لا إسم

عابرٌ من زحمة الدنيا

مذكرات رجل ثوري (6)

أبو ثائر حداثوياً

 

ليس من الصعب على أي شخص كان أن يقرأ كتاباً ويحلله ولو تحليلاً سطحياً ، أو أن يطلع على عناوينه ليدرك الفكرة العامة ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى فطاحل ولا إلى أشخاص خوارق في الأصل ، لكن الطامة الكبرى حين يفكر المرء إنه بقراءة كتابين لمحمد أركون وكتاب لنيتشه وآخر لفوكو ، قد ملك مفاتيح الثقافة بأسرها ، وهذه المشكلة تكمن في عدم التعمق ، بمعنىً آخر هذه المشكلة تحدث عندما يقرأ الإنسان في حدود بسيطة ويتوقف ليرى "غروراً" إنه أصبح يفهم في كل شيء ، وغدا بعد يومين من انتهاءه من قراءة كتابين إنه أصبح أفضل مثقف في المنطقة ، ولو تعمق قليلاً وواصل قراءته للكتب لاستدرك إنه لا يفقه سوى النذر اليسير ، إلا أنه لم يفكر في هذا الأمر ، نظراً لغروره ولنظرته الفوقية التي قام ينظر بها للمجتمع ككل .

 

أبو ثائر صديقنا ، حدثت معه حادثة مشابهة ، فبعد أن خرج من تلك الصحيفة المعارضة ، يبدو إنه تولد لديه حالة من الفراغ استثمرها في قراءة بعض الكتب ، حتى أن حصل على شرف الدخول إلى صحافة السلطة ، وياريت أي صحيفة ، فقد انضم إلى صحيفة كشفت من خلال مشروعها الفتنوي في تقرير شهير أعده مستشار حكومي سابق طرد لاحقاً ، وسبب أزمة وطنية حقيقية في البلد ساهمت في تعميق الهوة بين المعارضة والسلطة .

انضم أبو ثائر لهذه الصحيفة التي هدفها الأول ضرب طائفته التي ينتمي إليها ، ولكن ما أحلى وأشهى الدنانير حين يستملها الإنسان من تفاهات يكتبها تسمى زوراً مقالاتاً ، وما أحلى أن يرى فوق المال والوجاهة ، مديحاً من مجموعة من قراءة تلك الصحيفة التآمرية ، والتي كانت دائماً منتقاة من قبل إدارة الصحيفة .

 

يبدأ أبو ثائر في الكتابة ، إلا أن الفارق هذه المرة هو إدخال مشتقات " ح د ث " وأتحدى أي شخص أن ياتيني بمقال واحد في هذه الصحيفة لأبو ثائر ليست فيها كلمة (حداثة ، حداثي ، الدولة الحداثية ....الخ) .

بدايةً كتاباته ، كنت ألاحظ بدقةٍ متناهية ما يكتب ، إلا انني بعد ذلك وصلت إلى قناعة في حرمة القراءة له ، أو النظر إلى تلك الصحيفة ، فمجرد النظر إلى الصفحة الأولى لتلك الصحيفة تعني لي مجموعة شتائم وسباب سأتفوه بها لحين ، وأعصاب ستتلف ووجه سيتحول إلى اللون الأحمر ، وسيجارة ساشعلها لأدخنها بشراهة وقسوة ، لذا ابتعدت عن الجو قليلاً .

 

لكن المشكلة لم تكمن في هذا الأمر ، بل في إن أحد الأصدقاء يتعمد إرسال آخر مقالات أبو ثائر دائماً على الإيميل ، فأقرأها مجبراً ، لأني لا أغفل حرف واحد يردني عبر البريد الإلكتروني ، ومن هذا المنطلق ، بدأت ألحظ كيف أبو ثائر تماهى وتماهى ، وبدأ يحقر العالم كله ، وينظر بفوقية لأشخاص لا يحلم أن يصل إلى أحذيتهم ، ليحقر من معتقداتهم وتصريحاتهم وأفعالهم وكلامهم ، وصار همه الدفاع عن السلطة متمثلةً في أي شخصٍ كان ، حتى إنني أذكر له مقالات عدة بعد فوز الوفاق في الانتخابات ، فأي خطوة تخطوها كتلة الوفاق النيابية ، تعني له مقالاً جديداً يحقر فيه من هذه الخطوة ، وينتقص من هذا الإقتراح أو يسفه من ذاك السؤال ....الخ .

