاص ، ذهبت تلبية للطلب فكلمني عن سبب لبسي الغير ملتزم ، لم أفهم قصده ، فقال لي شارحاً إنه من الأفضل المجيء بملابس تستر الركبة فهي جزء من العورة ، ودخلنا في نقاش ديني وعرفي ، لم ننته منه بمحصلة تذكر ، سوى إصرار كل واحدٍ منا على رأيه ، وفي نهاية المطاف صعقني بالحجة الأقوى والأعنف التي لديه والتي اعتبرها سلاحاً فتاكاً فقال مستهجناً ومستنكراً "ولكن أبوك شيخ" ، ابتسمت له وقلت له إن مستوى التفكير هذا يبعدني عن جو النقاش إلى جو الهزل والمزاح ، ورحلت عنه .

 

الأمر ذاته حصل معي في نقاشات عقيمة كثيرة عن التدخين ، فبعد النقاش العلمي والصحي ، والإتيان بالحجج التي لم تقنعني بل تزيدني إصراراً (بكوني محاجج شرس هههه) ، ينتقل المجادل إلى الرأي الفقهي فأصرعه لوجود خلافات كثيرة في الآراء الفقهية وكلٌ يعتمد على مجتهده ويعمل بتكليفه الشرعي ، لتكون الخاتمة الكلمة المعهودة والموعودة والمنتظرة "ولكن إنت أبوك شيخ" .

 

أذكر أيام زمان ، في بداية مشواري الصحفي الذي انتهى مبكراً ، بعد سنة تقريباً ، حينما التحقت بالأيام ، كنت حينها أعمل في قسم مسئولتي فيه الأخت والصديقة التي أعتز بها كثيراً "لميس ضيف" ، وفي زيارة لي لأحد رجال الدين والسياسة البارزين ، سألني عن مكان عملي فأخبرته بالتحاقي بالأيام ، فبدأ بالتحدث عن حكومية الصحيفة ومواقفها المسيئة .....الخ ، وبعد ذلك سألني عن مسئولتي فأجبته بأنها الصحفية لميس ضيف .

كان يبدو عليه إنه غير مطلع على الصحافة المحلية بكثرة ، فسألني "أهي محجبة؟" أجبته "نعم" فقال : الحمد لله ، وانتهى حديثه بالدعاء لي بالهداية والتأكيد على إنني علي الإنتباه من الوقوع في المنزلقات وخصوصاً وإنني ابن رجل دين ، ونشأتي دينية بامتياز .

 

المسألة ، لو كانت بهذا الحجم ، لما آلمتني مراراً وتكراراً ، ولما جعلتني أفكر فيها ليل نهار ، في كثير من الأوقات ، لكن المشكلة حين تكبل حريتي الفكرية ومعتقداتي وآرائي ، ويكمم فاهي ، لأن أبي رجل دين .

فتارةً أكتب كلاماً لايعجب فلان من الناس ، فيبادرون بالإتصال بالوالد العزيز ، لتبيان استنكارهم الشديد لما أكتب ، ليكون الوالد في موقف حرج لا يحسد عليه ، فيبادر بمهاتفتي لتغيير الموقف ، للتوقف عن الكتابة في شأن ما أو عدم إقحام شخصيات معينة لها أدوار مجتمعية ، في شئون معينة ومن زاوية أريد إيضاحها للعالم .

 

هنا ، يكون أمر إن والدك رجل دين ، نقمة عليك لا نعمة ، أو كما يصورها البعض ، معارف وقد تكون وجاهة أو تواصل أو معلومات أو أي من هذا القبيل ، حينها تلعن الساعة التي ولدت فيها وأصبحت ابناً لرجل دين .

 

أعلم إن ما أكتبه قد يكون سلبياً في مردوده علي ، وأنا لست هنا في وارد الإعتراض على المشيئة الإلهية التي خلقتني هكذا ، وأعرف إنني من واجبي تفهم الموقف ، ولكن يا أحبة ، كل أمر وله حدوده ، فحينما أرى وأنا على مقربة من إنهاء 21 عاماً والدخول في العام الـ 22 من عمري ، إنه لازال أشخاص يحكمون عليك من نظرتهم لوالدك ، ويريدونك طبق الأصل كما أبيك ، ولازال هناك أشخاص يستغلون هذا الوضع في تكبيلك وتكبيل حريتك ، ولازال هناك حمقى يتكلمون وكأنهم أنبياء الله المرسلين ويريدون تطبيق الشريعة الإسلامية ، ويرون فيك الفاسق الفاجر المبتعد عن الدين وعن المذهب ، فقط لأنك تدخن .

