
يمثل كتاب "كالتي هربت بعينها" للشقيقة باسمة القصاب سيرة فكرية تحاكي فيها التحولات التي مرت بها الكاتبة ، منذ زمن التدين ودخولها لجماعة الأمر ومن ثم خروجها ، والكتاب على عكس المتوقع من الجمهور لم يكن ليحاكي السيرة الذاتية والتجربة الشخصية الغنية بالمعلومات والوقائع بقدر ما يحاكي فكر الجماعة وتشكلها ، وعيها وحلمها وأمرها وقهرها وخلاصها ، فلا يبحث هذا الكتاب عن سلسلة فضائح لتسجيل النقاط وإعلان الانتصارات إذا اشتدت الأمور في المساجلات الكلامية والإلكترونية .
بعد مقدمة الكتاب الشيقة تبدأ الشقيقة باسمة بالتحدث عن الجماعة وتعريفها وطريقة نشوءها والهدف منها "الحلم الذي يستحيل للفرد (كفرد واحد) تحقيقة" ، لتنتقل بعد ذلك إلى الهروب الثاني "قهر الذات" حيث تتحدث عن حلم الخلاص الذي ساقه جماعة الأمر لأتباعهم وكيف صار الحلم قاهراً للذات حينما يكون الحلم رغبة جامحة تسيطر على كل مساحات الفرد الواعية والغير واعية ، فيصبح الحلم وتحقيقه ، غاية المأمول لدى هذا الفرد .
تواصل الفراشة سردها في الهروب الثالث ، حين تتكلم عن الغموض وبداية الخوف ، أو بداية الفهم للعَمَد الأساسي الذي تبنى عليه جماعة الأمر ، حينما يتحدثون باسم المهدي المنتظر ويوهمونك باللاوعي إنه في إثارتك للأسئلة قد تبتعد عن الطريق القويم والمستقيم ، وقد يمحيك الإمام كما يمحي الطالب النقطة التي لا يستفيد منها من على ظهر الورقة .
الخطير في الأمر ، هو حينما توهمك جماعة الأمر بأن هذه الزقاق الضيقة والممرات الملتوية ما هي إلا فضاء رحب للتأمل والتفكر والعبادة والتقرب من المولى ، حين يصبح الحلم مقدساً وحين تكون كل حياتك الطاعة وتنفيذ الأوامر مهما كانت ، ومجرد طرح الأسئلة تشعرك بالذنب وضرورة التكفير عنه بالاستجابة للأوامر من دون نقاش .
لازلت أجهل يا شقيقة ، كيف استطعت تحمل كل هذا التضييق على العقل والفكر طوال 16 عاماً .
في الهروب الرابع تتحدث الكاتبة عن غلاف الجماعة ووجه الغلاف الداخلي لها ، وكيف استطاع القيادات في جماعة الأمر أن يخلقوا هذا الغلاف ليعيش فيه الجماعة بازدواجية ، أي أن يكونوا أشخاصاً فيما بينهم بينما يكونون مغايرين لما هم عليه في تعاملاتهم واحتكاكاتهم مع عامة الناس ، وتوضح –الكاتبة- إن الوهم "الحلم" الذي عاشوه في فترة التسعينات جعلهم بعيدين عما يحصل ، لأن الضالعين في التوترات أشخاص عملوا على تكفير هذه الجماعة و كأن لسان حالهم يقول "فخار يكسر بعضه" أو "اللهم اشتغل الظالمين بالظالمين" .
وتواصل الكاتبة ، إن من أهم أسباب عدم اندماجهم مع الآخرين إلى جانب المقاطعة الشيعية التي رمت بهم إلى خارج رحم التيار الشيعي بلونيه المعروفين آنذاك "الدعوة والرساليين" ، هو إحكام الغلاف من القيادات بتشويه نظرتهم للناس على أنهم "نسناس" وإيهام الجماعة بأن لديهم عمل مقدس عليهم القيام به ، حيث أفهم مما تكتبه باسمة إن أهم أسباب التهميش هو ذاتي تمثل في قرار القيادة في جماعة الأمر بعدم إفساح المجال لمخالطة الناس وتحريم طرح الأسئلة على النصوص التي يسمونها مقدسة ، حيث إن الأسئلة تقلل من قيمة النصوص وهذا ما جعل جماعة الأمر ، أجهزة ميكانيكية بلا عقل تقوم بتنفيذ الأوامر التي تَرِدها (تصلها) .