 

في الحلقة القادمة ، أبو ثائر ، أبو المصطلحات الصعبة .

مذكرات رجل ثوري (5)

التحول المريب

 

في الحلقة الماضية تحدثنا عن أبو ثائر ، وكيف له أن أصبح نجماً من نجوم السياسة ، وكيف انقادت الناس إلى خطابه على المنبر ، أو مقالاته عبر الصحيفة المحلية التي كان يكتب فيها ، يقول صديقنا "محمد الحايكي" في تعليقه على الحلقة الرابعة إن أبو ثائر كان يتصل ببعض أصدقائه ليسألهم عن ردود الفعل التي تولدت إثر مقاله الأخير ، وكل مقال كان يقوم بنفس الإتصالات ليعرف ما هو الذي يحرك المشاعر ويجعل الناس أسارى كلماته التي لا تتجاوز الـ 600 كلمة .

 

يمكننا استنتاج إن أبو ثائر كان يحاول أن يصبح نجماً باعتماده على الجمهور ، وكما يقولون فإن أبسط طريقة للوصول إجتماعياً هو الرقص على معاناة الشعوب ، ولننظر إلى التاريخ لنراه مليئاً بمثل هذه الأحداث ، ولن نحتاج إلى النظر لأكثر من 30 سنة أساساً ، كما لا نحتاج إلى النظر إلى السياسيين في البلدان المجاورة ، فيكفينا نحن في البحرين أن ننظر إلى سياسيينا منذ السبعينات حتى الآن ، وكيف تحول الكثير منهم إلى رجالات دولة ، وأصحاب نفوذ وسلطة .

 

أبوثائر ، لم يكن أفضل حالاً من هؤلاء ، فبعد أن رأي حجم الشعبية التي امتلكها ، أحس إنه يمكنه المقايضة الآن بهذه المعاناة التي كان يبثها ويبث شكواها ، فقام بالفعل بالمقايضة ، على أن يقوم بذلك تدريجياً ، وبالفعل بدأ يعطي جمهوره مقدمات ذلك ، حيث المديح المفرط في مشروع الملك الإصلاحي ، وحينما تسأله يجيب عليك بكل سذاجة أو احتقار للسائل ، إنني أقوم بذلك لنكسب نحن المعارضين الملك وليذهب خليفة بن سلمان إلى الجحيم .

 

كره الشارع لخليفة بن سلمان ، جعلهم يصدقون هذه الترهات بهذه البساطة ، مع إن الكثيرين خرجوا على أبو ثائر وكتاباته وبدأوا بانتقاده ، إلا أن الصورة كانت واضحة لمن راقب أبو ثائر وتحركاته وكتاباته ، أما الأعم الأغلب فبقي على طيبته واستمر في حساب السبعين محملاً الذي سيحمل به أبو ثائر وعثراته .

 

أبو ثائر لم يستطع الصمود أمام المغريات وسقط في ترف الحكم منذ ان انضم إلى المجلس الإسلامي الأعلى ، وأشاع حينها إن الشيخ ليس لديه تحفظ في الإنضمام إلى المجلس الإسلامي الأعلى بعد تغيير بعض البنود من القانون الأساسي للمجلس ، وبالفعل وكما يقولون فطعم الأموال لذيذ ، يغري الجميع بلا استثناء ، ما حدى بصاحبنا أبو ثائر إلى التأثر بالأموال التي يستلمها ، وكانت تكفيه نظرة مادية منطقية ليكتشف إن الحل الوحيد لترفه هو الترامي في أحضان السلطة ، أما أن تكون معارضاً فستحاربك الحكومة من الآن إلى قيام الساعة ، ولم تترك لك متنفساً لتعيش من خلاله برفاهية محدودة .