حينما أرى هذه النماذج بأم عيني ، أكره الدنيا ساعتها ، وأدعوا الله أن يأخذ أمانته سريعاً ويخلصني من الجحيم الذي أنا فيه .

نهاية ، أدعو للجميع طولة العمر ، وكل يوم وكل ساعة أتوصل لقناعة مفادها إن وجودي في هذا الكون بمشيئة إلهية ، لكنني لست عبداً لأحد ولا موظفاً عند فئة ، ولا أطبق آراء أحد فقط لأنه يستفزني بمثل هذا الكلام ، ولا أكترث كثيراً بحكم الناس علي ، من سيرة والدي وطبيعة حياته وبكونه رجل دين .

نعم أنا أفتخر بوالدي كثيراً ، وأحبه أكثر ، وفقط الله يعلم حجم هذه المحبة والمفخرة ، لكننا مختلفين ، فلا يمكن لعقل بشري أن يتطابق مع عقل آخر ، والإختلاف سنة الحياة ، وإنني متأكد إن مجرد تطابق أفكاري بالكامل مع أي أحد (والدي أو غيره) هو خطأ علي الإنتباه له .

 

فضفضت كثيراً في استراحة الجمعة اليوم ، فاعذروني

كل الود والمحبة لكم جميعاً

 

--------------------------------------------------------

خبر

لقد غادر الوالد أرض الوطن متجهاً إلى العراق ، وهو الآن في كربلاء المقدسة ، ويعتزم أيضاً زيارة النجف الأشرف ، وسيعود إلى أرض الوطن في الثامن من مارس/آذار الحالي ، وقد حاولت الإتصال به جاهداً إلا أن الخطوط العراقية تعاني من مشاكل متعددة ، دعواتي ودعواتكم للوالد ولكل زائرين أبي عبدالله الحسين وعلي بن أبي طالب ، بالرجوع إلى أوطانهم سالمين غانمين .


محرم في الهند ، أمور مضحكة وأخرى ملفتة

الشيخ حسن عيسى يعود للعزاء الحسيني في بونا

 

محرم في الهند ، أمور مضحكة وأخرى ملفتة

 

بما أنني حرٌ وليس عبداً ، ولأنهم يقولون "وعد الحر دين" ، لذا فها أنا أفي بوعدي بتدوين ما تيسر لذاكرتي المليئة بالأحداث من حفظه ، في محرم غريب أحييه للمرة الأولى في الهند .

 

جدير بالذكر إنني تربيت وأنا أعيش أجواء محرم في إيران ، حيث الدولة الشيعية التي تقيم احتفالات ضخمة لإحياء هذه الذكرى الجليلة ، وبعدها انتقلت للكويت وكانت سنتاي اللتين عشتهما في الكويت أكثرهم فائدة لي كما أرى ، حيث استثمرت أغلب محرم وصفر لعامين متتالين بالإستماع إلى المرحوم الدكتور الوائلي ، لسان الشيعة ومكتبتهم المتنقلة كما كان يسمى ، وبعدها استقريت في البحرين لأعيش الجو الذي طالما حلمت به ، لذا فكان محرم وخصوصاً العشرة الأولى أيام مميزة لي أقضي معظمها إن لم يكن كلها في المأتم المجاور لمنزلنا ، أنا وأبناء الحي ، ونحن أبناء الحي معتادين على النوم في المأتم ، وما إن نستيقظ إلا وأتوجه للمنزل للإستحمام ثم أعود للمأتم لتناول وجبة الغذاء مع الشباب ، ليبدأ العمل بعد ذلك .

 

شاءت الأقدار أن أتواجد في محرم 1429 هـ في الهند ، وشاءت الأقدار أن نحيي العشرة مع جمع مهيب من الطلاب البحرينيين في الهند حيث يقدر عددهم بحوالي الألف طالب بحريني .

 

لقد شرحت المكان الذي تقام فيه الفعاليات هنا في بونا في تدوينتي قبل السابقة كما قرأ الكثيرون ، لذا لا داعي للتكرار .