في هروبها الخامس تتحدث الكاتبة عن التغذية الفكرية للجماعة (أهم ما كان ينصح بقراءته الوكلاء الخمسة) وتستعرض بعض الكتب وتأثيرها على الشيعة ككل والجماعة بشكل خاص ، حيث يرون إن هذه الروايات المنقولة في تلك الكتب تنطبق عليهم وإن المجتمع الذي يحاربهم ليس إلا جاهلاً يجهل كنوز المعرفة التي يمتلكونها ، وبذلك تصبح الحقيقة حكراً على هذه الجماعة فقط .
وهنا بالتحديد تبين لنا باسمة كيف إن جماعة الأمر نصبت نفسها ممهدةً لدولة الإمام المنتظر "وسيلة" وكيف إنه على المنضمين إليها أن يتحملوا التهميش والتكفير والإقصاء فقط إخلاصاً إلى مشروعهم / حلمهم / وهمهم ... الخ .
وفي هروبها السادس تحدثت عن كيفية مرورها باضطرابات فكرية وتوارد الأسئلة التي سرعان ما تنازلت عنها (تنازلت عن حقها بالسؤال) واقتعنت فعلاً بأن السؤال داخل هذا الغلاف هو منكرٌ ، كما وأنها تذكر ردود الفعل التي أتتها في العام 2003 عندما حاولت النقاش فقط في سبب عدم القدرة على طرح الأسئلة التي هي كثيرة داخل الفرد المنضوي تحت مظلة الجماعة .
أما هروبها السابع فتتحدث الكاتبة عن كيفية تكوين السور الخاص بالجماعة وبأفرادها ، وكيف صار كل من هم خارج السور فضالة (من فضيل الطعام) وتقوم بعد الشرح بتعرية هذه النظرة الفوقية لجماعة الأمر بشكل علمي هادئ ورصين .
من وجهة نظري إن هذه الجماعة ، كان أحد أهم ركائزها توليد الخوف في نفوس أفرادها وإشعارهم بالخطر والاستهداف من الخارج ، ليرى الفرد منهم إنه مستهدف في مقدساته فيدافع عنها بلا هواده ما يجعله بعيداً كل البعد عن طرح الأسئلة والإشكالات .
أما الهروب الثامن فكان عن عرف الجماعة وذائقتها ، مستندةً إلى كلمة لرابحة الزيرة (أحد أعضاء جماعة الأمر) "من ذاقَ عَرِف" لتفند هذه المقولة ولتعتبرها كلمة عجزٍ لا تقال إلا عند استعصاء الرد المنطقي والعلمي المقنع وعدم المقدرة على الاستمرار في الحوار ، كما ويستطيع القارئ أن يكتشف من هذا الفصل تحديداً ، كيف أعطت باسمة إشارات إلى هروبها من الجماعة وتبريرها لذلك بقولها : "التذوق خبرة منفلتة من أسر القواعد والنظم اللاقطة وكلما ذاقت أكثر شعرت بجهلها أكثر" .
وهناك الكثير من الجمل التي تحدثت فيها عن التذوق والخبرة المكتسبة تبريراً لخروجها من الجماعة (حسب وجهة نظري) .
هروبها التاسع كان عن بداية انضمامها ، كيفية ادخالها ، ومتى كان ذلك وعن طريق من ؟ ، كيف كسبت صديقتها ثقتها ، كيف أوهمتها بالسر العظيم الذي تختزله ، كيف أجرت لها مراسيم الدخول في الجماعة بعد إجراء القَسَم ، وكيف صار هذا القسم هو غلاف باسمة الذي يقيدها ، وكيف كان الكذب إحدى سمات هؤلاء –حين ادعوا أن إيران هي الأصل وإنهم متصلون بها- فقط لكي يكسبوا التعاطف والثقة ويُدخلون إلى جماعتهم من يشائون .