 

ينقل لي أحد الأصدقاء إنه التقى أبو ثائر ، وبدأ بمعاتبته على مواقفه الأخيرة ، فقال له بكل وقاحة "لقمة العيش" ، فرد عليه إننا رجال دين نعرف إن الله تكفل بالأرزاق ، ونحن زملائك لم نمت من الجوع أبداً ، ولكننا كما غيرنا ابتلينا بعدم توافر المسكن اللائق وعدم اقتناء السيارات المعقولة فضلاً عن الفخمة .....الخ ، وإن هذا امتحان من الله للمؤمنين فلا تناقض نفسك ، فرد عليه إنه مقتنع من أغلب ما يكتب ، وما يكتبه ويسرده هو الإستغلال الأمثل للحرية الممنوحة ويجب أن لا نستغل الحرية للشتم والتعرض لفلان وعلان .

 

وواصل أبو ثائر ، كتاباته المجنونة ، وبدأ يظهر مدى الإنبطاح الذي وصل فيه قبال السلطة والأموال ، فكل يوم يزيد انبطاحاً فيه عما سبقه ، ليصبح في النهاية شخصٌ لا يطاق ولا يتحمل ، ما حدى برئيس تحرير تلك الصحيفة أن ينتظر فقط انتهاء العقد السنوي معه ، ويرفض تجديد العقد لأنه بدأ يكره أبو ثائر الذي استغل منبراً حراً يكتب فيه آرائه ، للصعود والوصول والإنتهازية ، إلا أن أبو ثائر لم يكن مكترثاً كما يبدو ، فمستقبله قد تأمن ببضعة دنانير أشترته بها السلطة .

 

في الحلقة القادمة ، أبو ثائر حداثوياً .  

مذكرات رجل ثوري (4)

بعد الرجوع إلى الوطن ، أبو ثائر كاتباً صحفياً

 

فترة الميثاق كانت حقاً فترة مجنونة ، حولت الحمائم إلى صقور ، وأبرزت أشخاصاً لم يكن لهم دور تاريخي ، وجعلتهم في وجه الحدث (لازلت اذكر عبدالله هاشم وخطابه الناري في نادي العروبة عشية ذكرى مرور عام على الميثاق وكيف صفقت له الآلاف المحتشدة وكانت مستعدة لتتوجه رمزاً لأنه افتخر بالسلندرات وأبدى الإستعداد للرجوع لها ولحقبتها الأليمة) .

كانت الفترة ذهبية لمن لم يكن له دور في الإنتفاضة أن يكشر عن أنياب معارضته ، بل الأدهى من ذلك والأمر تحول شخصيات محسوبة على تيارات موالية في الحقبة الأمنية السيئة الصيت إلى رجالات معارضة وصقوراً على حسب التعبير السائد ، ليشكلوا متطرفي المعارضة لفترة من تاريخنا الحديث والمعاصر .

 

أبو ثائر صديقنا ، عاد إلى الوطن لكنه عاد خالي الوفاض بلا وظيفة ولا شهرة ولا إسم حتى يذكر في عالم السياسة التي طالما عشقها ، كانت حينها الساحة محتاجة إلى بعض الأقلام المعارضة للكتابة في الصحافة المحلية ، ولأن صديقنا أبو ثائر كان شاعراً وقادراً على الكتابة بأسلوب أدبي جميل ، ولأن متطلبات المرحلة كانت ستقبل به كاتب مقال ولأنه رجل دين أيضاً ، فقد استطاع أن يفتح له باب رزق عبر إحدى الصحف المحسوبة على السلطة والتي لعبت دوراً مقيتاً إبان الأحداث لا أحد ينساه .

 

بدأ أبو ثائر بالكتابة ، (يبدو الخطاب ملفتاً ، فلم نعتد أن نقرأ في الصحف نقداً للسلطة ولو إشارةً من بعيد ) تبدو الناس مصدومة من شدة الفرحة ، وكاد البعض أن يغمى عليهم من شدة الفرح ، فكيف لهذا الشخص أن يتسلل إلى الصحف الحكومية ويكتب فيها وهو رجل دين ومعارض وللتو أتى من المنفى .

 

يكتب أبو ثائر ويكتب ويكتب ، عن طموح هذا الشعب المتواضعة ، لكنه سرعان ما يختفي عن الأنظار لفترة من الزمن ، لنراه بعد ذلك في صحيفة جديدة انشئت للتو ، وهي محسوبة على المعارضة ، يبدأ في الكتابة فيها بسقف أعلى ، ويكتشف أخيراً ما يحتاج الناس قراءته (لغة الأرقام) ، وما أدراك ما لغة الأرقام ، تبدو مبهرة وتشد الناس لها .