 

من الطبيعي أن تكون عشرة محرم هي الفترة التي يحاول أي شيعي أن يستثمرها في التواجد في المآتم والمواكب ، حتى لو كان قليل التدين أو غير متدين حتى ، لكن كان من الملفت للإنتباه أن يتجمع الغالبية الساحقة بعد انتهاء الشيخ من المجلس الحسيني ، ويتوجهون للساحة المفتوحة خارج المأتم للتدخين ، فيصبح حينها الموقف أشبه بوقت إطلاق مدفع إفطار رمضان ، وكيف المدخنين يتوجهون لخارج منازلهم للتدخين ، ولعل المدخن يعرف الموقف هذا ، وما إن يخرج الناس فتتعالى معهم الأدخنة الكثيفة وتبدأ الأحاديث الجانبية بأخذ مكانها من المشهد ، ليصبح الوضع فوضوياً أكثر من المتوقع ولم أكن أنا ببعيد عن هذا المشهد نهائياً هههههه .

 

أتوجه إلى خارج المأتم للتدخين كبقية المستمعين ، لكنني ما إن أنتهي منها حتى أبادر بالدخول للجلوس في حلقة تشكل حول الشيخ ، حيث الحوار المفتوح لمدة ساعة ، قبل بدء العزاء ، والأسئلة الشرعية والفقهية ، وأغلبها في نظري تافهة ومن البديهيات وقد تنطلق (الأسئلة السخيفة) من احتمالين فقط ، الأول أن يكون السائل ممن لم يدخل ماتماً في صغره لتلقي التدريس الديني كما هو معمول في القرى والمدن البحرينية ، وثانيها حب السؤال فقط إما للتأكد أو لإظهار الإهتمام الشديد برجل الدين ومحاولة الإلتصاق بهم (رجال الدين) .

 

أنا عن نفسي ، أجلس هادئاً أتبادل الإبتسامات مع الشيخ كلما نظر إلي ، وأجلس صاغياً من دون مداخلات عادة ، إلا إن كان الأمر ضرورياً ، وقد حدث كما أذكر ثلاث مداخلات لي في ثلاث ليالي مختلفة ، في مواضيع لست بصدد ذكرها ، عموماً ينتهي المشهد يطلب من احد المنظمين بفك الحوار وإنهاءه للشروع في مراسم اللطم على الصدور ، لأتوجه حينها إلى الخارج وأتناول أطراف الحديث مع الأصدقاء ولكي أتزود من التدخين حتى انتهاء العزاء ، لندخل من جديد ونأكل من "عيش لحسين" مما تيسر لنا أن نأكل ، ومن بعدها نعود بأدراجنا إلى الشقة المبجلة .

 

لفت انتباهي إنه منذ اليوم السادس من المحرم (ليلة سابع) بدأ الناس بالتوافد بشكل ضخم ، وخصوصاً لدى الجالية الإيرانية الذين لديهم مأتم في نفس المساحة هذه ، وهو المأتم الرئيسي ، ما أستطيع أن ألاحظه هو دخول أشخاص لايبدو عليهم الإلتزام نهائياً ، ودخول الفتيات بتبرج مبالغ فيه ، ونظرات من هنا وهناك بين هذه الفتاة وهذا الشاب ، تنتهي عادة بتبادل الأرقام والتعارف .

من يقف خارج المأتم يراوده الشك في أنه في مجمع تجاري وليس في مكان ديني تقام فيه شعائر دينية وفي موسم خاص هو الأهم للشيعة ، لكن هذا هو واقع الحال .

 

العشرة أيام فترة للتلاقي وللتكفير عن الذنوب :

قد يستغرب البعض سبب إقحامي للتكفير عن الذنوب في هذه العشرة ايام كلها ، إلا أنني أقصد منها ما ستعرفونه من الكلام القادم .

تشكل العشرة ايام فرصة للإلقتاء بمن لم تلتقيهم منذ أن وطأت قدماك الهند ، أنا عن نفسي التقيت بـ4 أشخاص سمعت عن تواجدهم في الهند ولكنني التقيت بهم في المأتم ، أما تكفير الذنوب فهي بعض الممارسات التي يقوم بها البعض لتصحيح أوضاعه مع من يمسكون الجمعية الحسينية البحرينية في بونا ، وهي تابعة للمجلس العلمائي وتهتم بشئون الطلبة البحرينين في بونا ، وأعضاؤها هم خيرة الشباب البحرينيين المتدينين في الهند وهم طلاب في الجامعة أيضاً .