هروبها العاشر كان عن التفاتتها ، وكيفية تخلصها من نظرة الجماعة وتحولها إلى نظرة الذات ، باختصار وبأسلوب مهذب ومؤدب ، تحكي باسمة خروجها الهادئ غير الراغب في الحقد وفتح ساحات الحرب والسجال مع الجماعة ، مبررة خروجها بإرادتها لرؤية العالم في ذاتها لا جماعتها ، وليت الجماعة تركوها تُحَلِق من دون أن يحاولوا حرق جناحيها .
ترفض باسمة أن تلغي تجربتها التي دامت 16عاماً مع هذه الجماعة ، بل ترى نفسها متصالحة مع ماضيها حيث لا يمكن أن تنظر إلى تجربتها بازدراء أو تقليل شأن أو قيمة .
هروبها الأخير تعرض فيه رسائل إلكترونية تم تبادلها بينها وبين جماعة الأمر بعد خروجها منهم ، وتبين للقارئ كيف حاولت ملياً إقناعهم بأنها لم تخرج إلا بهدوءها ، لا تقصد إثارة المتاعب وليس لها الرغبة لتعاديهم أو تحقد عليهم ، بل إنما هي راغبة في إبقاء صداقتها معهم ....الخ .

بعد الإحدى عشر هروباً التي كتبتها ، تعرض لنا باسمة سلسلة مقالات منشورة تتعلق بشكل أو بآخر بخروجها من جماعة الأمر ، حاولت أن آتي بتعليق يلخص المقالات ، أو ممارسة هوايتي في اقتباس أكثر المقاطع تأثيراً في نفسي من النص الأصلي للمقال .
المقال الأول : أثر الفراشة
تحاول باسمة أن تقنع القارئ وخصوصاً جماعة الأمر إن ما حصل ليس بالأمر المهول ، فهو ليس عاراً وهي ليست خجلة من ماضيها أو نادمة عليه ، في محاولة منها للتصالح مع ماضيها .
المقال الثاني : عنف الفراش
باختصار ، تتعدد قراءتنا للحقيقة ، فكلٌ يقرأ الحقيقة من زاوية ، ولا أحد يمتلك الحقيقة كاملةً .
المقال الثالث : فراشة اتصال :
"زمن كل منا هو عدده غير المتخيل من اللحظات ، وحياته تصنعها مجموع لحظاته التي يعيشها إلا أنه لابد لكل لحظة معاشة أن تشتبك بحركة تقولها ، اللحظة التي لا تقول حركة هي لحظة لايمكن أن تؤرخنا " .
المقال الرابع : مغايرة فراش :
"حين نسكن فكرةً واحدة ، تصير الفكرة سوراً وفي السور (أسر) وفي السور (سر) " .
"تكون الفكرة اتصالاً حين تخترقنا لنخترقها ، لا لنسكن فيها ، حين تخترقنا بضوئها مرة لنخترقها بأصواتنا ألفاً ، حين تكون الفكرة مروراً نحو الأفكار الأخرى لا محل نزول واستقراء وبقاء " .
"الفكرة الخصبة إذن ، هي ليست مرآة الحقيقة ، بل ما تعدد من مرايا الحقيقة ، وليست ما نمسك به بل ما ينفلت من بين أيدينا ونعجز عن الإمساك به " .
المقال الخامس : ذاكرة الفراش
اختصرت المقال بأقل من عشر كلمات / الأفكار لا تمحى آثارها حتى إذا أعدم صاحبها .
المقال السادس : غبار الضجيج
"الذين يملئون الهواء ضجيجاً هم أولئك الذين لا يستطيعون مجاراة قوة الضوء ، هم أولئك الذين لا يملكون إجابة يقدمونها بين يدي الضوء ، هم الذين يخشون فضح الضوء لتخبطاتهم ، هم الذين يخيفهم أثر هدوئه المتسلل بينهم .
المقال السابع : ثمرة فحة
(إن مثل الدنيا شجرة ، ونحن عليها كالفواكه الفجة ، الفواكه الفجة تتمسك بالغصون بشدة لعدم نضجها ، وبعدما تنضج وتصير حلوة يضعف تشبثها بالأغصان .إن التشدد والتعصب من عدم النضج . جلال الدين الرومي ) .