 يبدأ بالكتابة بهذا الأسلوب بطريقة بدائية ، حيث التحليل السهل لأرقام معلنة ليس من الصعب الحصول عليها لأي صحفي مبتدئ حتى ، لكن الناس تنشد له أكثر لأن المشكلة في هذا الشعب إنه لا يقرأ كثيراً ، ولا يحاول أن يطلع على المعلومات الرسمية المنشورة من أجهزة الدولة ، ولكنه يعشق أن يقرأ مقالاً من 600 كلمة أعده رجل دين ثوري ذو تاريخ نظالي مشرف ، ذكر فيها الأرقام في سياق حديثه عن الفقر أو الإسكان أو الأوقاف أو الجامعيين العاطلين عن العمل .... الخ .

 

قلت لكم إن فترة الميثاق كانت ذهبية لمن يريد الظهور كنجم في عالم السياسة ، لذا سرعان ما تحول صديقنا أبو ثائر إلى رمز سياسي كبير لا يمكن حتى مقارنته ، وبدأت الناس تقرأ له بجنون ، كانت أحاديث الأصدقاء هي عن ما كتبه وما سيكتبه أبو ثائر ، كانت الناس تترقب الصحيفة الجديدة لقراءة مقالاته ، شيء مذهل حقاً ، والشيء المبعث للذهول أكثر من ذلك هو نشوء جماعات مقدسة ومنزهة ومحللة لخطاب أبو ثائر ، ليتحول أبو ثائر من رجل دين مغمور إلى كاتب مشهور يمدحه الجميع ، فهو يتكلم عن معاناتهم كثيراً ، ولا ينساهم أو يتناساهم .

 

بعد الشهرة الواسعة ، يقرر أخيراً أبو ثائر أن يصعد المنبر ، فيرتقيه متشدقاً بالأرقام ، ويخطب في الناس فاضحاً النظام ، تمتلئ المآتم عن بكرة أبيها ، المكان ضيق والأزقة المجاورة للمأتم مملوءة بالناس الجالسة ، وصوت المكبر الخاص للمأتم هو في أعلى درجاته ، حتى يسمع القاصي والداني هذا الخطاب الجريء .

 

في إحدى ليالي محرم الحرام حينما كنت متوجها حينها للمنامة في وقت مبكر جداً من المساء ، استوقفني جمع هائل عند مأتم العجم الكبير ، لا أعلم حقيقة التجمع لذا اقتربت ، ولما أن وصلت حتى شاهدت أبو ثائر يصغي لمعاناة الناس ، أحد الأشخاص يشرح له معاناته وأجره الزهيد ، وأبو ثائر يلتفت يميناً وشمالاً للجمهور حتى استوقفه وجهي فميزني وأعطاني شيئاً من الإحترام الذي لا أستحقه ، وبادرني بالسلام فرددت عليه السلام ، وعندما انتهى المواطن من سرد معاناته ، صافحت أبو ثائر وأبلغني سلاماً حاراً لوالدي والأهل عموماً ، وكذا أنا فعلت واستأذنته لأرحل ، فرحلت .

وأنا أسير على قدمي ، قلت في نفسي ، "من قدك يا أبو ثائر ، صرت مشهوراً والناس تحيطك أينما رحلت وحللت" ، لكنني في نفس الوقت لازلت متحفظاً وأحاول الإبتعاد عن النقاش حول شخصيته التي لمعت فجأةً ، فلازلت أعرف موقفه في الأيام الأخيرة في قم ، ولكن الجو العام جو مقدس رافض للنقاش فما بالك بالنقد ، ولا أنسى إنني من أول ما ظهر فيها أبو ثائر للعلن ، كنت من أشد منتقديه ومناقشي شخصيته خصوصاً مع المقدسين الذين كانوا دائماً ينهون نقاشاتهم معي بـ "إستغفر ربك ، إتقي الله" .

