
قبل البدء ، كنت قد قطعت وعداً على نفسي بعدم التطرق لأي موضوع سياسي محلي ، لكن هذا الموضوع ليس الغرض منه الشأن السياسي ، بقدر ما هو يتعلق بصديقة عزيزة كلميس ضيف من واجبي الوقوف إلى جانبها وإعلان موقفي الذي لا يمثل شيئاً كثيراً ، لذا فإني فخورٌ بكسر القاعدة لمرةٍ واحدة للميس ضيف ومن خلفها كل الصحفيين .
تعرفت إلى الأستاذة لميس ضيف في أوائل الـ 2006 إن لم تخني الذاكرة ، حينها كانت بداياتي التي انتهت مبكراً في العمل الصحفي ، كانت ترأس القسم الذي عملت فيه "التحقيقات الصحفية" ، وتعرفت إلى الصديقة لميس ضيف في أواخر رحلتي الصحفية في الـ 2007 وخصوصاً بعد خروجي من الصحافة .
لست هنا أدون علاقةً بين طرفين وأؤرخ لها ، بل حديثي اليوم عن موضوع آخر ، هو إستدعاء النيابة للتحقيق مع لميس ضيف المواطنة ، حيث إرسال طلب التحقيق معها تحت مظلة قانون العقوبات وليس قانون الصحافة والمطبوعات ، على إثر سلسلة من المقالات التي كتبتها ، وتحدثت فيها بإسهاب عن وزارة العدل والشئون الإسلامية وخصوصاً "القضاء" و قدمت في هذه المقالات نماذج كأمثلة على الفساد في القضاء ، وأذكر هنا للفائدة وجود ثغرة في قانون الصحافة (الذي يمنع حبس الصحفي) تمكن القاضي من طلب التحقيق مع صحافي بالدخول إلى قانون العقوبات وليس الصحافة .
واقع الأمر ، إن اخذت أنا الموضوع على ظاهره ، فسأتهم السلطات المختصة التي وجهت طلب التحقيق للأخت لميس ضيف ، بالغباء حيث أنها كانت تهدف من سلسلة مقالاتها لخلق وعي شعبي تجاه قانون الأحوال الشخصية وضرورة الموافقة عليه ، وهي في الهدف تنسجم مع إرادة السلطة برأسها المتمثل في الملك والديوان الملكي ، فكيف لهذه السلطة العبقرية أن تطالب التحقيق مع شخص يريد تحقيق هدف واضح ومشترك بينه وبين الديوان الملكي والملك الذي هو رأس السلطات الثلاث ، حيث إن الذي تهدف من وراءه لميس ضيف ، يهدف الملك إليه وهو ذاتٌ لا تمس لا قضائياً ولا أي شيء آخر ، إذاً بما أن الملك ذاتٌ لا تمس فبشكل طبيعي هدفه أيضاً لا يمس ومشروعه لا يمكن الإعتراض عليه قضائياً ، ومن هنا أريد أن أتهم السلطة القضائية بالوقوف ضد هدفٍ وطني مقدس (قانون الأحوال الشخصية) يدعمه الملك بذاته التي لا تمس .
أما إن أخذته على محمل السوء الذي أثبت صحته مع توالي الأحداث ، فسأقول إن طلب التحقيق هذا أتى بذريعة المقالات التي تنال من القضاء ، بينما كان الهدف منه هو التضييق على لميس ضيف وخصوصاً بعد مقالها الشهير عن حادثة إقفال مسجد الصادق بالقفول وتطويقه بقوات الأمن .
خطورة الأمر تكمن في أن الإستدعاء تحت مظلة قانون العقوبات وليس قانون الصحافة ، مع أنه يتعلق بمقال صحفي لصحفية وعضوة في مجلس إدارة جمعية الصحفيين أيضاً ، وهذه بداية خطيرة للنيل من كل صحفي يضايق السلطة في كتاباته ولا يوجد منفذ للتحقيق معه أو مقاضاته في ظل قانون الصحافة (مرسوم 47 للعام 2002) إلا جسر المواد 68،69،70 التي تحيل الصحفي إلى قانون العقوبات ، بحجة التحقير أو التشهير بمؤسسة رسمية ما ، ما يعني إن الصحفي سيكون بين أحد الأمور إن ثبتت إدانته ، إما سجن أو كفالة مالية أو الإثنين معاً .
والخطورة الأكبر تكمن في أمر ثانٍ ، إذ أنه في السابق كان يتم "جرجرة" الصحفي بعد أن يقوم مسئول ما برفع قضية عليه لدى المحكمة ، أما اليوم فالذي يرفع الشكوى هو قاضي ، والذي يعمل على التحقيق هو قاضي أيضاً ، والذي سيصدر الحكم فهو قاضي في نهاية المطاف ، ليصبح الحاكم في أمرٍ ما هو صاحب الشأن الذي سيتخذ ما يريد "حسب مزاجه" على الأغلب .
قالت لي لميس إنها ماضية فيما هي عليه ، ما دامت ترى إنها على حق ، ويجدر بي أن أفتخر بهكذا ناس ، لا يتاجرون بمبادئهم وليسوا مستعدين لدخول صفقات تقضي على مبادئهم وإن كان المقابل هو السجن أو الغرامة المالية الغير محددة حتى .
أنا أدون هذه الكلمات ، مستنكراً ما يحصل ، وما يحصل ليس أقل من سخافة سلطوية لأفراد بعينهم يعتقدون بأنهم امتلكوا البلد فقط لشغلهم بعض المراكز الحساسة ويريدون أن يسيروا بالبلد إلى حيث يشتهون ويتمنون .
مع لميس ، متضامناً وضد مبدأ التحقيق مع أي صحفي كان يعجبني أو لا يعجبني ، تربطني به علاقة ما أم لا ، يسير في ذات الهوى السياسي الذي أسير فيه أم لا ، مع حرية الصحافة ومع حرية الصحفيين ، بل ومع وضع شيء يشبه الحصانة للصحفيين كي يواصلوا عملهم بمهنية أو بضمير ، وكي لا يكونوا عرضةٍ للإبتزاز من هذا الطرف أو تحت رحمة مزاج ذاك الآخر .