(تعتبر الجمعية الحسينية هي الطرف الأهلي الذي يهتم بشئون الطلاب البحرينيين في الهند ، لها تمويل من المجلس العلمائي كما ذكرت ، تعمل على تقديم بعض القروض الميسرة للطلاب في حال احتاجوا لمقدار معين من المال إثر تعرضهم لظروف مادية صعبة ، يشكل لهم جهاز مبسط يقوم بمتابعة تسجيل المستجدين كل سنة ، لديهم مركز لتأجير الدرجات النارية باسعار رمزية ومعقولة وريعها للجمعية وأنشطتها ، أما الأنشطة فهي إحياء ذكرى أهل البيت المفرحة والمحزنة ، تخصيص أيام ما قبل الإمتحانات لمراجعة المواد من قبل طلاب متطوعين متفوقين اجتازوا مراحلهم التي يشرحونها ويلخصونها ويراجعونها مع الطلاب) .

أما تكفير الذنوب ههههه ، فهناك أشخاص لايطاقون من قبل القياديين ، فكيف لهذا الذي لا يطيقه هؤلاء القيادين أن يكفر عن سيئاته ؟

هناك شخص عرفته منذ قدومي للهند ، منبوذ من المتدينين وغير المتدينين لتصرفاته ولامتلاكه بعض الصفات السيئة ،أما المتدينين فيرون أول مشكلة فيه تعصبه للتيار الشيرازي وتجرؤه على ولاية الفقيه مع إنهم يقولون إنهم طلاب وحدة ولافرق بينهم وبين أصحاب القناعات الأخرى ، لكن كله كلام شعاراتي غير مطبق ، وأما الغير متدينين فينبذونه لتلفيقه الإشاعات جزافاً على الطلاب وإشعال الفتن بينهم .

 وبينما الجميع اتفق على نبذه وذمه بمن فيهم الشباب القياديين حصل تغير مفاجئ في الموقف ، فما إن أهل محرم حتى بدأنا نراه يجلس بالقرب من المنبر ، ويقوم بتوزيع الشاي ، أو المساعدة في توزيع وجبات العشاء التي تحتاج لجهد ، أو التنظيف أو أي شيء آخر ، ليصبح بعدها المحبوب بين الجماعة التي كانت غاضبة عليه لفترة طويلة .

 

موقف طريف حدث لي مع أحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية أود ذكره ، حيث كنا نتناقش في أحداث 17 ديسمبر المؤسفة التي سقط فيها الشهيد علي جاسم ، فقال لي بالحرف الواحد لو يسحب الشيخ عيسى قاسم دعمه للوفاق ، أضعها (الوفاق) تحت قدمي ، فولائي للشيخ أبو سامي (شيخ عيسى قاسم) لا لغيره .

نستطيع أن نستنتج من هذا الكلام ، كمٌ كبير من التقديس أو الولاء المفرط على أقل تقدير والذي يوقع الإنسان في خلط كبير بين القيادة الدينية والقيادة السياسية المباشرة ، وكيف لهذا الشخص أن يكون موالياً ومنقاداً لجهة يقدسها ، فما تباركه هو يتبعه وما لا تدعمه يكون تحت القدم .

 

أحاديث الشيخ :

في الحقيقة كانت أحاديث الشيخ هي الأكثر متعةً لي شخصياً ، فقبل أن يكون رجل دين هو صديق عرفته منذ أيام إيران ، تلك الغربة الرائعة التي علمتني الكثير حينها ، الشيخ كان في أول يوم جلست فيه أستمع إلى أحاديثه في الحوار المفتوح ، كان مفعلاً لشعار المجلس العلمائي (التزويج) ، وكلامه كان عن الزواج المبكر وفائدته ودعوة الشباب إلى عدم تأخير الزواج ما استطاعوا في ذلك سبيلاً لتحصين أنفسهم من الوقوع في المحرمات .

أسر إلي أحد الأصدقاء في تقييمه لمواضيع الشيخ ، حيث كانت مواضيعه طوال العشرة مواضيع موجهة للشباب ، ففي إحدى الليالي يتحدث عن الإشتراكية وأخرى عن العادة السرية (تخيل معي ساعة كاملة تناقش العادة السرية كموضوع رئيسي) ، الزوجة الصالحة ، العلمانيين  وثقافة الموت ، وغيرها من المواضيع التي كان يستغرق في شرحها ساعة كاملة ، تكون فيه المحاضرة مملة لأبعد الحدود ، وعشر دقائق للأبيات الحسينية يختم بها . فكان هذا أسلوبه طوال عشرة محرم بلا انقطاع .