 

وصل أبو ثائر إلى أعلى قمم الشهرة ، فالندوات التي يحاضر بها كثيرة جداً ولا تعد ولا تحصى ، يبدو إنه وصل إلى مرحلة كان يستطيع فيها التأثير على شريحة واسعة من هذا المجتمع ، فيا ترى إلى أين سيصل صاحبنا أبو ثائر ؟؟؟

مذكرات رجل ثوري (3)

 لم يكن صبوراً

((قبل القراءة ، الكلام المدرج باللون الأحمر والمحصور بين الأقواس هو لأحد رجال الدين في جلسة ودية خاصة ومطولة)) .

 

"كان ثورياً بحق وكان مندفعاً بقوة ، يندفع إلى توجهاته ويخدم قناعاته بتوظيف شعره وأبياته  ، لكنه كان عجولاً ولايحب الإنتظار فأي خطوة يتم التوافق على تنفيذها كان مستعداً لسهر الليالي حتى يرتاح بعد تنفيذها"

 

الكلام هذا كان لأحد أصدقاءه من رجال الدين ، في حديث ودي عنه وعن أيامه ، فأبوثائر صاحبنا وصديقنا كانت هذه سلبيته ، حيث لا يحب الإنتظار أبداً وعجولٌ إلى أقصى سرعة  "كان يحب أن يرى نتائج الخطوات التصعيدية خلال أيام ، وكانت لديه في حوزته خطوات خطيرة دائماً ما كان يشور بها على الشيخ ، إلا أن الشيخ لم يكن ليتقبلها لضررها الوخيم وآثارها الخطيرة وما يمكن أن تترتب عليها من أمور قد يتأذى منها الشعب أمنياً وبشكل غير متصور ، رغم فائدتها الإعلامية الكبيرة"

 

هذا التطرف والعجلة التي كانت سلبيتاه اللتان حملهما معه حتى حين ، كانتا قد أثرتا عليه بشكل سلبي كبير ، فلم يكن كلامه حسب وجهة نظره مهماً ومؤثراً لدى القيادات العليا المتواجدين ، وكأنه "يؤذن في خربة" ، وهذا السبب كان كفيلاً لنقله من ضفة التفاؤل بالنصر ، إلى ضفة الخيبة واليأس والشعور بالخسارة الفادحة وعدم إمكانيته لتحقيق حلم الثورة الذي كان جزءً من عقيدته .

 

أخونا أبو ثائر استسلم مبكراً "نحن مكثنا 18 عاماً من دون أن نيأس ونرفع الرايات البيض ، أما هو فلم يمكث عشر سنوات متتالية واستسلم" .

وهذا هو خلاصة ما حدث من طارئ حقيقي على أبوثائر ، فقد علت نبرته معلنةً الحنين والحب للرجوع إلى أرض الوطن ، خصوصاً وإنه أصبح أباً فهو لايريد لإبنه أن يتربى بعيداً عن أهله ، أو أن يكون (كما انا مثلاً) شاباً لايملك ذكريات عن اللهو واللعب أيام طفولته وكأنما هو أنجب إلى الدنيا رجلاً لم يمر بمرحلة الطفولة أو يسمع عنها حتى .

 

حاول أبوثائر كثيراً في ثني الإخوة عن طريق استبدال الاستراتيجية بأخرى أقل خشونة ، وأكثر لطافة وبكلمات تفتح الأذرع عملاً بالظروف والأحكام المستجدة ، وفي ليلة وضحاها قام يتحدث عن يأس الشعب وعن عدم مقدرته على تحمل المزيد ، وضرورة استحداث مبادرة تنقلنا من حالٍ إلى آخر ، لكن المشكلة كانت تكمن فيه فهو لم يكن لديه الخبرة السياسية الكافية حتى يستوعب ما يقول ، وكان كل ما يقوله نظريات غير قابلة للتطبيق . " بدأ أبو ثائر بتقديم بعض الإقتراحات التي بينت لنا استسلامه وعدم رغبته في البقاء في صفوفنا ، ولكنه لم يرد مفارقتنا ففي الغربة هو لايملك غيرنا لذا قام بتقديم نظريات سياسية غير قابلة للتطبيق مع نظامٍ درسناه جيداً ونعرف خطواته وأطباعه وطريقة تفكيره ، ونحن نتعامل مع هذا النظام منذ الستينات ولسنا طارئين أو مستجدين في العمل السياسي" .