"لعلنا نقبل ببساطة أن نرى ثمة ثمرة فجة ، تتشبثث بفجاجة (كونها لم تنضج بعد) ، بأحد أغصان شجرة الكون خلال مرحلة هامة من مراحل حياتها ، وصولاً إلى نضج معين . لكن ما لا يمكن للعقل قبوله ، هو أن تبقى الثمرة فجة طوال حياتها ، أو أن تبقى أبدية في تعلقها الفج ، على غصن تبقى تراه وحده كل الشجرة ، وغاية ما في الكون " .

خاتمة :
قبل أن أبدأ خاتمة التدوين هذه ، لا أعلم لماذا أعادتني الذاكرة وأنا أنتهي من قراءة الكتاب ، إلى تعليق قرأته قبل فترة في موقع الوقت الإلكتروني ، على إحدى مقالات الشقيقة باسمة القصاب ، حين خاطبها قائلاً "خرجت من السفارة إلى الحداثة ، فمن السيء للأسوأ" مختتماً تعليقه بتمنيه لها بالهداية .
تبسمت لهذا التعليق الذي يرتكز في ذهني ، ويراودني في مناسبات محددة ، لا أعلم ماهي لحد الآن .
أما حقيقة ما تلقيته ، فلكي أكون أميناً مع نفسي وصادقاً ، لا لكي أمدح فقط . لقد أذهلتني كثيراً باسمة بتحليلها العلمي الإجتماعي الإنساني للتجربة ، لم يكن غريباً ما قرأت على مستوى ثقافة واطلاع باسمة ، إلا أنه يبقى محل إعجاب .
هذه القدرة على التحليل بالإستناد إلى مجموعة من المرجعيات الفتكرية المختلفة والملفتة والمتباعدة عن بعضها البعض أحياناً ، يحيلنا إلى بناء شخصية الكاتب المنفتحة على أكثر من نافذة ، وأكثر من توجه .
الجانب الآخر من التلقي كان سلبياً مبرراً ، فرغم تفهمي لصعوبة الموقف ، إلا أنني أحسست إن باسمة مارست الكثير من الرقابة على نفسها في تدعيم تجربتها ببعض الشواهد والوقائع "الحقائق" ، وقد يكون تبريرها يصب في اتجاه إن التجربة كتبت على إنها سيرة فكرية لا ذاتية ، ومع الإشكال الكبير حول هذه المسألة إلا أنني يمكنني تقهم الدوافع الأخرى لعدم تضمين التفاصيل ، وأهمها هو إن الكاتبة هي إمرأة تعيش في مجتمع محافظ يصعب تجاوزه .
التلقي السلبي الآخر كان في إحساسي بأن باسمة - ليست كما تقول - بأنها غير خجلة من تجربتها وما ضيعا وإنها لا يمكنها أن تفصل ماضيها في الجماعة عن تاريخها ، حيث إن عدم ذكرها للتفاصيل قد يصب في اتجاه خجلها وشعورها بالعار من بعض الأفكار والطقوس والممارسات التي لا تليق بشخص منفتح مثقف كباسمة القصاب .
قد يكون جانب تأنيب اضمير هو أحد الجوانب الأخرى المؤثرة التي تمنع باسمة من سرد الوقائع ، والتي قد تعرضها لضغوط أو تهديدات من قبل جماعة الأمر ، والأمر الأخير في هذه القصة "عدم ذكرها للتفاصيل" هي إن باسمة تحترم خصوصية تجربتها .
لازلت لا أرى اعترافاً لها بوقوعها في الفخ ، أو الخطأ الفكري الكبير والجسيم ، ولازلت لا أعلم حتى كيف خرجت باسمة من الجماعة ، إلا أنني أقدر ذلك ، وأبقى متفهماً للأمر ، لأنهي تدوينتي هذه بشكري لها لإهداءها كتابها الجميل والممتع الذي رحلت فيه أحلق بعيداً وبعيداً ، وشغف المتابعة حتم علي إنهاءه في أسرع فرصة ممكنة وقد فعلت ذلك حقا ً.