 

الشيء الآخر الملفت في أحاديث اللقاء المفتوح الأكثر متعة من المحاضرة على المنبر ، هو أسئلة البعض له (الشيخ) عن مفهوم العلمانية والرأسمالية والليبرالية والشيوعية ، فكان يشرح لهم الموضوع حسب مفهومه الخاص وإن كان في شرحه نقاش يطول ، لا يسعني ذكره ، إلا انه ظل حبيساً لرؤية الشيخ عيسى قاسم للتحركات اليسارية تحديداً ، وكيف أوصل مفهومه ليعتبرهم خطراً محدقاً بالمجتمع ، متناسياً (سهواً أم عمداً) كل هؤلاء المناظلين المنتسبين إلى هذه الحركات الغير إسلامية وكأنهم اليوم الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمع ، وقرأت في كلامه غياباً للأولويات التي كان من المفترض التحدث فيها كخطر حقيقي ، وأنا لا ألومه فأي رجل دين كان سيقول ما يقوله ، ويؤسفني حقاً أن يكون بعض رجال الدين ضعيفين في التنظير السياسي وعدم فهم متطلبات المرحلة التي يجب التحرك من خلالها .

 

ليلة العاشر / هجوم عنيف على الحداثية والقصد من وراءها ضياء الموسوي :

في ليلة العاشر كان الموضوع يتحدث عن الموت ، ولماذا يذكر الموت ، وفوائد ذكر الآخرة ويوم القيامة ، وما يترتب عليه من توبة للعاصين واقتراب من الله في تأدية العبادات لخوف الموت في أية لحظة ، لينتقد بعدها (مع عدم ذكر الإسم) ضياء الموسوي الذي كان يتكلم عن ثقافة الموت التي كان يطالب بشطبها من الخطاب الإسلامي وليتحول هجومه على الموسوي هجوماً على الحداثيين أجمع ، ولا أعلم هل يعلم الشيخ إن ضياء الموسوي لا يمثل سوى نفسه وهو غير متحدث باسم الحداثيين في البحرين أو في العالم ، كما إن الشيخ يتكلم عن نفسه ولا يتكلم بقناعات الشيعة أجمع ..... الخ .

أذكر في إحدى ليالي الشهر كان الحديث في اللقاء المفتوح يدور حول الحداثة والحداثيين والعلمانيية والعلمانيين وهذه الأسئلة ، وكما قلت لكم فكانت أجوبة الشيخ حسب مفهومه الخاص (مشفوعه بإحدى الكلمات المشهورة للشيخ عيسى قاسم)  كافيةً ليخرس الجميع ، فأذكر إني داخلت مداخلة في سؤالي له عن الحداثة ، وكان الحوار كما يلي :

مخاطباً الشيخ : من يضمن لي إن هذا الإسلام الذي تسير عليه يا شيخ هو الإسلام المحمدي الأصيل ، من يضمن لي إن الأصولي على حق والإخباري على باطل ؟

من يضمن لي إن هذه الروايات المعتمدة لاتقابلها روايات أقوى منها سنداً أقصيت لتحريف حصل من قبل المدسوسين من الأموين والعباسيين لنقل السيرة الخاطئة

وبعده انتقلت لطرح التساؤل

هل الخطاب الإسلامي قادر على استيعاب العقول؟

لماذا نرى الأكاديمين والمثقفين الذين تعترف لهم الدنيا بكم المعرفة التي يمتلكونها ، لماذا نراهم بعيدين عن رجال الدين بالتحديد ، ولماذا هم يسيرون في خط مختلف في الأعم الأغلب عن خط الإسلاميين ؟

أين معالجة هذا الموضوع؟

وهل المشكلة اليوم هي في الخطاب الإسلامي؟ أم الخطاب الحداثي ؟

وأيهم أكثر تأثيراً على الناس ؟

وهل من الخطأ توظيف العلوم الإنسانية في الإسلام ؟ واستخدام الأدوات الإنسانية لنقد الخطاب ومعالجة الأخطاء هل يصبح كفراً ؟

قاطعني أحدهم في الأثناء بالقول إنك خرجت عن الموضوع ، فرددت عليه بان ما طرحته لم يخرج من صلب النقاش عن الحداثيين والفكر الحداثي الذي أعرفه

فرد الشيخ بأنني أخلط بين العلمانية والحداثة ، فعدت له بشرح مفهوم العلمانية في نظري والحداثية في نظري أيضاً  ، هنا أحسست إن الحوار انتهى ولاداعي للمواصلة أساساً فالتزمت الصمت كعادتي للإصغاء إلى الحوار الدائر إلا أنه كان واضحاً إن أسئلتي أثارت البعض وجعلته حائراً لفترة ، مع علمي إن حيرة كهذه يستطيع معالجتها الشيخ بشعارات بسيطة وخفيفة جداً .