أبو ثائر بدأ بالتأخر عن الركب شيئاً فشيئاً ، حتى بدى مخالفاً لهم في كثير من الأحيان ، التطرف يخف شيئاً وشيئاً ، والثورية يقوم بتسميتها بالمراهقة السياسية ويدعي إنه اليوم ذو بصيرة وعقل .

" البعض منا حين رأي تغيرات أبو ثائر في السنين الأخيرة في قم ، استبشر قائلاً : (إن أبو ثائر بدأ أخيراً في الابتعاد عن العواطف التي تحركه والتي تأتينا بالآراء المتطرفة ، وهذا التغير سينقله إلى الجهة الأكثر اعتدالاً حيث سيكون النقاش معه مثمراً وقد يكون من المقربين من الشيخ) ، لكننا البعض الآخر الذين كنت أنا منهم كنا نعتقد بأن أبو ثائر قد استسلم ولم يعد في مقدوره مواصلة العمل ، لذا دعونا أصحاب الرأي السابق إلى التريث والنظر قليلاً في أفعاله وردات فعله حتى بدأنا نكتشف شيئاً جديداً " .

 

فعلاً لقد تغير أبو ثائر ، وليته تغير لينتقل إلى الجانب المعتدل في المعارضة المتكونة من مجموعة من رجال الدين في قم ، إلا أن الميثاق أظهر شيئاً مخالفاً ، "كان الميثاق هو الفيصل في الجهة التي يريد أبو ثائر الإنتقال إليها ، حيث الشيخ أخذ قراره في عدم التصويت على الميثاق ونحن بطبيعة الحال امتثلنا لقراره ، لكن أبو ثائر فلم يكن ليكترث بكلام الشيخ الذي طالما كان يقدسه بشكل أعمى ، وقد اصطحب زوجته معه إلى السفارة البحرينية في طهران وصوت على الميثاق ، وهذا الشيء ليس سراً بل هو يفتخر فيه على الدوام في محافل عامة " .

 

هنا بدت عليه علامات الخروج عن خط المعارضة ، إلا أن طبيعة العلماء جعلت الأمر وكأن شيئاً لم يكن ، فليس من صفاتهم التشهير بالآخرين ، وإنما السكوت والهدوء هي صفتهم الملتصقة بهم أينما رحلوا وأينما حلوا أو كما يقول أحد الأصدقاء إن رجال الدين يجيدون التستر على جماعتهم .

 صوت أبو ثائر برفقة زوجته في السفارة البحرينية في طهران بنعم للميثاق ، ورجع إلى البحرين سالماً غانماً ، لكن ماذا كان يفعل في البحرين ، هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة .

ش

مذكرات رجل ثوري (2)

أبو ثائر في إيران

 
"وأخيراً وصلت" ، كانت هذه أول كلمة تفوه بها عند دخوله إلى مدينة قم ، شاب أعزب ، طموح شغوف بالسياسة كاره للنظام السياسي الذي يدير البلد ، محب للعلماء ومنقاد للشيخ بطريقة خيالية غير متصورة .

يحاول البحث عن أحد يدله على شخص من الجالية البحرينية في قم ، يفلح أخيراً في الوصول إلى أحدهم ، يشرح له إنه مستجد يطمح في الدراسة الحوزوية فيطلب منه التمهل حتى حين ، ويأخذ عنوانه والفندق الذي يقطنه ويعده بالتواصل معه في أقرب فرصة .

يذهب الرجل الذي التقى بأبو ثائر ليعلم المشايخ المتواجدين هناك ويزودهم بالإسم والمنطقة ، وتبدأ الإتصالات المكوكية بالبحرين للتعرف على حقيقة أبو ثائر ، فقد يكون مدسوساً من النظام كغيره ممن سبقوه ، يكشف المشايخ هناك بأنه شخص محسوب "على الجماعة" فيوافقون على تسيير أموره ولكن بحذر ، فالحذر مطلوب في كل شيء ، والثقة للتو ابتدأت تتكون والعلاقات غير متينة .

يحاول أبو الثائر الإلتقاء بالشيخ ، حتى يفلح في ملاقاته فينكب عليه مقبل جبينه ويحتضنه احتضان العاشق لمعشوقه . الشيخ كعادته مبتسم يرحب فيه ويهلل ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بك يا أبو ثائر بين إخوانك .

يشعر أبو ثائر بتواضع الشيخ فيقابله بردود مجاملاتية بروتوكولية متعارفٌ عليها في مثل هذه اللقاءات .

يبدأ أبو ثائر سريعاً في الإندماج ، ولكنه لازال غير محسوب على الدائرة الضيقة المحاطة بالشيخ ، فهذه الدائرة الضيقة لم تتكون من فراغ بل أتت من وفاء وإخلاص دام سنوات للشيخ ولخطه الديني والعقائدي والفكري ، ويتطلب منك الوصول إلى مرحلة في الدراسة الحوزوية تؤهلك لخوض هذه التجربة ، لتكون أحد المستشارين "إن صح التعبير" للشيخ في مختلف الشئون الهامة والمصيرية .

كل ما يلتقي أبو ثائر بالشيخ ، يزداد تعلقاً وتقديساً ، فالشيخ نهايةً رجل ثوري وأدبياته الثورية تلهم أمثال أبو ثائر ، مما يحدو به إلى التشدق بولاية الفقيه ، حتى يصل "أبو ثائر" إلى قناعة ، إنه لا حل في البحرين إلا من خلال تطبيق نظرية ولاية الفقيه والحكم الإسلامي .

يتابع بشغف خطابات السيد علي الخامنئي (مرشد الجمهورية الإسلامية) ، حيث يسمى بالسيد القائد احتراماً وإجلالاً ونظراً لأنه الولي الفقيه ، يتطلع إلى خطبه الرنانة ، خصوصاً في إذاعة إيران حيث تترجم خطبه بالعربية ، يرى فيها روح المقاومة والممانعة ، وكيف لهذا السيد أن يهز أمريكا بكلمات معدودة ويحدث لها حالة طوارئ .

يزداد اقتناعاً بأن نظرية ولاية الفقيه هي الخيار الصحيح لبلد البحرين المسلم والمسالم .

تنتهي سنة أبو ثائر الأولى هكذا ، ويقرر بعدها الرجوع إلى البحرين لإكمال نصف دينه ، فيرجع البحرين ويدخل التحقيق ويخرج منه ، فيتزوج ويترك البحرين وهي على أبواب  اشتعال فتيل الأزمة .

الوضع مشحون هناك ،الناس مصرة هذه المرة لرفع مطالبها بصورة مغايرة ومستعدة لإحتجاجات مفتوحة غير محددة التاريخ في الإبتداء والإنتهاء .

الشعب مصر على عودة الحياة النيابية ، يرى أبو ثائر إن تواجده في البحرين غير صحيح ، يتزوج ويعود بأدراجه إلى قم ، ويواصل الدراسة ، ويشتعل فتيل الأزمة ، فتتأزم الأوضاع ، يتابع الأخبار أبو ثائر باهتمام بالغ ، يحاول فرض شخصيته في أماكن مهمة للإتصال بالعالم الخارجي ، تعطى له بعض المهام ، يكثر في القراءة والإطلاع على التقارير المختلفة ، وكلما حصل على تقرير جديد ازداد كرهه للنظام وحبه للقيام بعمل بطولي "على غرار جيمس بوند" لينهي المسألة ويريح العالم .

يبدأ بمحاولة زج مقترحاته المتطرفة لدى الشيخ ، فقد يحصل منها على بطاقة عضوية في الحلقة الضيقة المحيطة به ، فلم يفلح بذلك ولم يكن يعرف بأن الشيخ لا يحب المتطرفين ويقرب المعتدلين والمتعقلين .

يشارك في الفعاليات المختلفة ، فينظم الشعر الذي يبدأ بالتحية والإجلال لشيخ المناظلين والشهداء ، وينتهي بالذم والسب والنيل من رؤس الحكم الفاسدين .

لا يتوانى في إظهار تطرفه ، ويفتخر بحبه وشغفه للسياسة ، فحتى مكتبته الخاصة في منزله ترى كتب السياسة فيها متواجده في أماكن مرموقة ، كمطالعة الدكتور سعيد الشهابي على الوثائق البريطانية ، وككتاب الرميحي عن البحرين ، وغيره من الكتب .