 

محسوبية في العزاء وغيره :

هذه النقطة أضفتها مؤخراً بعد أن لفت انتباهي إليها أحد الأصدقاء ، وهي إن العزاء الحسيني هنا عادةً يكون الرادود فيه أحد الطلبة الذين يتقدمون لأداء هذه الطقوس ، وكالعادة فالإشتراطات العامة كالصوت والأداء يجب أن تكون ماثلة ، إلا أن هذا لم يحدث بتاتاً ، فيقول لي الصديق إن قبل عام تقدم أحد الأصدقاء لحبه في أن يكون رادوداً ، ولامتلاكه صوتاً معقولاً ، إلا أنه رفض من قبل الجمعية والمبرر حسب كلام صديقي (إنه ليس من المقربين) ، بينما الذين يقومون بهذا الأمر هم المحسوبين على قيادات الجمعية ، والمقربين منهم (المرضي عنهم) ، كما وإنني لاحظت ذلك حتى في الصور ، فكثيراً ما يصور الحاضرين في المأتم ، لكن بالرجوع إلى الموقع الرئيسي ، لم أرى سوى صور المحسوبين على القيادات ، اما نحن فكما يبدو لم يكن لنا نصيب من الصور هههههه ، لأننا لم نشهر إسلامنا في منظورهم ، والتحيز ممتد إلى أمور خارجة عن ملاحظاتي في محرم ، لذا أكتفي بهذا المقدار ومتى ما وفقني الله سأفرد موضوعاً عن الجمعية ، أتكلم فيه بإسهاب عن النقاط والسلبيات والمآخذ التي يتحدث فيها الطلبة هنا عليهم .

 

 

ملاحظة أخيرة مضحكة مبكية :

من المعروف إن غاندي والذي يعبده البعض في الهند هو الرمز الأكبر الذي مر على تاريخ الهند بأكملها ، خاصة ما فعله في الإنجليز من خلال مقاومته المدنية السلمية التي قام بها ، ليحرر بها شعبه من عبودية الإنجليز ، ولأنه كان قد استقى ثورته من الحسين عليه السلام ، فالحسين يحيي ذكرى استشهاده جميع الهنود ، لذى أتذكر إنني في ليلة العاشر وأنا عائدٌ إلى الشقة قادماً من المأتم ، لفت انتباهي أكثر من مكان (والكلام عن منتصف الليل) تعلوا منه الأصوات الصاخبة من الأغاني الهندية وكأن هناك احتفالات خاصة في ليلة العاشر من المحرم صدفة ، عموماً الأمر يبدو طبيعياً لكل من يعرف الهند ، فلا يمضي شهرٌ من دون 4 أعياد في أقل التقادير ، نظراً لتنوع الحضارات والثقافات والديانات والمذاهب التي يعتنقها الهنود الذين يفوقون المليار و الثلاثمئة مليون نسمة ، لكن الملفت إن الأغاني في ليلة العاشر كانت تحوي على كلمة "حسين" يلتفت لها كل من يمر من هناك ، والمشكلة إن المتواجدون هناك بعضهم يرقص والآخر مبتهج يأكل أو يشرب من مأكولات الإحتفال .

بعد ذلك وبعد السؤال من المختصين اكتشفت ، إن جميع الديانات والمذاهب في الهند تحيي ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام ، ولكن كلٌ على طريقته الخاصة .

 

كان بودي التحدث أكثر عن محرم في الهند ، ووقعه عليي ، وملاحظاتي على أمور أخرى إلا أنني أرى إن هذا المقدار هو كافي ، ولا أود التحدث أكثر ، ربما لأن الوقت لم يحين بعد للتحدث في أمور أخرى .



<<الصفحة الرئيسية
[ الصفحه:1/3 ] الصفحة التالية>>