وصل أبو ثائر إلى درجة جنونية في التطرف ، أعمت عينيه من المختلفين معه ، وحتى إخوته في النظال صار يعيب عليهم اعتدالهم ويعتبره سكوت وذل وخنوع وخضوع ، وبدأ باستنهاضهم لكن دون جدوى ، حتى وصل الأمر بإخوانه من طلبة العلوم الدينية إلى الإبتعاد عنه وتحاشي النقاش معه .

مذكرات رجل ثوري (1)

1- حلم الثورة في البحرين

السلام عليكم أيها القراء والأحبة المتابعين وأود إخباركم بسلسلة أعددتها مسبقاً عن "أبو ثائر" بطل قصتنا هذه ، ونحكي فيه حياته والمستجدات الطارئة التي حصلت له ، متمنياً منكم الإستمتاع بقراءة السلسلة التي ستحوي على أجزاء متتابعة ، وسعيداً بها إن حازت على إعجابكم .

أبو ثائر رسام مبتدئ وشاعر مبتدئ أيضاً ، نشأ وترعرع في أزقة أحد أحياء قرى البحرين الفقيرة والمحرومة والمهملة ، حالته المادية ضعيفة جداً وعائلته لا تملك شيئاً سوى بيت الوالد القديم المتهالك .

أبو ثائر أحب هذه الكنية كثيراً ، فهو يعشق الثورة ويحب النظال ، ويرى في زوال السلطة الحاكمة الطريق الوحيد لتحقيق الاحلام وبداية لوضع لبنات الحكم الرشيد والديمقراطي الذي يحترم الشعب وخياراته السياسية .

يقوم أبو ثائر بممارسة هواياته السياسية ، من خلال المشاركة في العزاء الحسيني ، والمظاهرات الشعبية والندوات والفعاليات ، ولا يترك أمراً إلا وكان يسجل فيه حضوره ، فهو يرى في ذلك واجباً وطنياً لايمكنه إغفاله .

تاثر أبو ثائر بانتصار الثورة الإسلامية ، وانشد إلى نظرية ولاية الفقيه وقام بالتنظير لها على مستوى فهمه الشخصي ، وبعد ذلك قام باستخدام أدبيات ومفردات الثورة بقوة ، حيث إنه يرى في الثورة حلمه الضائع الذي إن تحقق ، تحققت على يديه الإصلاحات وخلص الوطن من الغزاة والدخلاء حسب قاموسه الشخصي الذي كان يستخدم هذه المفردات والأدبيات بكثرة .

 

أبو ثائر دفع ثمن مواقفه العنيفة والمتطرفة ، فتعرض للمضايقات الأمنية وتعرض بعض أهله وأصدقائه للتوقيف والتعذيب ، مما زاد من موقفه صلابة وتطرفاً ، حتى ألقي القبض عليه ومورست في جسده بعض من أنواع التعذيب ، كما لم تغفل الأجهزة الأمنية ممارسة التعذيب النفسي معه ومع غيره ، لكنه خرج من السجن رافعاً رأسه ، مفتخراً لما تعرض له من امتحان .

فكر أبو ثائر قليلاً فيما يحدث ، بدت عليه علامات اليأس والإحباط ، فحلم الثورة هذا لم يتحقق بهذه السهولة ، ووجوده في الوطن يعني له الكثير من المضايقات وربما إعادة اعتقاله ، وفكره لا يستطيع تسويقه حيث يريد ، لذا فكر ملياً في خياراته وقرر واختار الهجرة إلى قم ، حيث سيكون طالباً للعلم وبعدها رجل دين قادر على تحريك الساحة كقائد أو شخص مؤثر .

حزم أمتعته وجمع ما تيسر له مما سيعينه على مشقة وعناء الغربة ، وتوجه إلى إيران بطريقته الملتوية من دولة إلى أخرى ، ليصل أخيراً للمدينة الذي أراد ، وليبدأ بتحقيق الشيء البسيط من متطلبات المرحلة ، حيث الدراسة والعمامة وبعدها قيادة الساحة والتأثير في القرار السياسي .



<<الصفحة الرئيسية